معهد ليفانت للدراسات

نبّل والزهراء .. مآسي من النزاع في سورية

نبّل والزهراء .. مآسي من النزاع في سورية
مارس 19
23:46 2016

على بعد 20 كم عن مدينة حلب، في ريفها الشمالي الغربي، فرضت فصائل المعارضة السورية وجماعات متشددة حصاراً خانقاً على بلدتي نبّل والزهراء، منذ أواخر شهر تموز 2012 , جبهة النصرة، أحرار الشام، والجبهة الشامية، كانوا رأس الحربة في حصار قارب الأربع سنوات على سكان البلدتين، البالغ عددهم 65 ألف نسمة، معظمهم ينتمي إلى المسلمين الشيعية اضافة إلى القصف شبه اليومي بالقذائف والصواريخ، والهجمات التي كانت تشن على حدود البلديتن والتي تسببت بسقوط أكثر من ألف ضحية بين مدنيين ومسلحين مواليين للدفاع عن نبل والزهراء، فشل خلالها المهاجمون وفي جميع المراحل باقتحام البلدتين.

قبل الحصار بأشهر قليلة، عندما انتقلت نار الأزمة السورية إلى مدينة حلب، وبعد تأخرها مايقارب السنة عن بدايتها في الجنوب السوري، تعرض أبناء نبّل والزهراء القاطنين في المدينة لاعتداءات ومضايقات مباشرة من قبل الفصائل المعارضة تراوحت بين التصفية الجسدية والخطف، لمبادلتهم بمعتقلين لدى الحكومة السورية، خاصة على الطريق الواصل بين المدينة ونبّل، المعروف بطريق غازي عنتاب .. كان انتماء هؤلاء للطائفة الشيعية كافياً ليكونوا هدفاً لمقاتلي المعارضة، في محيطهم الريفي المنتفض ضد الحكومة، إضافة إلى اتهام أبناء البلدتين بموالاة الحكومة.

تطوّرَ الحصار، وعلى مراحل تم شد الخناق على البلدتين وقطع الطرق المؤدية إليهما من جميع الاتجاهات، وارتبط التصعيد العسكري على نبّل والزهراء، بالعمليات المشتركة بين الجيش السوري وحزب الله في مناطق أخرى، حيث قامت فصائل المعارضة والجماعات المتشددة باطلاق عشرات القذائف وصواريخ "غراد" على البلدتين، في عملية سمّيت بـ"صدى القصير"، ردّاً على سيطرة الجيش وحلفاءه على مدينة القصير في ريف حمص.

نقص إمدادات الطعام والمؤونة والأدوية نتيجة الحصار فرض وضعاً إنسانياً صعباً كان يوازي بخطره القذائف والهجمات المتكررة على البلدتين، حيث منعت فصائل المعارضة والجماعات المتشددة عن السكان جميع لوازمهم اليومية، باستثناء ما كانت تسقطه مروحيات وطائرات الجيش السوري من معونات جواً، وماحملته هذه العملية من أخطار، نتج عنها سقوط عدد من المروحيات بفعل مضادات الطيران، في حين لم يتم إدخال مساعدات إنسانية براً للبلدتين سوى مرة واحدة من قبل الهلال الأحمر.

على الأطراف الشرقية لبلدة نبّل، قرب قرية ماير، تأثرت معظم المنازل بالقصف، مادفع السكان هناك للنزوح إلى داخل البلدة، بالإضافة إلى تضرر مدرسة البلدة وعدم قدرة الطلاب على الاستمرار في متابعة تحصيلهم الدراسي، فتم تأسيس مراكز تعليمية وامتحانية داخل البلدة، بمساعدة وزارة التربية، وخسرت نبّل أكثر من 20 مدرساً خلال الحصار، فيما قتل 4 أطفال أثناء تواجدهم في مدارس المنطقة جراء سقوط القذائف، عدا عن أن المنطقة لم تكن مزودة بمستشفى قبل الحصار، وكان مبنى المستشفى الحالي عبارة عن روضة أطفال، تم تحويلها إلى مستشفى ميداني بحكم الظروف القاسية، وكانت مدينة عفرين، ذات الغالبية الكردية، شمال نبل والزهراء، ملاذاً للسكان لنيل بعض مايحتاجون إليه من أدوية ومواد طبية، حتى أنها استقبلت حالات حرجة استعصت على أطباء المنطقة المحاصرة.

في 3 شباط 2016، استطاع الجيش السوري وحلفاءه كسر الحصار المفروض على نبل والزهراء منذ أكثر من ثلاث سنوات، في عملية عسكرية و بغطاء جوي من المقاتلات السورية والروسية، انطلقت من قرية حردتنين التي استعادها الجيش في وقت سابق، باتجاه قرية ‏معرستة الخان، المنطقة التي بقيت تفصل الجيش عن البلدتين، بعد تقدمه بسرعة في ريف حلب الشمالي، في حين تقدمت اللجان الشعبية المكلفة بحماية نبل والزهراء باتجاه معرستة الخان، ليلتقي الجيش وحلفاؤه واللجان الشعبية في القرية بعد فرض السيطرة عليها بشكل كامل، ما مهّد لفتح طريق عسكري باتجاه البلدتين، يمتد من قرية باشكوي مروراً بحردتنين إلى معرستة الخان وصولاً إليهما، واعتبر مراقبون فك الحصار عن نبل والزهراء الإنجاز الأبرز للجيش السوري هذا العام.

استراتيجياً، أعطت السيطرة على البلدتين الجيش السوري قوة عسكرية ومعنوية، وسهلت عليه فصل الريف الشمالي لحلب عن الريف الغربي المتصل بحلب المدينة من جهة، وبالحدود مع تركيا من جهة أخرى، والمرتبط بريف إدلب، أي أن هذه الرقعة مهمة وأساسية في عمليات الجيش، وهدفه في فصل الحدود التركية عن السورية، في خطة مشابهة كالّتي عمل عليها في ريف اللاذقية الشمالي، وتعني السيطرة أيضاً تحييد إحدى خطوط الدعم التركي المفتوحة من اعزاز عن المناطق الواقعة جنوب الخط المسيطر عليه حديثاً، باتجاه نبل والزهراء، إضافة لتحول المنطقة المحررة ومقاتليها الذين استمروا على مدى سنوات في وضع المدافع، إلى نقطة ارتكاز في الهجوم على المناطق المحيطة وإحكام الطوق حول مدينة حلب، لكن الهدنة المفتوحة في سورية بتوافق روسي أمريكي، جمّدت تقدم الجيش لحسم الوضع وتغيير التوازن العسكري كلياً في الريف الحلبي لصالح الحكومة، في انتظار مابعد الهدنة. 

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة