معهد ليفانت للدراسات

موسكو 2 حوار واشتباك إقليمي

موسكو 2 حوار واشتباك إقليمي
أبريل 06
20:49 2015

على ايقاع تحالفات جديدة في الشرق الأوسط تم التوصل لإطار اتفاق بشأن برنامج إيران النووي، لكن هذا انفراج لا يقدم أي تصورات مختلفة للأطراف السياسية السورية المجتمعة في موسكو، فالحل السياسي يطفو على خطوط اشتباك إقليمي مؤهلة للتوسع، وخارطة المشاركين رغم الجهد الروسي لم تتبدل، وتأثرت بعدم استقرار العلاقات الإقليمية، ومن الصعب البحث ضمن الأزمة السورية وفي عمق الحوار السوري – السوري بعيدا عن مشهد يتمحور حول الأدوار الإقليمية لثلاث دول أساسية: إيران، السعودية وتركيا، فأي مستقبل سياسي لسورية لن يكون بعيدا عن تلك الخارطة التي ستتوزع فيها القوة مع الأخذ بعين اعتبار وضع إيران ضمن سياق جديد، وارتباط الدور السعودي بضمان ضبط إيقاع الصراعات كي لا تصبح تهديدا لأمن "إسرائيل".

موسكو وسط التجاذبات

لا تبدو موسكو في استضافتها للقاء سوري – سوري مكانا للعبور باتجاه حلول للأزمة السورية، فالطرف الأكثر تشددا موجود خارج أروقة هذه اللقاءات، وهو في المقابل منسجم مع "الأجندات الإقليمية" أكثر من كونه تابعا للحراك الدبلوماسي الذي تقوده روسيا، ورغم هذه الأمور فإن ما تسعى إليه اللقاءات في موسكو تبدو ضمن خطين أساسيين:

الأول تثبيت موقف رسمي سوري من مسألة حل الأزمة، فالخارجية الروسية كانت واضحة في رغبتها بربط الحوار ضمن مشروع واحد لمحاربة الإرهاب، وهي تريد نقل الموقع الرسمي السوري من محاور لأطراف المعارضة السياسية إلى حلقة تربط بين الأطراف السياسية في مشروع واحد.

عمليا فإن مؤشرات الدبلوماسية الروسية توضح أنها تحاول تثبيت أمر واقع للحكومة السورية، فهي تريد وضعها ضمن تحالف سياسي مع الأطراف الأخرى، وهذا الأمر سيؤدي إلى تشكيل واقع سياسي مختلف ينهي موضوع الصراع على "النظام السياسي"، ويقدم حالة سياسية جديدة يمكنها أن تفرض نفسها في عملية "فض الاشتباك" بين دمشق والمجتمع الدولي، فأي تفاهم يمكن أن تتوصل إليه المعارضة مع الحكومة السورية، مهما كان حجم المعارضة، سينتقل إلى المحافل الدولية وفق مشروع روسي بالدرجة الأولى لأنهاء الأزمة السورية، فموسكو تريد بناء حالة سياسية يمكن استناد إليها لتقديم "أجندة" جديدة للأزمة السورية؛ تنهي مسألتين أساسيتين: مشروعية النظام السياسي الحالي بالنسبة للمجتمع الدولي، حيث سيظهر ضمن إطار سياسي واسع، والمسألة الثانية حالة الحصار على الدولة السورية التي يمكن اعتبارها شرطا أساسيا لمشروع مشترك من أجل محاربة ارهاب.

الخط الثاني مرتبط بالنموذج السياسي لحل الأزمات، فالارباك الدولي لإنجاز منظومة شرق أوسطية جديدة سيتيح اعادة النظر بمهام الدول القائمة، وهو أمر يعني موسكو تحديدا في بناء علاقاتها مع دول المنطقة، وهي تعرف تماما أن الحوار في موسكو بين الأطراف السورية سيسهل هذه المهمة، لأنه ليس فقط جمع المعارضة والسلطة على طاولة واحدة، بل أيضا تحديد مهام للحكومة السورية بعيدا عن الحلول غير الواضحة، مثل "الحكومة انتقالية" وغيرها.

وإذا كانت روسيا  تراهن بشكل كامل عبر لقاءات موسكو على انجاز شراكة كاملة بين المعارضة والسلطة، فإنها في المقابل ستضع الطرفين أمام استحقاقات برنامج سياسي، وحلول مرنة لدعم الدولة في مواجهة الإرهاب، وهذا الأمر سيعزز من طبيعة الدول المستقبلي للدول في ضمان الأمن الإقليمي، فالنموذج الذي يمكن أن يظهر يشكل نقطة ارتكاز أساسية في رسم مشروع للأمن الإقليمي يواجه سياسة التحالفات القائمة، وهي بمعظمها عسكرية.

حدود لقاءات موسكو

لن يكون مستغربا أن تنتهي لقاءات موسكو دون نتائج ملموسة، فالأزمة السورية لا يمكن حلها باللقاءات، إنما بالوظائف التي تتبناها الأطراف نتيجة الحوار، ورغم أن أطراف المعارضة الموجودة على طاولة  تشكل قوة أساسية داخل الجغرافية – السياسية الحالية لسورية، لكنها ستفرض وظائف يمكن أن تغير في البيئة السياسية، فهي مع السلطة السياسية ستنقل الأزمة السورية نتيجة الحوار فقط إلى نقاط جديدة؛ طارحة مقدمات بشأن الأزمة  تتعلق بـ"اقتسام السلطة" بل بإنتاج حلول سياسية تساعد في إنجاز أي مشروع مستقبلي للخروج من الأزمة، فلقاء موسكو الذي ينعقد على إيقاع اشتباك الإقليمي سيقدم أمرين: الأول مساحة سياسية على هامش العنف الدائر، والثاني فرصة لموسكو من أجل اقحام المجتمع الدولي بشكل مختلف في حل الأزمة السورية.

إن محدودية الفرص المتاحة أمام المجتمعين في موسكو هي ما يميز هذا اللقاء، لأنهم في النهاية يواجهون أزمة مركبة لا يمكن عزلها عن الصراع الإقليمي، فهم في الواقع يطرحون النموذج الموازي للحلول العسكرية القائمة على التحالفات، ولكنهم في المقابل يساعدون أحد الأطراف الدولية، روسيا تحديدا، على بلورة مشروع مختلف بشأن سوريا والشرق الأوسط عموما، وهو ما يرفع من الرهان على هذا اللقاء، لأنه يمثل في إحدى جوانبه انتقال من الحكومة باتجاه رسم مسار سياسي مختلف، وأما الجانب الآخر فهو فرض مشروعية المعارضة من خلال مشروع متكامل يوافق المجتمع الدولي على احد جوانبه، وهو المتعلق بمحاربة الإرهاب، وبالتالي إيجاد منفذ لأزمة علاقة دمشق مع الخارج وبناء مشروعية للمعارضة ضمن هذا المنفذ بعيدا عن استقطابات الإقليمية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة