معهد ليفانت للدراسات

هل يكون جنيف 3 .. الأخير ؟

هل يكون جنيف 3 ..  الأخير ؟
أبريل 15
21:39 2016

مرة أخرى تعطي اللغة الدبلوماسية فرصة جديدة للأطراف السورية للجلوس على طاولة التفاوض في جنيف، بعد فشل آخر مؤتمر دولي استضافته المدينة السويسرية  .. هي المستجدات السياسية والتداعيات التي راكمتها الحرب السورية على مدى خمس سنوات تدفع الجميع – المعنيين والمؤثرين – اليوم للذهاب بحراك جدي، بعد ما تبيّن أنّ استمرار الأزمة يؤذي الجميع، والخيار في نهاية المطاف إما مواصلة القتال أو التوصل إلى تسوية ترضي الجميع.

الدبلوماسية الجادة والمحادثات اليوم لإنهاء الصراع، تجري بدعم روسي أمريكي، بعد تدخل موسكو العسكري في أيلول 2015، والذي كان يستهدف بالدرجة الأولى بحسب المسؤولين الروس دعم العملية السياسية، بمعنى آخر إعادة التوازن بين أطراف الصراع والضغط على الأطراف المتعنتة التي بقيت تعتقد بحسم النزاع عسكرياً، وكانت تعد سيناريوهات للتدخل العسكري المباشر من وراء الحدود، حيث شن الجيش السوري وحلفاءه بدعم جوي روسي هجمات واسعة على معاقل المعارضة، مما أضعفها لفقدانها قوتها على الأرض، وكبل حلفاءها في الإقليم خسائر كبيرة وخاصة تركيا، مادفعها للذهاب إلى التفاوض من دون شروط مسبقة.
 

دول الغرب أيضاً أكثر تصميماً من أي وقت مضى على إنهاء الأزمة، التي دفعت مئات الآلاف من اللاجئين باتجاه أوروبا، وساعدت على ظهور تنظيم "داعش" وتنامي نفوذه، ووصوله إلى أراضيها، ولواشنطن أيضاً حسابتها لضرورة الذهاب باتجاه الحل السياسي، حتى لاتترك الساحة السورية للمنافس الروسي بأساطيله العسكرية والسياسية والاقتصادية.

المفاوضات التي تجري بالتزامن مع هدنة مرضية لجميع الأطراف رغم الخروقات، تتركز حول قضايا أهمها الحكم وإجراء انتخابات خلال 18 شهراً ودستور جديد، وتشمل أطراف التفاوض الحكومة السورية والهيئة العليا للتفاوض أو مايعرف بـ "وفد الرياض"، والتي تضم ممثلين عن المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، كما تضم المفاوضات شخصيات مشاركة في اجتماعات القاهرة وموسكو وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254، مع استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وجناحه العسكري "وحدات حماية الشعب"، بعد رفض تركيا مشاركته بالمفاوضات، كما تستثني المفاوضات الأطراف التي تعتبر إرهابية كجبهة النصرة و"داعش".

ومع استمرار جولات جنيف3، المرتقب عقد جولة أخرى منها في 13 نسيان 2016 ، ماتزال الأطراف المتفاوضة تحاول رفع سقف مطالبها السياسية، معتمدة على تفسيرات متباينة حول المقررات السابقة في جنيف1، وفيينا، والقرار 2254.

تمكنت أطراف التفاوض منذ الجولة الأولى بعد الهدنة من الحفاظ عليها رغم الخروقات، كما تمكنوا من حل موضوع المساعدات الإنسانية بشكل جزئي، وهو خطوة إيجابية أخرى،  ماسمح للجولة السابقة أن تنتهي في حينها دون مقاطقة أو انقطاع على عكس الجولة الأولى التي سبقت الهدنة، كل ذلك يعتبر تقدماً في أزمة معقدة ومركبة.

وفيما يؤخذ على المعارضة انقسامها وتشرذمها وتبعية بعض أطرافها لقوى إقليمية ودولية، يؤخذ على الوفد الحكومي عدم تمتعه بأية صلاحيات دون العودة إلى المركز في دمشق، وبالتالي فالحوار سيكون صعباً دون هذه الصلاحيات.

ولعل أهم المشكلات العالقة هي تفسير بيان جنيف1 ، حيث تقول أطراف في المعارضة بأن الفترة الانتقالية ستحكمها هيئة انتقالية، فيما تقول الحكومة السورية أن هذه الفترة الانتقالية هي عبارة عن حكومة موسعة، وهذه المشكلة في التفسير ناجمة عن الترجمة الخاطئة لبيان جنيف1 إلى اللغة العربية، فالنص الإنكليزي يقول "transition body" أي جسم انتقالي، والنص العربي يقول هيئة انتقالية، لذلك مطلوب الاتفاق والتوافق حول تعريف الجسم الانتقالي، فيما تكمن المشكلة الثانية في تحديد صلاحيات هذا الجسم الانتقالي.
 

وسبق مفاوضات جنيف3 سلسلة من المؤتمرات والاجتماعات الدولية، استمرت 4 سنوات، وحاولت حل النزاع السوري وإجلاس الأطراف المتنازعة إلى طاولة المفاوضات، ففي 2 نيسان 2012، بدأت المساعي الأممية لمحاولة وقف حل الأزمة، حين تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار بموجب خطة لمبعوث الأمم المتحدة كوفي أنان، لكن الاتفاق لم يصمد، واستقال أنان من منصبه، ليخلفه السياسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، الذي قاد الأطراف المتصارعة إلى جنيف للمرة الأولى.

وكانت بداية جنيف1، باجتماع 30 حزيران 2012، واتفقت مجموعة عمل مؤلفة من الدول الخمس الكبرى وألمانيا وتركيا ودول عربية حينها، على مبادئ مرحلة انتقالية، كانت النقطة الخلافية الأساسية فيها مصير الرئيس الأسد.
 

ومع استمرار القتال استمرت المساعي الدبلوماسية، وفي كانون الثاني 2014، عقدت مفاوضات جنيف2 بين الحكومة والمعارضة، وانتهت دون أي نتيجة، كما عقدت جولة ثانية في 15 شباط، أعلن المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي استقالته بعدها مع شعوره بالوصول إلى طريق مسدود، وفي 17 آب 2015 دعم مجلس الأمن الدولي بالإجماع مبادرة للتوصل إلى حل سياسي، وبعد شهر من التدخل الروسي، اجتمعت 17 دولة كبرى في العاصمة النمساوية فيينا، بغياب ممثلين عن المعارضة والحكومة، واتفق المجتمعون على السعي إلى وضع أطر حل سياسي.

وفي اجتماع ثان بتاريخ 14 تشرين الثاني توصلت الدول الكبرى لخريطة طريق تنص على تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات، وعقد مباحثات بين الحكومة والمعارضة، لتبدأ على إثرها محدثات السلام بين الأطراف السورية المتنازعة
 

بانتظار ما ستخرج عنه الجولة المقبلة من جنيف، يبدو الترقب في الداخل السوري هو سيد الموقف على أمل حل المشكلات الاقتصادية والإنسانية، ومشكلة الإرهاب، وكلها مشاكل كبرى لا يمكن حلها بشكل نهائي، دون التوصل إلى تسوية سياسية لها ارتباطات اقليمية ودوليّة .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة