معهد ليفانت للدراسات

العمالة في اسرائيل بعد 9 سنوات من الأزمة الاقتصادية العالمية

العمالة في اسرائيل بعد 9 سنوات من الأزمة الاقتصادية العالمية
نوفمبر 27
21:13 2017

لابد وأن الجميع قد عرف بالأزمة المالية العالمية التي أصابت أعظم البنوك العالمية، والتي ربما لم ينجو منها أصغر مصرف في العالم!، ما سبّب إعادة ترتيب الأولويات الدولية الاقتصادية كلها، فيما انعكس بوصفات اقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط برمّتها..

وكما يعلم الجميع، فإن الجانب الاقتصادي لأي بلد من البلدان لا يمكن فصله عن الجانب الاجتماعي لهذا البلد، فهما جانبان مترابطان، وما يحصل في الجانب الاقتصادي له انعكاساته على الجانب الاجتماعي..

من نافل القول، أن نقول أن الوصفات الدولية الاقتصادية، والتي تناسب المراكز المالية الكبرى، لا يمكن أن تتطابق مع المصالح الاقتصادية للدول الصغيرة، ولكن في عصر العولمة اليوم لا يمكن أن نفصل اقتصاد الدول الصغيرة عن الدول العظمى، فالدول العظمى ضاغطة دوماً باتجاه تطبيق وصفاتها..

موضوع الحديث هنا هو الأوضاع العمالية لدولة إسرائيل في إحداثيات اليوم، في ظل تبعيتها لدول المركز المالي العالمي وبالأخص أمريكا. والحقيقة، يعاني الباحث في هذا الشأن من عدم وجود أبحاث في هذا الموضوع، ويبدو أن السبب بذلك يعود لمكتب الإحصاء الإسرائيلي المركزي، الذي لم يسمح بتفحص ارتقاء العاملين في إسرائيل على مر السنين.

نشرت سابقاً مديرية الأبحاث والتخطيط في مؤسسة التأمين الوطني (مؤسسة الضمان الاجتماعي الرسمية)، على يد ميري إندفيلد، بحثاً حول أوضاع العاملين في إسرائيل، وقد استند البحث إلى معطيات الرواتب في سلطة الضرائب الإسرائيلية.

 

ورأى بحث مؤسسة التأمين الوطني أنه يجب التأكيد على أن الحديث يجري عن عاملين أجيرين، عملوا بين الأعوام 1990 و2005، وفحصت مؤسسة التأمين الوطني احتمالات تطور العامل اقتصادياً بين المراتب الاجتماعية الخمس، مثلاً أن ينتقل عامل كان في مرتبة اقتصادية اجتماعية متدنية في العام 1990 الى مرتبة اقتصادية اجتماعية أعلى في العام 1995، وهذا الفحص جرى في ما يخص كل واحد من المراتب الاقتصادية الاجتماعية الخمس (من حيث مستوى المعيشة)، وكان الفحص: هل ارتقى العامل الى مرتبة أعلى أم تدهور الى مرتبة أقل؟ وجرى تقسيم المدة الى ثلاث فترات 1990- 1995، و1995- 2000، و2000- 2005.

وكان استنتاج بحث التأمين الوطني حازماً وغير قابل للتأويل: كلما مر الوقت، تضاءلت فرص ارتقاء العامل من مرتبته الى مرتبة أعلى، فقد تبين ان 5ر67% من العاملين في أدنى مرتبة اقتصادية اجتماعية في العام 1990 بقوا في مكانهم في العام 1995، وارتفعت هذه النسبة بين الأعوام 1995 و2000 الى 5ر69%، لترسو النسبة عند 70% بين الأعوام 2000 و2005.

ومن يعتقد أن قلة القدرة على اختراق حدود المرتبة الاقتصادية الاجتماعية الى الأعلى، هي فقط في ما يتعلق بمن هم في المرتبة المتدنية، فقد أخطأ ووقع بالوهم، لأنه اتضح أن هذه الظاهرة كانت حتى أكبر في باقي المراتب الاقتصادية الاجتماعية، فمثلاً من كانوا في المرتبة الثالثة، بقي 44% منهم في مرتبتهم في الفترة الأولى التي تم فحصها، وارتفعت هذه النسبة الى 5ر48% في الفترة الثانية، وإلى 5ر51% في الفترة الثالثة، وفي المقابل، فإن الذين هم في المرتبة الخامسة العليا بقي 73% منهم في مرتبتهم في الفترة الأولى، و75% في الفترة الثانية و5ر78% في الفترة الثالثة، ولم يرتقوا أكثر.

وشملت مسألة عدم تحسن أوضاع العاملين مؤشرات أخرى، فمثلاً فرص تحسن الأوضاع لدى النساء كانت أقل من الفرص لدى الرجال، كذلك فإن التدهور نحو الأسفل، كان أكثر من الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية، فمثلاً بين الأعوام 1990 و1995، تحسنت أوضاع 3ر21% من العاملين، مقابل تدهور أوضاع 4ر22% من العاملين. وفي الفترة ما بين الأعوام 1995 و2000، تحسنت أوضاع 4ر19% من العاملين مقابل تدهور أوضاع 1ر21% من العاملين. وبين الأعوام 2000 و2005 تحسنت أوضاع 6ر18% فقط من العاملين، مقابل تدهور أوضاع 1ر19% من العاملين.

يقدم أحد الأسباب لذلك في تفسيرات المؤسسة، هو استقبال العمال الأجانب، وهذا ما انعكس سلباً على قدرة العاملين في إسرائيل، خاصة من ذوي المؤهلات المنخفضة والتحصيل العلمي المنخفض بأن يحسنوا أوضاعهم، وأن يرفعوا من مستوى رواتبهم ومداخيلهم.

هذا ما كان حتى العام 2005، أما ما بعد ذلك فالأمور تغيرت خارجياً وداخلياً وعلى جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما آلت إليه الأمور تجعل ما سبق بسيطاً. أزمة مالية في 2008، وبداية اشتعال أزمات في المحيط الإسرائيلي وبالأخص سورية في 2011، وكانت الأمور في ذلك الحين توضح أن خطراً له صبغة حرب عالمية قد آتى، وعلى إسرائيل أن تنجو بنفسها، ما جعل الأمور تتأخذ منحى آخر، فتزايدت أعداد الملتحقين في الصفوف العسكرية الإسرائيلية، وتمت زيادة حصة الدعم للمنشآت العسكرية من الموازنة العامة للدولة، وهذا ما جعل أوضاع العاملين المدنيين تزداد سوءً بالتدريج حتى اللحظة.

لا يمكن فصل أوضاع العمال في إسرائيل عن أوضاع العمال في العالم، فالطبقة العاملة في العالم كله اليوم تزداد معاناتها، وينخفض مستوى معيشتها، والسبب في ذلك له أبعاد دولية وإقليمية، ومحلية مرتبطة بالدولة صاحبة الشأن وبظروفها الذاتية.

يبدو اليوم وبعد مرور تسعة سنوات على الأزمة المالية الدولية  أن القادم يحمل تغييراً جوهرياً في إطار العلاقات الدولية. ويبدو أن التعددية القطبية ستسود، وجو التنافسية بين الأقطاب سيسود أيضاً، وذلك سيعود بالنتائج الإيجابية على أوضاع العمال في العالم كله، بمن فيهم عمال إسرائيل..

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة