معهد ليفانت للدراسات

نفط سورية بعد الحرب.. كعكة الشرق والغرب

ديسمبر 10
20:25 2014

قبل 10 سنوات من الآن، قال وزير النفط والثروة المعدنية السوري ابراهيم حداد في تصريح شهير "ان نفط سورية سينضب حوالي عام 2014 إذا لم يتم اكتشاف آبار جديدة.. لكل بئر عمر زمني وهو مع الإنتاج ومع الوقت يخف إنتاجه ثم يجف وحتى نعوض الاستفادة يجب اكتشاف آبار جديدة".

يبدو أنّ نبوءة الوزير في ذلك الوقت قد تحققت اليوم أو هي قاب قوسين أو أدنى، لكن ليس بالمعني الفيزيائي والجيولوجي لكلامه بنفاذ النفط السوري لتراجع الاستثمارات أو نفاذ النفط من الآبار، بل بسبب الحرب التي أنهت الاستثمار في هذا المجال بشكل كلي، إذ خلقت واقعاً صعباً لجهة فقدان الحكومة السيطرة على الآبار التي تتمركز إلى الشرق في دير الزور والحسكة والبادية والحدود مع العراق، وصعوبة الوصول إلى مراكز العمل وفقدان الأيدي العاملة وتعليق الشركات المشغلة لأعمالها والعقوبات الأوروبية على سورية.

فانتاج سورية من النفط والبالغ نحو 380 ألف برميل يومياً قبل 2011 تراجع بنحو 94% ليقتصر على 14 ألف برميل يومياً، وفق الجهات الرسمية السورية.

وقبل الحرب انخفض إنتاج النفط الخام في سورية من 600 الف برميل يومياً عام 1996 إلى نحو 530 ألف برميل يوميا في 2003 ليستقر عند 380 ألف برميل لغاية اذار 2011، وسط توقعات الا يقل انتاج النفط عن 300 الف برميل يوميا حتى عام 2025.

أما الغاز فيقدر الإنتاج بنحو 23 مليون متر مكعب في اليوم ومن المتوقع -في الوضع الطبيعي دون حرب طبعاً- حسب مصادر وزارة النفط، ان يزداد خلال السنوات القادمة الى حدود حوالي 40 مليون متر مكعب في اليوم.
 

مصافي سورية

تملك سورية مصفاتا نفط هما مصفاة حمص طاقتها (107 آلاف برميل يومياً) ومصفاة بانياس (133 ألف برميل)، وهناك ثلاثة موانئ  بحرية لاستيراد وتصدير النفط هي: بانياس وطرطوس واللاذقية، إذاً نحن أمام بيئة خصبة جداً للاستثمار في هذا المجال بسبب البنية التحتيتة المتوفرة أصلاً، والذي يقدر حجمها بـ20 مليار ليرة سورية، عدا عن الموقع الجغرافي الهام لسورية على المتوسط من جهة وكونها نقطة ربط بين اوروبا والمشرق العربي وآسيا.

ولقد بلغ مجمل النفط الخام المكرر في مصفاة بانياس بحسب إحصاءات العام 2009 كمية 3.18 مليون طن متري، فيما بلغ مجموع المشتقات المعالجة والديزل والفيول المسلم الى محروقات 1.18 مليون طن متري.

أما في مصفاة حمص فقد بلغت كميات النفط المكررة 2.80 مليون، كما بلغت كمية الزيوت المنتجة فعليا خلال الفترة 18.6 ألف طن وبنفس الفترة من العام.
 

لمن الكعكة المستقبلية؟

إذاً واقع وكميات النفط المنتجة والمعالجة وحجم المنتج والفعلي جيد، لكن ماذا عن الاحتياطي الجيولوجي للنفط والغاز في سورية؟ يقول وزير النفط السابق سفيان العلاو: مستقبل النفط في سورية لا يدعو إلى القلق على الرغم من الانخفاض التدريجي والبطيء للإنتاج.

في قراءة للأرقام التي تتناول قطاعي النفط والغاز السوريين، تقدر احتياطات النفط الخام المحققة بـ 2.5 مليار برميل، واحتياطات الغاز بـ240 مليار متر مكعب، وكانت الحكومة السورية قبل الحرب بصدد تلقي عروض من 11 شركة نفط دولية لتطوير حقول الغاز في منطقة تدمر (وسط شرق سورية) وفي عرض البحر المتوسط الذي يعتبر بيئة خام أثبتت الدراسات وأعمال الاستكشاف أن بحر سورية ومياهها الإقليمية تحوي إمكانات ضخمة حيث يقدر الاحتياطي الكموني لحوض شرق المتوسط وفق دائرة المسح الجيولوجي الأميركية بتقريرها الصادر في نيسان 2010 بـ345 تريليون قدم مكعب غاز، وعلى كميات ضخمة من الاحتياطيات النفطية، إلى جانب كميات كبيرة من سوائل الغازات.

هذه الأرقام في الحقيقة تثير شهية كبريات شركات النفط حول العالم، فتقرير الطاقة العالمية الذي تصدره شركة BP يعزز هذه النظرية، إذ أن انتاج سورية من النفط في 2010 بلغ 0.5% من انتاج النفط العالمي، كما قدرت احتياطيات سورية من النفط بـ0.2% من اجمالي الاحتياطيات العالمية، وهي تقارب احتياطيات المملكة المتحدة التي تقدر بـ2.8 مليار برميل، أما بالنسبة للغاز فقد بلغ احتياطي الغاز الطبيعي ما يقارب 0.3 مليار متر مكعب في نهاية 2010، والذي يمثل 0.1% من إجمالي الاحتياطي العالمي.

هذا الطرح يعيدنا مجدداً إلى المربع الأول، "الذهب الأسود" لم ينضب ما حصل أنه ثمة تبدّل وتغيّر في الملّاك إذ فقدت الحكومة السيطرة على هذا "الكنز" وبات بيد المتطرفين الإسلاميين، ما يعني اقتصادياً خروجه من معادلة الدخل والإيرادات للحكومة السورية في دمشق.

أصبحت العائدات المتأتية من النفط والغاز في سورية تذهب بالكامل إلى أيدي الجماعات المتطرفة فمنها يأخذون "ترياق" لاستمرار حكمهم وبسط نفوذهم على مزيد من المناطق، إذا تشكل عائدات الجماعات المتطرفة من بيع النفط بأسعار أقل من الأسعار العالمية نسبة كبيرة يؤمنون به السلاح والعتاد ويدفعون رواتب للمقاتلين.

سياسياً، ينظر إلى الموضوع والاستثمار مستقبلاً في قطاع النفط في سورية من جانب أن الأزمة السورية فيما إذا انتهت بموجب اتفاق بين المعارضة والحكومة وتشكيل حكومة وفاق ترضى عنها كل الأطراف فإن شركات غربية تقف حكوماتها وتساند (المعارضة) وشركات روسية وإيرانية وآسيوية تدعم حكوماتها (الحكومة) ستقبل وتستثمر، اي الطرفان سيجدان في النفط والغاز السوري فرصة جديدة كبيرة.

أما في حال بقيت الأزمة دون حل والحرب على حالها فلن يقبل أحد بطبيعة الحال لأن صوت المعارك أعلى ولا بيئة آمنة لأحد، فكيف لرؤوس الأموال "الجبانة"!.

من سيستثمر في بيئة حرب ومن سيكسب امتيازات؟ أكيد الأمر منوط بأفق حل الكل يعوّل عليه وتنتظره كل الأطراف أولهم المواطن.

 

المتضرر الأكبر !

قبل آذار 2011 كان يعمل في سورية حوالي 13 شركة أجنبية تمارس أعمال الحفر والتنقيب في مختلف المناطق السورية، وهي تزاول عملها بشراكات مع أطراف حكومية، لكنها اليوم تضررت كثيراً.. لم تكن الحكومة السورية فحسب في دائرة النار لجهة قطع الإيرادات وتوقف التصدير كلياً، بل كانت الشركات في عين العاصفة أيضاً، وتقدر وزارة النفط والثروة المعدنية في دراسة نشرتها مؤخراً أن إجمالي خسائر الشركات الأجنبية بلغ حوالي 6.4 مليار دولار، منها 2.8 مليار لقطاع النفط وحده.

صادرات النفط السورية حسب الدول – المصدر ادرة الطاقة الأميركية 

وأنّ قيمة الإيرادات الفائتة نتيجة توقف العمليات الإنتاجية لكامل القطاع النفطي تقدر بنحو 16.6 مليار دولار، منها ما نسبته 33% تقريباً قيمة الإيرادات الفائتة للشركات العاملة، التي علّق فيها الشريك الأجنبي أعماله، أي ما يعادل 5.5 مليارات دولار.

أما الشركات التي تضررت "وبشدة"  فهي مزيج بين الحكومية والأجنبية مثل الفرات للنفط" وشركة دير الزور وشل سورية لتنمية النفط، وشركة حيان للنفط، وكوكب المشتركة بين الشركة السورية للنفط” وشركة CNPC.

وكذلك كل من شركة سيترول للتوزيع وشركة دبلن، وأينا الكرواتية وشركةPetro Canada الكندية وتات نفت الروسية وشركة ستراتيك انرجي الكندية وشركة جلف ساندز بيتروليوم.

وأيضاً شركة آي بي آر الأميركية، و H.B.Sالتونسية وعدد من شركات النفط الاسيوية مثل سينوبكيم الصينية.

خلاصة القول، أن هذه الشركات ذاقت من نتائج الحرب السورية وإلا فلماذا أوقفت أعمالها لأجل غير معلوم، وبطبيعة الحال هي مدعوة لإكمال استثماراتها حين يعلن الجميع أن سورية بيئة خصبة للاستثمار .

 

معهد ليفانت للدراسات – جميع الحقوق محفوظة – راجع شروط الاستخدام

 

تقارير ذات صلة