معهد ليفانت للدراسات

“يوم القدس” .. عامل أمان أم ابتزاز إيراني لقضية العرب ؟

“يوم القدس” .. عامل أمان أم ابتزاز إيراني لقضية العرب ؟
يوليو 17
11:19 2016

بعد إعلان انتصار الثورة الإيرانية ووصول الخميني إلى طهران أعلن الأخير سلسلة من القرارات كان أبرزها قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ومنح سفاراتها في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية حيث تسلمها حينها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في احتفال شعبي كبير، كما أعلن قائد الثورة الإيرانية الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس، تقام فيه المسيرات الكبرى المؤيدة للقدس ولفلسطين وحقوق الفلسطينين المضطهدين.
 

لقد شكلت قضية فلسطين وما تعرضت له مقدساتها وأبناؤها على امتداد أكثر من سبعة عقود من الزمن، أي منذ عام 1948، أمراً مريعاً ومأساوياً بالحسابات الإنسانية، فالاحتلال لم يترك جريمة إلا وارتكبها بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وما زالوا يتعرضون لهذه الممارسات مع كل مطلع فجر جديد.

 

وبالتالي فإن الإعلان عن يوم عالمي للقدس ينطوي على دلالات ومعان رمزية ومعنوية مهمة للغاية ترتبط بواحدة من أهم القضايا في المنطقة في العالم وأقدمها على الإطلاق، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ماذا أراد الإمام الخميني من هذا الإعلان هل بالفعل إعلان يحافظ على ما تبقى من الحقوق الفلسطينية التي قضمتها المفاوضات وضغوط الدول الكبرى، أم أنه أراد من هذه المحاولة فرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية لاعباً وازناً في الشرق الأوسط.
 

يقول محللون إن الإمام الخميني حينما بادر إلى تحديد واختيار يوم لنصرة القدس والقضية الفلسطينية، إنما انطلق من رؤية دينية إنسانية عميقة، بعيداً عن العناوين القومية والشعارات المزيفة والادعاءات الفارغة، وبعيداً عن الحسابات السياسية الخاصة والمصالح الفئوية الضيقة، لأنه قرن القول بالفعل، ومثل أنموذجاً حقيقياً وصادقاً للدفاع عن أبناء الشعب الفلسطيني وتبني قضيتهم تبنياً عملياً، وهذا ما لم يقم به زعيم أية دولة عربية أو إسلامية لا قبله ولا بعده.
 

بمعنى آخر إن يوم القدس العالمي هو ترجمة للوقوف إلى جانب فلسطين والقدس، والدعوة لإنهاء دولة الاحتلال، ولم يتخذ تلك القضية ورقة للمزايدات والمساومات للحصول على مكاسب دنيوية.
 

فيما يرى فريق آخر أن إعلان إيران هذا اليوم هو محاولة للتغطية على تدخلها في المنطقة تحت غطاء حماية فلسطين ومقدساتها، فكان التدخل بداية في لبنان الذي دعمت فيه حزب الله ومولته وجعلته لواء إيراني متقدم على حدود فلسطين المحتلة، كما دعمن القوى الشيعية في العراق وهي اليوم باتت تسيطر على جزء كبير من القرار السياسي العراقي الرسمي، والأمر ذاته ينطبق في اليمن وسورية، هذه الأمور كلها تحدث كما يراها المحللون تحت ذريعة حماية القدس والمقدسات، فيما هي تزيد من نفوذها وتمددها في تلك الأقطار العربية دون رادع، وفي بعض الأحيان يتم ذلك بموافقة قوى كبرى "أمريكا"
 

وعليه إن يوم القدس الذي أعلنته طهران وفق رأي هؤلاء المحللون أذهب حماسة الشباب العربي عن الاهتمام بهذه القضية الكبرى والمحورية لعروبتهم، ودفعتهم للتفكير بقضية أخرى هي كيف يحدون من التمدد الإيراني باتجاه دولهم بمعنى أخر فإن القضية الفلسطينية المركزية تراجعت إلى مرتبة الثانية وربما الثالثة بفعل هذا الإعلان الإيراني.
 

ما بين هذا الرأي وذاك يبدو أن القضية الفلسطينية والقدس بحد ذاتها ضاعت في زواريب المصالح والسياسة وبات أهل فلسطين وحيدين في مواجهة محتل يريد يوماً بعد يوم السيطرة على ما تبقى من أراضي فلسطينية لم تطلها آلة الاستيطان المستمرة، وأدت هذه التباينات إلى انقسامات حتى في الصف الفلسطيني فانقسمت الفصائل والقوى إلى تيار يؤمن بالحل التفاوضي ويرفض أي تدخل إيراني في المنطقة تحت أي ذريعة كانت، وفريق آخر يرى في المقاومة التي تدعمها إيران الطريق الوحيد إلى تحرير فلسطين كل فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، وترى في الحل التفاوضي الذي تبنته الفصائل الأخرى مضيعة لحق تاريخي في أرض فلسطين.
 

أمام كل ذلك يبدو أن قادة إسرائيل قد ربحوا كثيراً من هذا الانقسام الحاصل وباتوا مرتاحين كثيراً لعدم وجود فريق واحد يقف في مواجهتهم ويطالبهم بحقوقه، وهذا دفعهم إلى رفض كل المبادرات المقدمة إليهم حتى ولو كانت مفصلة على مقاسهم.
 

إن يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة من رمضان أبقى ولو شكلياً قضية القدس حاضرة في أذهان العرب والمسلمين ونبههم إلى أن الاحتلال باق على أرض فلسطين وأن المفاوضات والحل السياسي لم يستطع طوال عشرين عاماً من تحقيق الأمن والاستقرار والعودة لملايين الفلسطينين المهجرين عن بلداتهم وقراهم ومدنهم، وأن الحل هو فقط بفرض الحل بالقوة أي عبر المقاومة التي تتبناها القوى والفصائل التي تؤمن بهذا الخيار وإلا فإن فلسطين وعودت أهلها ستبقى حلماً في عقول شعبها، وسيبقى الجدل قائماً هل كان يوم القدس عامل أمان للقضية الفلسطينية أم مجرد ابتزاز سياسي لا أكثر.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة