معهد ليفانت للدراسات

هل احتضان ألمانيا للاجئين السوريين ذو أهداف استراتيجية أم إنسانية؟

هل احتضان ألمانيا للاجئين السوريين ذو أهداف استراتيجية أم إنسانية؟
سبتمبر 02
21:52 2015

كتب معن أبو عمار، باحث قانوني واقتصادي، ألمانيا

هناك رأي يقول أن ألمانيا تخشى التحول إلى بلدٍ هرم كاليابان يزيد عدد كهوله عن عدد شبابه، وهي تسعى إلى جلب الشباب إلى ألمانيا. وهذا ما دفع آراء للقول أن الاجراءات الألمانية الأخيرة بشأن اللاجئين السوريين تصبّ أولا بمصلحة المانيا، وخاصة على اعتبار أن من يهاجر إلى ألمانيا من السوريين كثير منهم قادر على التحول إلى عنصر منتج في المجتمع. لكن على الطرف الآخر لا يمكن تأكيد هذه المعطيات إلا من خلال البحث، لنعرف كيف سيؤثر عشرات وربما مئات آلاف اللاجئين على الاقتصاد الألماني على المدى البعيد.

القوة المنتجة الألمانية

تعتبر المانيا أقوى دول الاتحاد الاوربي اقتصادياً ومن ضمن الدول الأوربية التي تحوي أقل نسبة بطالة حيث تأتي بعد النمسا ولوكسمبورغ وهولندا. ويقدر معدل العاطلين في ألمانيا بـ 2.9 مليون عاطل عن العمل (6,7% من السكان) وفق تقديرات العام 2013، وانخفض في العام 2015 الى 2.77 مليون نسمة. ووفقاً لتقرير نشرته دويتشة فيله الألمانية، ستحتاج ألمانيا في السنوات القادمة إلى 1.5 مليون شخص من اليد العاملة المتخصصة الأجنبية بسبب التحول الديموغرافي الذي تعيشه البلاد. وذلك من أجل “ضمان النمو الاقتصادي والمساعدة على استقرار النظام الاجتماعي”، مقارنةً بدول أوربية أخرى مثل اسبانيا واليونان مثلاً التي تعاني من نسبة بطالة تصل الى 24%.

تشير التقارير إلى أن المانيا تتقدم على اليابان بنقص معدل المواليد ويقول رئيس معهد هامبورغ للاقتصاد الدولي، هينيغ فوبل، إن “هذه النتائج تعد سالبة جداً في ما يتعلق بجاذبية ألمانيا الاقتصادية وأدائها في المشهد التنافسي العالمي”. وبالتالي، فإن الحكومة الألمانية ترى أن البلاد في حاجة ماسة إلى المهاجرين لتعويض النقص في السكان، بسبب زيادة نسبة المسنين. فبحسب مكتب الإحصاء، فإن عدد السكان في ألمانيا الذي بلغ 80.8 مليون نسمة عام 2013، سيتراجع إلى 67.6 مليوناً عام 2020 على الرغم من تواصل قدوم المهاجرين. وذكر المكتب في بياناته أن عدد السكان قد يزيد عما وصل إليه عام 2013 خلال السنوات الخمس أو السبع المقبلة، ثم يبدأ بالتقلّص.

ويحذر خبراء ألمان من الانخفاض الحاد في عدد السكان في ألمانيا، بسبب إحجام كثيرين عن الإنجاب، وعدم إدراك المجتمع للسلبيات الناتجة عن انخفاض عدد المواليد. كما يشير تقرير آخر الى أن عدد الأطفال الذين يدخلون الدراسة انخفض بنسبة 10% خلال عشر سنوات حيث يدخل 800 ألف طفل سنوياً فى الوقت الذى يخرج على المعاش 850 ألفاً، مشيراً إلى أنه في جنوب البلاد أصبح أصحاب الشركات يعانون من نقص فى الأيدى العاملة مما يجعل 48% من أصحاب هذه الشركات يطالبون برفع سن المعاش إلى 67 عاماً. ويعتبر موضوع التغيير الديموغرافي أحد المحاور الرئيسة لسياسة أنجيلا ميركل؛ حيث معدّل الولادات الألماني منخفض للغاية، يقارب الـ 1.4 طفل للمرأة، في حين أنّ مستوى تجديد الأجيال محدّد بـ 2.1 طفل.

تعود أسباب نقص عدد السكان إلى العام 1990، حيث انخفضت نسبة الولادات 50% ما بين الاعوام 1990-1994 وخصوصاً في المنطقة الشرقية وذلك بعد توحيد الألمانيتين، ويعزي الخبراء ذلك إلى عدة أسباب منها الظروف الاقتصادية والنزوح الجماعي للشباب إلى الجزء الغربي بحثا عن حياة أفضل. ولهذا السبب، هناك الكثير من الدراسات والتقارير والبرامج الحكومية التي تسعى لزيادة عدد المواليد.

إن هذه المعلومات تبين مدى حاجة المانيا للمهاجرين، وحاجتها لتنظيم الهجرة، فقد صدرت قوانين الهجرة والاندماج تلبيةً لهذا الغرض بهدف تعويض نقص الأيدي العاملة والكفاءات الأجنبية في سوق العمل الألمانية. هذه القوانين ركّزت بشكل أساسي على اللغة والاندماج والإعالة الذاتية، فتركّز في موضوع الجنسية مثلاً على الاندماج الكامل في المجتمع الألماني والقدرة على الإعالة الذاتية، أي أن يكون طالب الجنسية عاملاً (ولا يقبل العاطلين عن العمل والمستفيدين من إعانات الدولة)، كما أن القانون فيما يتعلق باللاجئين، يسمح فقط لمن يكونوا قادرين على اعالة أنفسهم بالبقاء في المانيا بشكل دائم.

ربط الحاجة إلى الكفاءة بقوانين اللجوء

إلا أنه رغم انخفاض نسبة البطالة ومعدل الولادات في بعض الدول كالنمسا وهولندا فإن ذلك لا يبدو مرتبطاً بسياسة استقبال اللاجئين، حيث أقرت النمسا مثلا بأن قوانينها الحالية غير كافية للتصدي لما وصفه المستشار فيرنر فايمان بأنه “أكبر تحد تواجهه أوروبا”، ومن بين 9 ولايات اتحادية في البلد الذي يسكنه 8.5 مليون نسمة لم تلتزم سوى فيينا والنمسا السفلى بالحصص المحددة من قبل الحكومة لاستضافة اللاجئين. إذن، ليست نسب البطالة هي العامل الوحيد، فسياسة الهجرة واللاجئين تختلف من بلد الى اخر.

والمثال الأقوى يأتي من اليابان، ثالث أقوى اقتصاد في العالم، وأقل نسبة ولادات، يعاني من عجز في عدد السكان مثلما تعاني ألمانيا، لكن، وفقاً لبعض التقارير، فإنها حتى اليوم، لم تمنح حق اللجوء لأي سوري، رغم أنها أعطت البعض حق اقامة مؤقت بدون حق اللجوء.

الإجراءات الالمانية الجديدة تجاه اللاجئين السوريين

وفقاً لما تقدم، فإن ألمانيا بحاجة لأعداد كبيرة من المهاجرين لتغطية العجز بحجم الولادات، وإن موضوع اللجوء يعتبر جزءاً من هذه الأعداد التي تحتاجها، لكن في الوقت نفسه، فإن مسألة حقوق الانسان حاضرة بقوة، فاستقبال اللاجئين يتم بدون تمييز، شباباً وشيوخاً، نساءاً ورجالاً، أصحاب كفاءات وأميين، ذوي احتياجات خاصة أو عاجزين.

وتضمن القوانين الألمانية البقاء طالما استدعى الوضع الإنساني، ولاحقاً لذلك، يمكن أن يبقى فقط من يستطيع إعالة نفسه وتتم إعادة الباقين بعد زوال الخطر والأسباب الانسانية. وهكذا نستطيع أن نفهم الاجراءات الالمانية في سياقها الصحيح. وما يدل على ذلك أيضاً، الاعتمادات المالية التي تصرفها الحكومات المحلية الألمانية على اللاجئين التي يذهب معظمها لبرامج التوظيف وإعادة التأهيل والاندماج ويأتي ذلك ضمن تكامل السياسة الاقتصادية والموجبات الإنسانية على حد سواء.

وهناك من يقول بأن ألمانيا لو كانت تهدف فقط لسد العجز، فهي ليست بحاجة لفتح الباب على مصراعيه، بل كان بإمكانها أن تفتح باب الهجرة لأصحاب الكفاءات فقط ومن فئات عمرية محددة. كما أن موقف الحكومة الألمانية مبني على تأييد الشارع الألماني، حيث أظهر استطلاع للرأي بأن 75% من الألمان يريدون إقامة خطوط نقل بحرية دورية لنقل اللاجئين من قارة إفريقيا إلى أوروبا، و أيّد 70% منهم تعقب وتدمير قوارب التهريب قبل أن تحمل لاجئين على ظهرها، وفي المقابل أيد 12% فقط إغلاق الحدود البحرية بوجه اللاجئين على غرار ما تطبقه استراليا، و44% ممن شملهم الاستطلاع أيدوا أن تستقبل بلادهم المزيد من اللاجئين.

المساواة في المعاملة

لكن، لا يمكن إنكار أن المسألة الانسانية هو جانب رئيسي في الحالة الألمانية وأن حاجتها للمزيد من المهاجرين لا يحجب عنها هذه الميزة. فالدول الأوروبية قبل أن تفتح الأبواب للاجئين، تدرس الإمكانات المتاحة لإعالتهم، فالقوانين في أوروبا تفرض معاملة الجميع معاملة متساوية وتقديم المعونة والمساعدة لكل مقيم على أراضي تلك الدول، كما تحاول بعض الدول أن توجد للاجئين فرص العمل لإعالة أنفسهم وعائلاتهم.

وقد صرح أحد المسؤولين الاوربيين بأنه: “عندما نفتح أبوابنا […] يجب ان نعرف كم عدد الذين فتحنا لهم الأبواب و هل لدينا القدرة على استقبالهم”. فالميزانيات المخصصة لإعانة اللاجئين هي التي تحكم عدد الأشخاص الذين ستستقبلهم هذه الدولة أو تلك، والحالة الانسانية هي التي تحدد أكثر اللاجئين المستحقين للإعانات المتوفرة.

ولابد من التنويه هنا بأن الموضوع الانساني في أوروبا عامة، وألمانيا على وجه الخصوص، ليس مسألة قرار فردي أو ردة فعل على حالة معينة، بل هو مسألة منظمة ومفروضة بموجب القوانين الأوروبية والدستورية التي يقوم عليها الاتحاد الاوربي بشكل عام، فعلى سبيل المثال، تفتتح مواد الدستور الألماني بالقول: “تكون كرامة الإنسان مصونة. وتضطلع جميع السلطات في الدولة بواجبات احترامها وصونها. بناء على ذلك، يقر الشعب الألماني بحقوق الإنسان غير القابلة للانتقاص أو النزع كقاعدة أساسية للتعايش في كل مجتمع، وللسلام والعدالة في العالم. حقوق غير قابلة للنزع”. كما تنص المادة الرابعة من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي على: “ا يخضع أي شخص للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة غير الإنسانية أو المهينة.”

وتأتي مسألة استقبال اللاجئين ضمن هذا السياق، حيث توجب القوانين معاملة اللاجئين معاملة انسانية، ويمنع معاملتم معاملة مهينة، ويتعلق الكثير من اللاجئين بهذه الحقوق لمنع ترحيلهم لدول مثل هنغاريا مثلاً بسبب سوء المعاملة الانسانية، حيث تكون السلطات مجبرة على إبقاء طالبي اللجوء بموجب القوانين المحلية. كمـا يمنع التمييز بأي شكل من الاشكال على أساس الدين أو الجنس والانتماء وغير ذلك.

اتفاقية جنيف

يتم تنظيم مسألة اللجوء بموجب اتفاقية جنيف لعام 1951 والبروتوكلات المعدلة لها، وهذه الاتفاقية هي اتفاقية دولية تحت مظلة الأمم المتحدة، ويستفيد من هذه الحماية الاشخاص المعرضون للتهديد في دولهم، وتم توسيع التعريف لاحقاً ليشمل طالب الحماية الدولية فعندما تكون الحكومات عاجزة أو غير مستعدة للقيام بحماية مواطنيها، وفي أحيان كثيرة أثناء صراع أو حرب أهلية، يفر أشخاص كثيرون من أوطانهم، حيث يتم تصنيفهم كلاجئين. ونظراً لأنهم لم يعودوا يتمتعون بحماية حكوماتهم، فإن المجتمع الدولي يضطلع بهذا الدور. وتقع على عاتق الحكومات المضيفة، بصفة أساسية، مسؤولية حماية اللاجئين. وتعتبر البلدان الـ 139 على نطاق العالم، التى وقعت على اتفاقية 1951، ملزمة بتنفيذ أحكامها.

وتجمل حقوق الحاصلين على الحماية الدولية، بما فى ذلك حقوقهم من قبيل حرية العقيدة والتنقل من مكان إلى آخر، والحق فى الحصول على التعليم، ووثائق السفر، وإتاحة الفرصة للعمل، كما أنها تشدد على أهمية التزاماته تجاه الحكومة المضيفة. وينص أحد الأحكام الرئيسية فى هذه الاتفاقية على عدم جواز إعادة اللاجئين ـ والمصطلح القانونى هو حظر الطرد أو الرد ـ إلى بلد يخشى فيه من التعرض للاضطهاد.

إذن الحصول على حق العمل هو حق إنساني، لذلك فإن توفر إمكانية التشغيل تختلف من بلد إلى آخر، وهذا يلعب دوراً كبيراً في قرار استقبال اللاجئين، فالدول التي لا يمكنها توفير فرص العمل أو الإعانات يكون من الصعب عليها استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين.

صفة لاجئ

وتجدر الاشارة إلى أن السلطات الألمانية تمنح صفة “الحماية الدولية” كما يعتبر نعت الشخص بأنه “لاجئ” نوع من التمييز وجريمة يعاقب عليها القانون الألماني ويقتصر استعمال هذه المفردة في القوانين ويقصد بهم الحاصلين على حق الحماية. كما لا تحمل الوثائق التي يحصل عليها طالبي الحماية ما يشير لأنهم لاجئين، بل يُذكر أن سبب الاقامة هو قرار المكتب الفدرالي بمنح الحماية الدولية بموجب المواد 25-26 من قانون اجراءات الإقامة. كما يذكر في وثيقة السفر أنها منحت بناء على أحكام اتفاقية جنيف لعام 1951.

1 سبتمبر 2015  – الاقتصادي – sy.aliqtisadi.com

تقارير ذات صلة