معهد ليفانت للدراسات

موسيقى النخبة – سورية

أغسطس 19
19:33 2014

أواسط التسعينيات عرفت سورية حركة موسيقية ناشطة عدّها البعض توازي الموجة الغربية الجديدة؛ والتي أفضت إلى ظهور فرق شبابية في مقدمها كانت فرق من قبيل.. «كلنا سوا، إطار شمع، جين، لينا شاماميان، فتت لعبت، أنس أند فريندز، ماظوط، حرارة عالية، مرمر، طويس، حوار»، وغيرها، حيث طرحت الفرق الجديدة الكلمات بلهجات عامية، وتناولت مواضيع تخص هموم الشباب اليومية، وعبّرت عن الحب بطريقة واقعية، وذلك لخلق نمط يحترم إنسانية المتلقي ومستواه العقلي والفكري.
يمكن الوقوف هنا على أنماط كثيرة من الموسيقى السورية «المعاصرة» أو الحديثة بدءاً من الشعبي والذي يسعى البعض إلى مزجه بـ«الراب» وأنماط من الإنشاد الديني، وإلى المؤلفين والمغنين الذين قدموا مشاريع ذات قيمة اهتمت بمزاوجة بين الديني والأسطوري كالتجربة التي قام بها عابد عازرية الموسيقي والمغني السوري المقيم بباريس؛ وذلك حين دمج عازرية بين أسطورة جلجامش وإنجيل يوحنا التي ألفها وغناها، إضافةً لمشروع مالك الجندلي في ألبومه «أصداء من أوغاريت» الذي كان حصيلة محاولاته لمزج المقامات الشرقية بطريقة أكاديمية مع النظرية الهارمونية للموسيقى الكلاسيكية، حيث قام بتوزيع أقدم تدوين موسيقي في العالم اكتُشف في مدينة أوغاريت على لوحات مسمارية تعود للقرن الرابع قبل الميلاد.
هناك أيضاً تجربة عازف الساكسوفون باسل رجّوب الذي أظهر موهبة على مستوى التوزيع الموسيقي في تجربته مع لينا شاماميان، فعمل لسنوات على مجموعة مقطوعات متأثراً بالجاز والفيوجن والتراثيْن التركي والأرمني، وأصدرها أخيراً في ألبوم بعنوان «خَمير» وفي هذا السياق في استعراض الفرق الشابة تطالعنا فرقة «زودياك» التي اعتمدت على نمط موسيقى «الروك» وأحياناً «الهارد روك»، وفرقة «جين» التي تضم اليوم عدداً من موسيقيي «زودياك» وتعتمد نمط «البروغرسف» وهو النمط الأكثر أكاديمية من بين أنواع الروك، وله قوالب موسيقية معروفة ومدروسة، ويمكن تضمينه العديد من الخيارات في التأليف الموسيقي، ففرقة «كلنا سوا» قدموا الروك البديل؛ معتمدين على نمط موسيقي خاص مبني على عناصر من موسيقى الجاز، الروك، الفنك والموسيقى اللاتينية والموسيقى العربية.
فرقة «إطار شمع» أيضاً قدمت الجاز، وفرقة «طويَس» كذلك قدمت مقطوعات موسيقية تنقسم بين كلاسيكيات مستعادة من التراث الشرقي القديم والحديث، وهناك فرقة «إنسانيتي» قدمت نمط «الهارد روك، فيما قدمت «أنس أند فريندز» موسيقى البوب، في حين تميزت فرقة «حوار» بدمج أنواع متعددة من الموسيقى الشرقية وموسيقى الجاز؛ بالإضافة إلى الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية، أما فرقة «جسور» التي طمحت إلى تقديم موسيقى وغناء بلاد الشام وبلاد الرافدين، وهذا المزيج من الأنماط الموسيقية فهو ما أكسب هذه الفرقة هويتها المحلية، بل كل الفرق الموسيقية السورية الشابة؛ وكانت كلما زاد الخلط بين الآلات واللغات والأساليب اقتربت الموسيقى نحو وصف (البديلة) شريطة أن تتراوح أعمار العازفين بين 20 و40 كحدّ أقصى ليندرجوا في جدول الشريحة العمرية الشابة، والغناء المنفرد كالمغنية وعد بو حسون في مشروعها الفني المكوَّن من أساسات ثلاثة هي العزف على العود، والغناء، والتأليف الموسيقي، بينما بزغ الفنان إبراهيم كيفو كمطرب ومؤرخ للحركة الفنية ومؤرشف للتراث الفني في الجزيرة السورية، ليقدم بشار زرقان موسيقاه معتمداً على اتخاذ اتجاه مختلف عن غيره في تلحين النصِّ الصوفي؛ ووضعه في سياق مختلف عن سياقه الشعري إلى حدٍّ ما، فكان برز نتاجه في هذا اللون ألبوم «حالي أنت» وألبوم «الجدراية» عن كتاب محمود درويش المعروف.
أخيراً وصلت الموسيقى الجديدة إلى الموسيقى التصويرية التي باتت ترتبط ارتباطاً عضوياً بما يقدم من أعمال تلفزيونية؛ وقد نجح بعضها في استيحاء التراثي والصوفي، وحتى السيمفوني، فذاع صيت هذه الموسيقى؛ وقُدِّم في حفلات بقيادة كل من مؤلفيها طاهر مامللي ورضوان نصري وسعد الحسيني وإياد الريماوي.
يدافع الموسيقيون الشباب اليوم عن هذه الفرق ويرفضون تسميتها «بالبديلة»، وقد يكون من غير الدقيق تصنيفها على هذا النحو لغياب المعايير، وفي مكان آخر تتراجع الوظيفة التي قال بها بعض الموسيقيين من حيث التعبير عن هموم الشباب في ظل ما تعيشه البلاد منذ ثلاث سنوات ونصف، فأين نجد هذه الفرق اليوم من القضايا الكثيرة والإشكالية التي يعيشها الإنسان السوري من ويلات حرب ونزوح ولجوء وبطالة وفقر وتطوع وغيرها من الراهن، والتي لم يكن للموسيقى بكل أشكالها التي درجت مقدرة على استيعابها واستحضارها فيما قُدم سابقاً؟
إن المتابع ـ في مقطع زمني ـ للموسيقى السورية يمكن له أن يبدأ من السلم الموسيقي التاريخي الذي استعملته الكنيسة السريانية الأنطاكية، وانبثقت منها جميع الألحان الموجودة في العالم، وأن يقف على أناشيد وقصائد غنائية هي من أقدم ما هو معروف في التراث الثقافي الإنساني، والتي تتطابق مع أقدم لوحة موسيقية أكاديّة وجدت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إلى صور ولوحات لأجواق من الموسيقيين المنحوتة على القدور، فهناك آثار تدل على مدرسة لتعليم الموسيقى في طول البلاد وعرضها، ثم له أن يشهد تراجع صناعة الموسيقى والغناء في العهد الراشدي، في حين أغدق بعض الخلفاء في العصر الأموي الهبات على كبار الموسيقيين، ففي بلاط سيف الدولة الحمداني بحلب ظهر الفارابي الذي كان موسيقياً ضليعاً مجيداً للعزف على العود، وقد ألف كتباً عدة منها: «الموسيقي الكبير»، و«كلام في الموسيقى»، و«في إحصاء العلوم» الذي عرض فيه أيضاً للموسيقى، وإليه ينسب اختراع آلة القانون، ولا يخفى ما كان للاحتلال العثماني لبلاد الشام 1516 من أثر بالغ في صبغ الموسيقى العربية بالطابع التركي، حيث ضاعت معه معالم الموسيقى العربية الأصيلة، وتأثرت بلاد الشام بـ«الفتلة المولوية» التي جاء بها المتصوف جلال الدين الرومي، أما في القرن الثامن عشر فاشتهر بعض المنشدين السوريين من المتصوفة، وفي القرن التاسع عشر قامت الحياة الموسيقية في بلاد الشام على فن «الموشح» الذي بلغ الأوج على أيدي الحلبيين، فازدهر فن الأغنية الشعبية التي كانت استقت مادتها من الحياة اليومية، حتى أضحى هذا اللون، بعد أن جُمع وهُذِّب من تراث الشعب الفولكلوري، حيث يعود الفضل في إدخال آلة الكمان الغربية على التخت الشرقي للفنان أنطوان الشوا وولديه فاضل وسامي، أما في عهد إبراهيم باشا فولدت الموشحات والقدود التي تُنسب لحلب على يدي الشاعر الحمصي أمين الجندي، ومع بدايات القرن العشرين كانت النهضة الموسيقية بفضل الأندية الموسيقية، إذ كان جُل أعضاء هذه الأندية من البرجوازيين المثقفين، فتأسست المعاهد وشُكِّلت الفرق الموسيقية.
نكتشف هنا أن الموسيقى السورية الحديثة، وعلى الرغم من أخذها من كل المصادر التي وردت في تاريخ تطور المجتمع الموسيقي السوري ـ إذا جاز التعبير ـ لم تستطع تحقيق الانتشار والوجود في الوعي الشبابي، بل ربما بقيت نخبوية متوجهة إلى جمهور وشريحة معينة؟ ومن الملاحظ بأنه حتى الآن لم تفلح الفرق الشبابية وحتى بعض الأصوات المنفردة في الانضمام تحت جناح «الفيديو كليب» عدا بعض التجارب المستثناة، علماً بأنها الوسيلة الأهم في تحقيق الانتشار، فالمنتجون يشعرون بأنهم يراهنون على تجارب ما زالت في مقتبل العمر، رغم جهود ومحاولات وزارة الثقافة لدعم هذه الفرق من خلال مشاريع قربتهم وقدمتهم للمجتمع كمهرجان الجاز ومشروع «موسيقى على الطريق» وغيرها من الفعاليات التي بقيت قاصرة عن ترويج هذه الأنواع.
من جهة أخرى فالفنّ المسموح به إعلاميًّا يسوّق ما يُراد له أن يستشري لضمان الاستهلاك والخضوع والتفكّك والميوعة النفسيّة والأخلاقيّة والفكريّة، والذي يهيّئ الوعي لقبول حياة فارغة سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، والاكتفاء بها؛ الحياة والفنّ للترفيه، بدلاً من أن يكون جزءاً بسيطًا منهما، فالفن سبر لأغوار الحياة وتحريض على الفعل وليس للترفيه، وإذا كانت الإيديولوجيات والعقائد قديماً قامت بالتطهير والتحريم والإبادة، أليس ما نراه اليوم «تطهيراً نفسيّاً/ ثقافيّاً» إضافة للتطهير العرقي في الحروب، وتجريد للفن من الفكر ومساواته بالارتزاق؟
قد يكون من الإنصاف التساؤل عن أهمية توثيق الموسيقى الشعبية الفلكلورية التي كوّنت وتكوّن الذاكرة الجمعية للشعب السوري، الموسيقى التي بإمكان أيّ مستمع، مهما كان مستوى تعليمه أو دخله أو طبقته الاجتماعية أو منشئه الجغرافي، أن يرى أوجهاً من حياته وثقافته وهمومه فيها، التي تبدأ بالجمع والانتقاء ثم تتحوّل إلى تأليف وتطوير ونمذجة، لتكون هوية واحدة للسوريين، في محاولة قد تكون شبيهة لما قام به الأخوان رحباني وكذلك نديم محسن وشربل روحانا في لبنان، وغيرها من التجارب القريبة التي يعرفها بعضنا.

منى حمود – كاتبة سورية – جريدة السفير  15-8-2014

 

تقارير ذات صلة