معهد ليفانت للدراسات

سُـــوريا بين 2010 و 2016

سُـــوريا بين 2010 و 2016
يونيو 04
20:44 2016

بحث أجراه مركز فيريل للدراسات ببرلين، في سوريا خلال شهر أيار 2016، في الأحوال الصحية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب السوري.
 

كان الاهتمام الأول للشعب السوري منذ بداية الحرب هو الوضع الأمني وتداعياته، لكن ومنذ أواخر 2015 وبداية 2016 ورغم استمرار الحرب، بات الاهتمام الأول هو الوضع الاقتصادي والمعيشي، خاصّة مع الانفجار الكبير لسعر الدولار الذي هز ّ الأسواق السورية، وبالرغم من أنّ التعامل بالدولار ممنوع في سوريا، ولا يوجد أيّ ارتباط بين سعره وكثير من الأساسيات المعيشية للمواطن، إلا أنّ اهتمام الشعب بسعر الدولار بات شغله الشاغل، وأصبح بائع الحليب يربط سعر ليتر الحليب بسعر الدولار.

 

ابتدأ ارتفاع الدولار  منذ نيسان 2011 لكن بشكل بطيء، في الأشهر الأخيرة، أصبح الارتفاع سريعاً، فانعكس ارتفاعاً جنونياً في أسعار الحاجات الأساسية لعيش المواطن، ارتفاع لا يتناسب بأيّ شكل مع دخل الفرد، فتضاعفت مراتٍ أسعار ُ الغذاء والدواء والمواصلات، وتراجع النشاط الاقتصادي كثيراً وصولاً إلى أيار الحالي، ترافق ذلك مع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الكثير من الدول لتزيد الطين بلة، الوضع الاقتصادي أولاً ثم الأمني هما المسؤولان عن هجرة العقول وذوي الخبرات والأيدي العاملة إلى خارج سوريا، وهذا واضح من إصرارهم على الهجرة حتى وإن كانوا يعيشون في مناطق آمنة. نلفت نظركم إلى أنّ هذه الدراسة أجريت على اعتبار سعر الدولار بـ 600 ليرة سورية، بغضّ النظر عن الهبوط المفاجئ /الغامض/ لسعره والذي وصل لـ 420 ليرة أثناء إعداد هذا البحث.


حتى نهاية عام 2010، كانت الرحلات والحفلات والسفر بقصد السياحة، بعروض مغرية من مكاتب السفر إلى لبنان وتركيا وبعض الدول الأوروبية، واحدة من أولويات الشعب السوري. بينما لم نعد نسمع أحداً في عام 2016 يتحدث عن ذلك باستثناء أبناء الطبقات الثرية القديمة أو التي أصبحت ثرية حديثاً.
 
الحالــة الصحية والدوائية:


صناعــة الــدواء: كانت صناعة الدواء في سوريا عام 2010 الأفضل على المستوى العربي، وجودة الدواء السوري جعلته ينافس مثيله الأوروبي كونه يٌصنّع  وفق شروط  Good manufacturing practices GMP، ومرخّصٌ من الشركات الأوروبية والأميركية المانحة للامتياز  والتي وصل عددها إلى 59 شركة. في عام 2010 كانت صناعة الدواء تغطي الاحتياجات المحلية ويتم تصدير 27,63% من الادوية، مما يؤمن ما قيمته 218 مليون دولار  ترفد الخزينة المركزية بالقطع الأجنبي، وتُصدّر سوريا الدواء لـ37 دولة.

في حين يتم استيراد بعض الأدوية التي لا يمكن تصنيعها في سوريا أو تقدمها منظمة الصحة العالمية مجاناً كأدوية السرطانات، والتي لا تتجاوز 6% من الاحتياجات. وصل عدد المعامل التي تصنع الدواء في سوريا إلى 78 معملاً، وكان ينتظر الترخيص له 11 معملاً آخراً. في عـام 2016، تراجعت صناعة الدواء بشكل كبير وحسب تقديرات شبه رسمية، فأنّ إنتاج الدواء في سوريا انخفض إلى 60% عام 2015 مقارنة بعام 2010، نتيجة تضرر المعامل، وكمثال: كانت شركة تاميكو /قطاع عام/ تنتج ما قيمته 1.5 مليار ليرة سورية سنوياً، أصبح انتاجها لا يتجاوز 600 مليون ليرة سورية، حيث توقفت جميع خطوط الإنتاج ولا يعمل سوى خطان.


أسباب تراجع صناعة الدواء في سوريا كماً ونوعاً:


تدمير الكثير من المعامل أو وقوعها بأيدي المعارضة السورية المسلحة.
العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا من الدول الغربية والعربية، وصعوبة الحصول على المواد الأولية الأساسية لتصنيع الدواء.
تراجع جودة الدواء بسبب انخفاض جودة المواد الأولية المستوردة من الهند والصين،
غياب شبه كامل للرقابة من وزارة الصحة، فيقوم منتجو هذه الأدوية بتخفيض النسبة الدوائية الفعّالة فيها.
كانت الحكومة السورية قد رفعت أسعار الدواء المصنع محلياً بـ50% عام 2013، وتدرس الحكومة وبناء على طلب معامل الأدوية، رفع أسعار الـدواء، جراء الارتفاع المخيف الذي تشهده أسعار الصرف.


الكـادر الطبّــي: تراجع عدد الكادر الطبي في سوريا ابتداءً من عام 2011، من أطباء وممرضين وفنيين، وخسرت سوريا آلاف الأخصائيين والأطباء ذوي الخبرة نتيجة هجرتهم أو وفاة آخرين نتيجة التفجيرات والقصف والخطف. وتُعدّ ألمانيا الوجهة الرئيسية للأطباء السوريين، حيث وصلها خلال 5 سنوات قرابة 1100 طبيب وأخصائي سوري، وتكاد لا تخلو مشفى في ألمانيا من الأطباء السوريين، وقد وصل العدد إلى 9 أطباء في مشفى برلين لوحدها. لا يوجد رقم دقيق لعدد الأطباء الذين هاجروا، لكن يتراوح بين 28 إلى 34% من المسجلين في وزارة الصحة، وهو رقم مخيف إذا علمنا أنّ قرى كاملة لا يوجد فيها طبيب. ولا صحـة لما ورد عن اليونيسيف أن 50% من الأطباء السوريين غادروا سوريا.


وضـع المشـافي: أصيبت مئات المشافي والمراكز الصحية نتيجة الحرب، فخرجت كلياً أو بشكل جزئي عن الخدمة، وانخفض أيضاً الدعم الحكومي نتيجة انخفاض الاعتماد المالي المخصص سنوياً، وغابت الرقابة، فتراجعت الخدمات الصحية. وعانت المشافي العاملة من نقص في المواد والتجهيزات الطبية، بالإضافة لنقص في الأخصائيين، ونتيجة العقوبات الاقتصادية توجهت وزارة الصحة السورية نحو إيران  والصين والهند لشراء احتياجاتها، فغطت المتطلبات بشكل غير كامل لكنه مقبول في زمن الحرب. كنظرة إحصائية؛ دُمِرتْ كلياً أو جزئيـاً أكثر من 61% من المشافي والمراكز الصحية في سوريا. وخرجت عن الخدمة نهائياً 59 مشفى كبيرة و378 مركزا صحياً ودمرت أو سُرقت 418  سيارة اسعاف.


انتشـار الأمراض: انتشرت عدة أمراض معدية أو وبائية بصورة أعلى من الطبيعي، لتصل أحياناً لمستوى جائحة محدودة وليست عامة، داخل الأراضي السورية أو في مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن، تعود أسباب انتشار  الأمراض إلى:
سوء الخدمة في مراكز الإيواء وفي مخيمات اللاجئين، حيث يشترك المئات بدورات مياه وحمامات، تسبب انتقال الأمراض المعدية.
تعطيل وتعطل نظام الصرف الصحي في مئات القرى والمناطق والضواحي، نتيجة القصف أو التفجير، حيث بات الصرف الصحي ممر يستخدمهُ المسلحون للوصول إلى أهدافهم.
انتشار الجثث في العراء وفي المنازل والأبنية المهدمة وعدم دفنها، مما يؤدي إلى تعفنها. ولقد تسبب ذلك بالتهام الكلاب الشاردة لهذه الجثث، مما أدى لتوحشها ومهاجمتها الأحياء وعضّهم، فانتشر داء الكَلَب.


تراكم القمامة واختلاط الصرف الصحي بمياه الشرب،
العقوبات الاقتصادية المفروضة وهدم المشافي والمراكز الصحية ومعامل الأدوية، سبب نقصاً في اللقاحات. فقد كانت اللقاحات تشمل 94% من أطفال الشعب السوري عام 2010، انخفضت عام 2016 إلى 66%،
وجود مواد غذائية دخلت سوريا بطرق غير شرعية، غير مفحوصة طبياً ومجهولة المصدر وتاريخ الصلاحية، معظمها جاء من تركيا، كالمعلبات واللحوم المجمدة.


رغم ذلك يرى مركز فيريل للدراسات أن الارتفاع في معدلات الأمراض السارية يبقى مقبولاً حتى اليوم، ولم تُسجّل خلال السنوات السابقة ما يمكن تسميته “جائحة عامة”، وقد لعبت عملية تقطيع المناطق أمنياً بين المسلحين والجيش السوري، دوراً هاماً في وقف انتشار العدوى ومنع حدوث الجائحات.
الأمراض التي ازداد انتشارها بدرجات متفاوتة: السلّ واليرقان واللايشمانيا /حبة حلب/، الإسهال المائي والكوليرا والتيفوئيد وشلل الأطفال والحصبة والتهاب الكبد الفيروسي، كما انتشر القمل والجرب وداء الكَلَب، معظم هذه الأمراض موجود قبل الحرب، لكنها كانت أقل انتشاراً ونسبة الإصابات منخفضة.
اللايشمانيا: وتحديدا “حبة حلب”، وهو مرض طفيلي يكون جلدياً أو حشوياً، انتشرت مناطق الإصابة به بشكل أوسع، وارتفعت معها نسبة الإصابة، وهي مرض ينتشر في حلب وحوض الفرات وبعض مناطق القلمون وخط البادية السورية.


 بعد عام 2011، ارتفعت نسبة الإصابات بشكل كبير  في طرطوس وحماة واللاذقية، وكان المصدر هو السكان الوافدين وليس من بيئة هذه المحافظات، حيث يقوم الوافد بنقل الحشرة الناقلة وهي ذبابة الرمل، بين حاجياته أو داخل ثيابه، وهي حشرة صغيرة الحجم 3 ملم وسطياً، صفراء اللون  تشبه حبة الرمل،‏ كان نصيب محافظة الحسكة كبيراً بعدد الإصابات الجديدة فقد سجل في عام 2015  أكثر من 11 ألف إصابة، وبقيت حلب الأعلى، ولا توجد إحصائيات رسمية بعدد الإصابات لكنها تقترب من 20 ألف إصابة. ويقدر مركز فيريل للدراسات عدد الإصابات المتوقعة لعام 2016 بأكثر من 60 ألف إصابة، علماً أنها كانت في النصف الأول من عام 2011 هي 31413 اصابة، بينما كانت عام 2007 وحسب وزارة الصحة هو 17700 إصابة فقط.


الكوليرا: انتشارها أعلى بقليل مما كانت عليه قبل الحرب ومحدود.
التيفوئيد: ازدادت الإصابة به كونه من الأمراض المنقولة بالماء والغذاء، نتيجة تضرر شبكة المياه والصرف الصحي وهو مرض تنقلهُ عصيات تطرح بالبراز، وتنتقل بسرعة عن طريق الذباب، أو عند إعداد الطعام بأيد ملوثة غير نظيفة،
التهاب الكبد ( A): هو التهاب كبدي حاد يصيب الكبد نتيجة الإصابة بفيروس الالتهاب الكبدي (HAV)، تنتشر العدوى من شخص مصاب إلى آخر عن طريق الأكل والشراب الملوثين بهذا الفيروس، كما تنتقل العدوى عن طريق تناول الطعام غير المطهي جيداً، أو الأطعمة التي تأكل نيئة مثل كالخضار الفواكه التي تؤكل بدون تقشير، أو بعد غسل الطعام بماء ملوث، أو بالبراز والجنس. لهذا كله ازداد انتشارهُ بشكل كبير،
الحصبة: عدد الإصابات عام 2010 كان صفراً، أي أنّ سوريا كانت خالية من هذا المرض، في عام 2012 أحصيت 383 إصابة، ويتوقع تضاعف العدد عام 2016 بسبب عدم وجود اللقاحات في كثير من المحافظات مثل الرقة وإدلب وحلب،
الزحار: الإصابات ضمن المعدل الطبيعي.


الأمراض التنفسية: ارتفاع كبير في نسبة الإصابة، بسبب تلوث الجو بالتفجيرات والحرائق الناجمة عن القتال، وأكثر المناطق إصابة هي محافظة دير الزور والحسكة، نتيجة استنشاق الدخان الناتج عن النفط الخام الذي يستخرجه المسلحون هناك بطرق بدائية، ويسبب ذلك اصابات تنفسية  واضطرابات دائمة في الجهاز العصبي، وقد علم مركز فيريل للدراسات بأنّ نسبة سرطانات الطرق التنفسية والرئة والحنجرة ارتفعت بنسبة 10% نتيجة تلوث البيئة بسبب الحرب.
داء الكلب: ارتفعت الإصابة به بشكل كبير في عامي 2012 و2013، نتيجة عضات الكلاب الشاردة، ثم عادت للانخفاض بعد القضاء على قسم كبير من هذه الكلاب.  وحسب مديرية صحة الحسكة أن عدد الأشخاص الذين تعرضوا لعضة كلب في الحسكة فقط بلغ نحو 2868 إصابة في عام 2012.
السل: الاصابات ضمن المعدل الطبيعي.


الإصابة بالفيروس الوبائي «كورونا» شبه معدوم في سوريا.
الأمراض الجنسية: ارتفعت الإصابات بالأمراض الجنسية رغم ظروف الحرب، نتيجة الانحلال الخلقي والدعارة المحدودة غير المنظمة، خاصة في مخيمات اللاجئين خارج سوريا، وارتفاع نسبة الاغتصاب في مناطق القتال وبين المسلحين بالإضافة للواطة، وانتشار جهاد النكاح بين صفوف المسلحين، حيث سجلت إحدى مجاهدات النكاح وهي “إيناس” 17 عاماً، تونسية، في 13 كانون الثاني 2013، ممارستها للجنس مع 100 رجل خلال 27 يوماً. وهناك انتشار للإيدز خاصة على الحدود التركية السورية، لكن لا توجد إحصاءات دقيقة لذلك.
 
 
الحالــة المعيشـية:


رغم سنوات الحرب الخمس في سوريا، فالملاحظ أنّ المواد الأساسية متوفرة ولم تعاني الأسواق من فقدانها سوى لفترات قصيرة، بالإضافة لتوفر المنتجات النسيجية والصناعية والكهربائية والتكنولوجية، وقد استطاعت الدولة السورية التكيّف مع الظروف والعقوبات المفروضة، واتجهت إلى الأسواق الشرقية لشرائها، لكن المشكلة الكبرى كانت في ارتفاع الأسعار الجنوني، وعدم قدرة المواطن السوري على شرائها، فأصبح بالنسبة له سيّان؛ وجودها من عدمه. ويكفي أن نعلم أنّ عائلات كثيرة بات وجود اللحم على موائدها نوع من الرفاهية، خاصة إن علمنا أن راتب الموظف العادي يمكنه شراء 4 كلغ من اللحم فقط.


الأسرة الفقيـرة: وصلت نسبة الفقر في سوريا بسبب الحرب إلى رقم مخيف، هو 86,7%، وبحسب مركز فيريل للدراسات في برلين فإن خط الفقر هو ما دون 1200 ليرة يومياً كنصيب للفرد الواحد، أي ما يعادل 2 دولار، وبالتالي كل فرد مدخوله الشهري أقل من 60 دولاراً أي 36000 ليرة سورية هو دون خط الفقر العالمي، وقد اتخذ المركز في دراسته العائلة السورية المكونة من 5 أفراد فقط، حيث يبلغ متوسط راتب موظف معيل لأسرة مكونة من 5 أشخاص 24000 ليرة سورية عام 2016، وهو لا يكفي لفرد واحد من عائلته، وتبلغ حاجة هذا الفرد الدنيا الشهرية كما ذكرنا 36000 ليرة سورية، وبالتالي تكون حاجة الأسرة بكاملها 180000 ليرة سورية، أي أنّ الأسرة السورية المكونة من خمسة أفراد ودخلها الشهري هو 180000 ليرة سورية، تكون عند خط الفقر العالمي. ولا يختلف هذا الرقم عن معايير الفقر العالمية التي حددها البنك الدولي، حيث رفع البنك خط الفقر إلى 1,90 دولاراً في اليوم للفرد الواحد.

وبذلك يرى مركز فيريل للدراسات أنّ أخطر الأعوام اقتصادياً على المواطن السوري هو عام 2016، بسبب الارتفاع الهائل في تكلفة المعيشة للفرد، خاصة الذي خسر عمله نتيجة الوضع الأمني وإغلاق الكثير من المشاريع، بالإضافة لخسارته منزله واستئجاره غرفة أو منزل صغير، فبات همّه اليومي تأمين الغذاء ومصادر التدفئة وتكاليف المواصلات والفواتير، فهل يكفي هذا الرقم لشخص مثله؟. والسؤال الأهم : كيف يمكن تأمين مبلغ 36000  ليرة سورية شهرياً للفرد الواحد؟.


الأسـرة المتوسـطة: تضاءلت أعدادها بشكل كبير، كونها كانت معظمها عند الخط الفاصل بين المستوى المتوسط والفقير. وانخفضت القوة الشرائية لليرة السورية 91,66%، بحسب ما قدره مركز فيريل للدراسات على حساب أن الدولار يساوي 600 ليرة، لكن اليوم بتاريخ 31 أيار 2016، وصل سعر الدولار إلى 420 ليرة وهو بهبوط مستمر، تكون الليرة السورية قد خسرت 88,09% من قيمتها الشرائية أمام الدولار، وبالتالي فإن الأسرة المتوسطة الدخل التي انخفض تعدادها إلى أقل من 10% من المجتمع، باعتبار أن نسبتها كانت قبل الحرب 60% من الشعب، تحتاج شهرياً لـ 240 ألف سورية كمدخول شهري، لكي يستطيعوا تأمين حياة كريمة متوسطة، فوق خط الفقر، دون أي ترفيه، أي ومقارنة مع عام 2010؛ يجب أن يكون راتب الموظف السوري عام 2016 هو 240 ألف ليرة سورية كي يعيش حياة مماثلة لما كان عليه عام 2010.


حسب مركز فيريل للدراسات، الوضع الاقتصادي والحالة المعيشية المتردية بالإضافة للفساد وجشع التجار، يمكن أن تؤدي إلى مجاعـة حقيقية في سوريا، وقد ينعكس ذلك باضطرابات أكبر، والوضع يتطلب من الحكومة حلولاً اسعافية سريعة، بزيادة دعمها لجميع السلع الأساسية، كالأرز والخبز والسكر والزيت والطحين ومواد التدفئة، كما كان عليه الوضع قبل الحرب، بالإضافة لتحجيم تدخلات كبار التجار واحتكارهم للسوق، ومحاربة الفساد.


يلفتُ مركز فيريل للدراسات إلى أنّه رصد الكثير من الحالات التي لا تصل فيها المساعدات التي تقدمها الجمعيات الخيرية أو المنظمات الدولية، لقسم كبير من اناس محتاجين، وتصل لعائلات ميسورة وغنية، ويقوم الأشخاص الذين أوكلت لهم مهمة توزيع المساعدات بالإتجار بها أو تخزينها، أو مضاعفة حصصهم بتزوير الأسماء أو مكان الإقامة، كأن يقوم الشخص بتغيير السجل المدني من منطقة آمنة، ويضعه في منطقة مهدمة، فيصبح من النازحين أو المهجرين. تتضمن السلة الغذائية للهلال الأحمر 10 كغ أرز، 5 كغ سكر، 3 كغ معكرونة، 4 كغ برغل، 6 ليتر زيت، 6 كغ فول، كيلوغرام ملح، 5 كغ عدس، 5 كغ حمّص. توزع كل شهرين، بالإضافة لتوزيعها في الفترة القريبة الماضية لفرشات اسفنج، توزع بعض الجمعيات إعانات مالية بين 30 و40 ألف ليرة للأسرة الواحدة، أو تعطي سلل تحوي منظفات وصابون ومحارم وبطانيات، بالإضافة للدورات التعليمية والتثقيفية لجميع الأعمار، وتقدّم بعض الجمعيات علاجات نفسية وتساعد في تغطية تكاليف العمليات الجراحية وترميم المنازل المهدمة.


تأسست نتيجة الحرب عشرات الجمعيات الخيرية، وكانت محلية أو خارجية التمويل، حكومية وخاصة مدنية أو دينية، بلغ عدد الجمعيات المرخص لها قرابة 100 جمعية، قدمت خدمات وخبرات أفرادها للشعب السوري، وقد رصد مركز فيريل للدراسات أقل من 30 جمعية ناشطة فقط، وذات أهداف إنسانية وتقوم بعملها بشكل جيد أو مقبول، بينما كانت باقي الجمعيات مصدراً للكسب غير المشروع أو طريقاً للشهرة أو ذات غايات بقصد جمع معلومات ما، أو نشطت فترة قصيرة ثم توقفت بسبب نقص التبرعات. تتوزع هذه الجمعيات في المناطق الأكثر أمناً. أدت زيادة عدد الجمعيات لضياع المواطن بين خدماتها ومواعيد تقديمها، بالإضافة إلى البعد الجغرافي بين مراكزها وفروعها، علاوة على التغيير في خططها أو التخفيف في عطاءاتها نتيجة نقص التمويل وغيرها من الأسباب، يؤدي هذا إلى اعتماد المواطن على أكثر من مورد أو تغييره للمورد وفقاً للمتغيرات.


لم تعد جودة المنتجات ذات أهمية كبيرة للمواطن السوري، بل سعرها. فلم يعد يشتري الدجاج البلدي، أو لحم الضأن بسبب غلاء سعره، وأصبح يشتري لحوماً مُجمّدة، أرخص سعراً. كما يشتري المواطن الأنواع الرخيصة من مشتقات الألبان والزيوت الغذائية والمعلبات، بالإضافة للمنظفات ومعاجين الأسنان والأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية وغيرها، مما يُعرضُ في أسواق “الدوغما” التي نشط سوقها بشكل كبير. ويعتبر هذا مؤشراً سلبياً وخطيراً على ما آلت إليه أولويات المواطن وطريقة تفكيره ومعالجته للأمور، حيث أصبح يفضل الطعام الخالي من القيم الغذائية ومعايير السلامة، أمام هذا التخبط الجنوني للأسعار.


مقارنة بعام 2010، ارتفعت أسعار الخضار لعام 2016 بنسبة 1690%، وارتفعت أسعار الفواكه بنسبة 1310%، كما ارتفعت الألبان والأجبان بنسبة 1180%، أما أسعار اللحوم فقد ارتفعت بنسبة 1100%، كان سعر ربطة الخبز  15 ليرة للـ1800غ، فأصبح 50 ليرة لـ 1300غ ، المشروبات الغازية ارتفعت بمقدار 1200% . تقدر نسبة ارتفاع سعر الألبسة بمقدار 320%، ارتفعت تكاليف المواصلات 700% لباصات النقل الداخلي الحكومية و500% للميكرو باصات الخاصة، أما شركات النقل الخاصة فقد ارتفعت بمقدار 400%، ويصل ما ينفقهُ المواطن إلى 2100 ليرة شهريا على الأقل على المواصلات، سواء بباصات النقل الداخلي الحكومي أو الميكرو باصات. وصلت نسبة ارتفاع أجور سيارات الأجرة /التاكسي/ ضمن المدينة إلى 660%.


فواتير الكهرباء والمياه: تبلغ فاتورة الكهرباء وسطياً لدورة واحدة حوالي 2000 ليرة، بينما تبلغ فاتورة المياه وسطياً ولدورة واحدة حوالي 500 ليرة، أما فاتورة الاتصالات فتبلغ 2000 ليرة للدورة الواحدة وسطياً. ما ينفقه الفرد على التدفئة فيبلغ 28000 لكل 200 ليتر مازوت،  وهذا ما كانت عليه الأسعار خلال شتاء 2015 أي يصرف خلال شهر 2333 ليرة لمادة المازوت. بالنسبة لمن لا يستطيع شراء مادة المازوت فقد كان لديه خلال السنوات السابقة خيار التدفئة على الحطب، إلا أن سعر طن الحطب ارتفع إلى 40000 ليرة بعد أن كان في بداية الحرب 12000 ليرة، وقد اضطر كثيرون لحرق الملابس البالية أو البلاستيك أو أي مادة قابلة للاشتعال، للحصول على الدفء.


كمثال مجرد على غلاء المعيشة بالنسبة للمواطن السوري في أيار 2016: عائلة مكونة من خمسة أفراد، يتناولون ثلاث وجبات يومياً، هي سندويشة فلافل للفرد في كل وجبة، سعر السندويشة هو 200 ليرة، رب العائلة سيدفع 90 ألف ليرة سورية شهرياً للغذاء فقط.


بالنسبة للعقارات والسيارات، فقد ارتفعت أسعارها مقارنة بالليرة السورية، وانخفضت مقارنة بالدولار، بشكل عام ارتفعت بنسبة 500% بالنسبة لليرة. فعلياً؛ انخفضت أسعار العقارات إلى النصف، وبيعت عقاراتٌ حديثة البناء بسعر التكلفة، وعانى سوقها من ركود لسنوات، لكنه مع بداية 2016 عاد للانتعاش من قبل التجار والأثرياء السوريين وغير السوريين، الذين استغلوا الظروف وراحوا يشترون عشرات الشقق السكنية والمحلات في المدن الرئيسية. كما أنّ هجرة مئات الآلاف من السوريين، دفعتهم لبيع عقاراتهم لتأمين تكاليف رحلة اللجوء إلى أوروبا.


قبل عـام 2011: ارتفعت أسعار السلع والبضائع بشكل بطيء خلال السنوات التي سبقت عام 2011، وبمعدل أعلى من المعدل العالمي بقليل، نتيجة السياسات الاقتصادية التي كانت منتهجة آنذاك وارتفاع أسعار المواد المستوردة عالمياً. فارتفعت الأسعار مابين عامي 2000 و2010 بمعدل وسطي قدرهُ 50%، وذلك بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي، وسوء تطبيقها لانعدام الخبرة وعدم وجود قاعدة اقتصادية محلية وطنية صلبة، تستطيع استيعاب مثل هذه السياسات وتذويبها في بوتقتها، بحيث لا تؤثر بشكل ملحوظ على الأسعار وعلى نشاط السوق المحلية وتصريف منتجاتها، فتحافظ على مستوى معيشة المواطنين وقدرته على شراء السلع المستوردة أيضاً. بعد الانفتاح الاقتصادي، بدأ الخط البياني للاقتصاد السوري بالانحدار البطيء.

ثم جاءت اتفاقية التجارة الحرة مع الحكومة التركية عام 2004 والتي دخلت حيز التنفيذ 2007، يومها وصفها مسؤولون اقتصاديون بالزواج الكاثوليكي، لكنهم نفسهم عادوا ليتحدثوا عنها بأنها كانت مجحفة بحق الاقتصاد السوري، سببت هذه الاتفاقية خسائر كبيرة للمشاريع التجارية المتوسطة والصغيرة، كالمعامل وورشات صناعة الألبسة والأثاث المنزلي، التي كانت تعيل الكثير من الأسر بالإضافة إلى الحصص السوقية الكبيرة التي كانت تشغلها. ترافق ذلك مع رفع الدعم التدريجي والبطيء لهذه المشاريع وبخطط عشوائية مثيرة للتساؤل، انعكس ذلك سلباً على الحالة الاقتصادية المستقرة التي كان ينعم بها السوريون، حيث كان بإمكان المواطن السوري تأمين لقمة عيشه بفجوة ضئيلة بين مستوى دخله وانفاقه، ويمكنه تأمين مستوى دراسي وتنموي لأبنائه يتدرج بين المناطق السورية، الإجراءات الاقتصادية تلك، ثم الحرب الطاحنة التي فتكت بالاقتصاد وبالتالي السياحة والصناعة والتجارة والزراعة، كل هذا أدى إلى انقطاع شبه تام لموارد البلاد، ويمكن القول بوضوح “بدأ انهيار الاقتصاد”.


حسب مركز فيريل للدراسات؛ ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل عام في سوريا بين عامي 2010 و2016 ما قدرهُ 1155%، لهذا وكي يتناسب هذا الارتفاع مع دخل المواطن يجب أن يكون دخل العائلة السورية الشهري كحد أدنى هو 240000 ليرة سورية.
 
الحالـة الاجتماعية:


الوضـع الأخلاقي: حصل كثير من التردي الأخلاقي في المجتمع بما في ذلك العلاقات الشخصية والعائلية، بدأ الانحدار على مستوى العلاقات الشخصية والاجتماعية قبل الحرب على سوريا، فازداد التردي الأخلاقي والخلاعة والخيانة وممارسة الجنس خارج الإطار الشرعي، وارتفع بالتالي مستوى العنوسة، بسبب سهولة إيجاد علاقات جنسية غير شرعية للشاب، الأمر الذي يجعلهُ يؤجل خطوة الزواج وربما يلغيها، طبعاً بالإضافة لغلاء تكاليف الزواج، وهنا يتحدث مركز فيريل للدراسات عن الشباب من جميع فئات وطبقات المجتمع، تقوم تلك العلاقات في معظمها على اضمحلال وتحلل المبادئ والأخلاق وبناء علاقات تقوم على الكذب والغش والخداع، ساعدت المسلسلات التركية بقصصها الغرامية، على ذلك، وكانت المساعدة الأكبر من مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أصبحت توفر الوقت والجهد على الشاب أو الفتاة، للتعارف وسهولة اللقاء، والذي يكون مبنياً أحياناً كثيرة على معلومات مغلوطة قدمها الشاب عن نفسه. بالمقابل؛ ازداد انغلاق المجتمعات المتدينة، وبات البون شاسع بين طبقتين تمثلان التحرر الفوضوي أو التعصب الأعمى. لكن حتى في المجتمعات المتعصبة، لم يستطع الأهل حجب أبنائهم وبناتهم عن الوصول إلى المحظورات عبر الانترنت، لكن كل شيء يتم في الخفاء.


لم يقتصر الانحلال الأخلاقي على العلاقات الشخصية كما ذكر مركز فيريل للدراسات، بل امتد ليشمل العلاقات العائلية والأسرية التي بدأت تتفكك تتهمش و تنحدر وتضطرب، نتيجة تشتت العائلات وتفرقها داخل وخارج سوريا، وبين المناطق بسبب ظروف الحرب، وحدوث حالات شقاق سياسي ضمن الأسرة الواحدة، يتطور لنزاع بالسلاح، لاختلاف الانتماءات السياسية. تفكك الأسرة بدأ منذ دخول الانترنت إلى منازل السوريين قبل عام 2011، وابتعاد أفراد الأسرة عن بعضهم وازدياد حالات الانغلاق على النفس، يرافقها غرق الشباب في نمط الحياة الغربية الذي لا يتلاءم مع حياتنا وطريقة تفكيرنا وطباعنا،


بعد 2011، نشأت طبقة من الشبان المتهورين المنتفعين مما يجري، شكلت عصابات إجرامية امتهنت السرقة والخطف والقتل، وبات إشهار السلاح واستخدامه تقليدا يوميا عند أي خلاف، وقد حصلت عمليات اختطاف وطلب فدية لأقارب لهم. كما استغلت عمليات الخطف للتغطية على أشخاص قاموا بعمليات النصب أو الاختلاس ولاذوا بالفرار إلى دول أخرى، كأن يدّعي ذوو شخص ما بأنه مخطوف، بينما هو لاجئ في أوروبا ومعه الأموال التي سرقها.


حتى قبل عام 2011، انتشر الفساد وعمليات النصب والاحتيال والسرقة، وتضاعفت الرشاوى التي أصبحت علنية ووقحة، وكثرت مكاتب التشغيل والتي هدفها المُعلن؛ مساعدة الشباب في إيجاد وظائف خارج البلاد، إلا أنها كانت تجمع الأموال وتختفي فجأة، كذلك قامت عدة مكاتب سفر وسياحة على نفس المبدأ قبل الحرب. بعد عام 2011 أصبحت المتاجرة تتم بالبشر وخبراتهم وأعضائهم، بالإضافة إلى تهريبهم بطرق غير شرعية، تطور العمل في هذ المجال في فترة الحرب بشكل كبير وعلى نطاق واسع وبمجالات متعددة.


نتيجة التحلل الأخلاقي في هذه الحرب، برزت أساليب احتيال غريبة عن المجتمع السوري، وحسب معلومات من مصادر قضائية، فإن المحاكم السورية تنظر بقضايا تزوير شهادات الوفاة أو وكالات عامة لأشخاص هم داخل أو خارج سوريا، وتقديمها للمحكمة للحصول على الميراث، وحرمان الشخص الموكِّل منه، أو بيع عقارات وأراضٍ وممتلكات الغير. من جانب آخر تضاعفت الجرائم الجنائية في سوريا مرتين على الأقل منذ عام 2011 .


من نتائج الحرب انحسار كبير للطبقة الوسطى. يُقاس رقيّ المجتمعات وقوة استقرارها باتساع رقعة الطبقة الوسطى، لأنها محرك النشاط الثقافي والاستثمار الاقتصادي، وأكثر فئات المجتمع علماً وثقافة ومشاركة في الشأن العام، قبل عام 2011 شكلت الطبقة الوسطى أكثر من 60% من المجتمع السوري، ولئن لم تكن متجانسة من حيث التشكيل والمنبت الاجتماعي والديني، لكنها كانت تقود المجتمع خاصة وأنها تتكون من الموظفين والأطباء والمهندسين والمثقفين والمعلمين والأدباء والحرفيين وصغار التجار والصناعيين. عام 2016 تشكل الطبقة الوسطى في سوريا 9,4% فقط من الشعب السوري، فقد خسرت سوريا مئات الآلاف من أبناء الطبقة الوسطى بسبب الهجرة أو القتل أو البطالة.


نشوء طبقة جديدة من أغنياء الحرب: وهي طبقة ضمّت تجار  المخدرات والسلاح والبشر والمحتكرين ومسؤولين استغلوا مناصبهم في هذه السنوات، وهي من أخطر ما يواجه سوريا في السنوات القادمة. بالمقابل، خسرت الطبقة الغنية في سوريا عدداً كبيراً من أفرادها، بسبب هجرتهم مع أموالهم إلى تركيا ومصر وأوروبا، أو بسبب خسارة بعضهم لممتلكاته ومصانعه في مناطق القتال، وقد رصد مركز فيريل للدراسات عدداً من الأغنياء الذين تحولوا خلال سنوات الحرب إلى فقراء يتلقون المساعدات من المنظمات الخيرية.  تشكل الطبقة الغنية في سوريا 3,9%.


العنف ضد الأطفال: في احصائية سابقة لمركز فيريل للدراسات نشرت في آذار 2016 بعنوان “360 ألف مقاتل أجنبي قاتلوا ضد الجيش السوري”  http://firil.net/?p=1849 ، قتِل في سوريا أكثر من 3000 آلاف طفل حملوا السلاح وقاتلوا في صفوف المعارضة السورية، يلخص هذا وضع الطفل في سنوات الحرب. نتيجة الحرب وتدني مستوى الدخل، والاضطرابات النفسية التي يعاني منها الوالدان، فقد ازداد العنف ضد الأطفال، والذي وصل لحد القتل فقد سُجّلَ مقتل 198 طفلاً عام 2014 بسبب سوء معاملة الوالدين أو ولي أمرهم، وبسبب زج الأطفال في العمل بسن مبكرة لضيق ذات اليد، ويمكننا القول أنّ 95% من أطفال سوريا عانوا بطريقة أو بأخرى من نتائج الحرب، كانت هذه المعاناة نفسية أو جسدية، تبدأ من الخوف والقلق والحرمان وسوء التغذية، لتصل لأمراض نفسية وعاهات جسدية يستحيل الشفاء منها.

من ناحية أخرى ارتفع معدل التحرشات الجنسية بالأطفال، خاصة في مخيمات اللجوء ومراكز الإيواء، وسجلت حالات اغتصاب كثيرة في مخيمات تركيا ولبنان والأردن، لكن الخوف من المجتمع جعل أهل الطفل يتسترون عليها. في ألمانيا وفي مراكز اللجوء، سُجّلت عشرات الحالات من التحرش الجنسي بالأطفال والاغتصاب، وقتل طفلان بعد تعرضهما للاغتصاب في مراكز اللجوء. من جانب آخر؛ تمّ تزويج فتيات سوريات بمراكز اللجوء للدول المجاورة لم يبلغن 12 عاماً، والعملية برمتها ليست أكثر من صفقة بسعر بخس للفتيات يُزوجن من رجل جاوز الستين، للتخلص من حالة الفقر التي تعيشها هي وأهلها.
 
العنوسـة: أهم شروط تأسيس العائلة هو توفر العمل والمسكن، البطالة منتشرة بنسب مخيفة، والمسكن بات من المستحيل شراؤه وتأمين الأثاث، وبإضافة أسباب أمنية واقتصادية أفرزتها الحرب، كانعدام الأمن وغلاء المعيشة، علاوة على النزوح والهجرة واللجوء، والتحاق معظم الشباب بخدمة العلم أو اللجان الشعبية والدفاع الوطني أو هجرتهم خارج سوريا، أو وفاتهم نتيجة الحرب، كل هذا أدى لعزوف الشباب وبشكل كبير عن الزواج بسبب حياتهم غير المستقرة، حيث يرون أن الارتباط بفتاة في ظل هذه الظروف هو ظلم لها ولعائلتها، وقد وصل الرقم إلى نسبة مخيفة في بعض المناطق، مما دفع البعض، وبشكل جدي، لطرح قضية الزواج الثاني أو الثالث كحل للمشكلة المتفاقمة. يتوقع مركز فيريل للدراسات أن ترتفع نسبة العنوسة لدى الإناث في سوريا عام 2016 بعد سنوات الحرب الخمس إلى 41%.

أما نسبة العنوسة قبل عام 2011 فكانت 28% للإناث و19% للذكور، ما يجري علمياً ضمن هذا المجال هو ارتفاع سن الزواج، إذ ارتفع عند الشباب من 27 سنة في عام 2004إلى 35 سنة عام 2016، أما عند الأنثى فارتفع سن الزواج من 22 سنة عام 2004 إلى 33 سنة، ويختلف هذا السن تبعاً لدرجة ثقافة المجتمع وحالته المادية، فنسبة العنوسة لدى المجتمعات المتدينة والفقيرة لم تتأثر كثيراً، فشروط الفقراء ليست كثيرة، ويتم تزويج الفتاة مع أول طارق للباب، أما في المجتمعات المنفتحة أو المتعلمة، فقد ارتفعت نسبة العنوسة بسبب اصرار الفتاة على تكميل تحصيلها العلمي، وكثرة شروط الأهل ومتطلباتهم. والشاب بات يُفضل الفتاة العاملة التي تتقاضى راتباً يساعدهما على تأسيس عائلة. بشكل عام أعلى نسبة عنوسة للجنسين هي بين الذين كان تحصيلهم العلمي متوسط.


بالمقابل ومن خلال مركز فيريل للدراسات في برلين، ارتفعت نسبة الطلاق بين اللاجئين السوريين المتزوجين في ألمانيا لتصل لأرقام عالية 20%، فكل خمسة نساء هناك امرأة حصلت على الطلاق بعد وصولها لألمانيا، وأكثر حالات الطلاق حدثت بين اللاجئين السوريين القادمين من محافظة إدلب. وقد لعبت القوانين الألمانية وقانون المساواة دوراً رئيسياً في ذلك، فانكمش دور الرجل الآمر الناهي وبات بإمكان كل امرأة تتعرض للعنف من قبل زوجها، هجره أو طردهُ من المنزل بمساعدة السلطات الألمانية.


الحالة الثقافية: من الطبيعي أن يتراجع الاهتمام بالثقافة في زمن الأزمات والحروب، لكن هل كان الوضع الثقافي قبل الحرب سليماً؟ يُعتبر الشعب السوري من اكثر شعوب العالم اهتماماً بالسياسة، ويحتل المرتبة الثانية بين الدول العربية ثقافة وعلماً بعد لبنان تليه فلسطين ثم مصر فالعراق، حسب دراسة أجراها مركز فيريل للدراسات في نيسان الماضي نشرت بعنوان: “ماذا يا أمة اقرأ؟” http://firil.net/?p=2053 . ازداد اهتمام السوريين بالسياسة بعد الحرب، وكان مصدر أخبارهم الأهم هو وسائل  التواصل الاجتماعي نتيجة عدم ثقتهم بوسائل الإعلام كافة،


وفق دراسة مسحية قام بها مركز فيريل للدراسات على عدد من دور الطباعة والنشر، تراجعت الحالة الثقافية منذ عام 2011، وتراجع معها الاهتمام بالكتاب وطباعته ونشره، كمثال: في عام 2010 كانت تطبع إحدى دور النشر  في دمشق 80 كتاباً، في عام 2016 يتوقع طباعة 22 كتاباً، أي انخفضت طباعة الكتب إلى 25% تقريباً. ويقرأ كل 14 سورياً سنوياً كتاباً جديداً عام 2010، أصبح العدد الآن 26، بينما كانت تُصدر سوريا سنوياً ما يقارب 1500 عنوان جديد، انخفض هذا العدد إلى الثلث عام 2016، وكان لارتفاع سعر الورق وأجور الطباعة الدور الأبرز في غلاء سعر الكتاب، فالقارئ الذي راتبه لا يكفيه لخمسة أيام، لن يشتري كتاباً ثمنه 1500 ليرة. وقد ازداد سعر الكتاب بأكثر من 800%، بينما بيعت كتب قيّمة مسروقة بـ 200 ليرة فقط، على “البسطات”.


ولجأت الكثير من دور النشر لطباعة الكتب خارج سوريا، بسبب تضرر الكثير منها نتيجة الأعمال الحربية في بعض المدن، أو التي تملك مستودعات في الأرياف، رغم ذلك أصبح سوق الطباعة والنشر غير محصور بعدد معين من الكتاب والأهم أنه غير محصور بأسماء معينة. وظهرت الروايات ودواوين الشعر والكتب المترجمة العلمية والأدبية والسياسية، برونق جديد أكثر جاذبية رغم ظروف الحرب. وحسب مركز فيريل للدراسات فإنّ الكتاب السياسي والاقتصادي والعلمي تراجعت قراءته مقارنة ببداية الحرب، وذلك بسبب اهتمام الناس في البداية بمعرفة ما يحصل في البلاد وتفسيره والاطلاع على أسبابه، لكن وبعد أن طال أمد الحرب فقدوا الأمل بتحسن الأوضاع في المدى القريب، لذلك تحولوا لقراءة الكتب الترفيهية الخفيفية أو دواوين الشعر، فانتشرت الملتقيات الثقافية التي تجمع الشعراء والروائيين بشكل كبير، للتثقيف والترفيه عن أنفسهم وعن الناس في مكان حميم يجتمع فيه الأصدقاء ويخففون من ضغوط الحرب، أما الكتب الدينية فقد تراجعت قراءتها.

لكن المشكلة تكمن في المشاركة في المعارض الخارجية بسبب ما آلت إليه أوضاع تأشيرات دخول الدول الأخرى، التي باتت صعبة ولا تليق بمستوى الحدث إذ يجد الناشر أحياناً صعوبة في حضور المعرض في ظل مشاركة كتبه في المعرض. رغم هذه الظروف الصعبة لم يغب الكتاب السوري عن المعارض العربية التي اعتاد المشاركة بها، لكنها تراجعت بنسب كبيرة في الدول الأجنبية.

 

صدر في دمشق ـ برلين 31.05.2016

مركز فيريل للدراسات ـ برلين، ألمانيا. Firil Center For Studies – Berlin, Germany www.firil.net

تقارير ذات صلة