معهد ليفانت للدراسات

موسكو 2 بعد أربع سنوات من الأزمة

مارس 13
12:33 2015

الحديث عن لقاء جديد في موسكو بين الأطراف السورية يتزامن مع الذكرى الرابعة لاندلاع الاضطرابات في السورية، ويترافق أيضاً مع تصعيد ميداني على مختلف الجبهات خفض كثيراً من حجم التوقعات السياسية، فعدم قدرة مبعوث الأمم المتحدة ستيفان ديمستورا على التقدم في خطته لتجميد القتال؛ أعاد الجبهات التقليدية في حلب تحديداً إلى الواجهة مع محاولة كل طرف تعديل توازن القوى لصالحه.

لكن التطورات العسكرية تطال أيضاً الفصائل المسلحة في الشمال السوري وفي ريف دمشق أيضاً، فهناك تحولات واضحة في بنية المسلحين ومحاولات لتصفية مجموعات ولرسم صورة مختلفة لبعض الفصائل المتطرفة مثل جبهة النصرة ، ووفق المؤشرات فإن المشهد الميداني سيحكم عاماً جديداً من الأزمة السورية، بينما ستبقى السياسة في ظل الحرب التي تمنح بعض الأطراف أوراقاً إضافية للتفاوض.

موسكو 2 صيغة جديدة

سيختلف اللقاء القادم في موسكو في بنيته على الأقل عن الاجتماعات التي تمّت سابقاً، فالحديث عن تخفيض التمثيل لبعض الأطراف، وتوسيع الطيف السياسي الذي ستتم دعوته، إضافة للرسائل التي وجهها فيتالي نعومكين، مدير معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، لكل من شارك في اللقاء الأول من أجل تعميق خلفية الاجتماعات القادمة، فهذه الخطوات بمجملها لا تستعجل إيجاد اختراق سياسي بقدر كونها البحث عن تصورات للأزمة، وإذا صحت التوقعات فإن لقاء موسكو في نيسان القادم سيشكل اختبارا لأمرين:

  • قدرة موسكو على خلق شراكة سياسية داخل الطيف السياسي السوري، فالعنوان القادم للقاء وفق "نعومكين" هو تعزيز الثقة، وهذا الأمر يستند أيضا على إيجاد علاقات مختلفة بين الخارجية الروسية وأطراف المعارضة، فالثقة هنا ليست فقط بين الحكومة السورية وباقي الطيف السياسي، بل مرهونة أيضاً بقدرة السياسة الروسية على بناء سياسة قوية مع داخل جبهة المعارضة السورية.

تتعامل روسيا اليوم مع واقع مشتت للمعارضة، فهناك انقسام واضح في فصائل المعارضة المسلحة والفئات السياسية، لكن المشكلة التي تواجهها مرتبطة في رهانها السياسي، فهي  تبحث عن قوة داخل المعارض للتأثير على المسلحين، أو لمنح الشرعية للأعمال القتالية داخل سورية، والقاعدة التي تريدها أوضحها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل عام تقريباً داعياً المعارضة والسلطة لخلق جبهة ضد الإرهاب، فعلى عكس القوى الغربية يسعى الكرملين إلى نزع الشرعية عن الفصائل المسلحة، في وقت تبحث فيه واشنطن عن فصائل معتدلة لمنحها شرعية القتال في سورية، والطريق الصعب الذي اختارته موسكو ربما لا ينجح نتيجة الاستقطاب الدولي داخل الأزمة السورية، لكنه في المقابل سيصبح الخيار الوحيد في لحظات التوافق الدولي، فهي تتمسك بورقة قادمة يمكن استخدمها إذا وصلت الأزمة السورية إلى أروقة جنيف مجدداً.

  • الاختبار الثاني يتعلق بالأطراف السورية، فأي لقاء سياسي اليوم يتم وسط عملية تشكل للمحاور الإقليمية، والواضح أن المعارك العسكرية الأخيرة في سورية كانت تعبيراً عن هذه المحاور، فهل تستطيع الأطراف السياسية إدراك هذه اللحظة من التحول داخل الشرق الأوسط؟

المشكلة هي أن بعض الأطراف السياسية تحاول تجاوز محاولات الاقتسام الإقليمي الجارية اليوم، فهي ترى أن المعارك ستؤدي عاجلاً أو آجلاً للجلوس على طاولة الحوار، لكن المعارك نفسها تفرز قوى جديدة على الأرض، فمن يتعامل اليوم مع الأزمة السورية، وعلى الأخص من المعارضة ربما يجد نفسه لاحقاً خارج كافة المعادلات، فالصراع في سورية حتى على مستوى الفصائل متبدّل لأبعد الحدود، والأحداث الجارية منذ بداية العام أثبتت أن هناك مجموعات تذوب وأخرى تظهر، بينما تتغير صور التحالفات أيضاً، وفي السياسية أيضاً تتبدل القوى بشكل سريع، الأمر الذي يدفع إلى التعامل بآلية جديدة.

التحرك الدبلوماسي الدولي والإقليمي سيتسارع نوعاً ما خلال الأسابيع القادمة، فالغاية ليست موسكو بل أيضاً دعم التحولات في الميدان بخط مواز من العمل السياسي، فإذا كانت المحاور الإقليمية تنشط اليوم ضمن الحرب الدائرة فإنها في المقابل تحاول بناء شرعية سياسية لكافة المعارك، وربما تدفع طريقة الحرب على الارهاب، وتراجع التحالف الغربي في ضرباته العسكرية لداعش إلى إيجاد معادلات جديدة على الأرض، وهذا ما يفسر الصراع داخل جبهة النصرة، وسعيها لفك ارتباطها مع القاعدة، إضافة للانهيارات العسكرية في محيط دمشق، وتخلي بعض الفصائل فيها عن السلاح، فالمشهد السوري يبدو وكأنه يعيد تشكيل نفسه، ويدخل المنطقة في صدامات سياسية وعسكرية، فبعد أربع سنوات من الأزمة  يبدو أن الاحتملات أصبحت محدودة، بل ربما على العكس مازلنا أمام مساحة واسعة من الصراع ومن الحلول التي تنتظر توازنات دولية وإقليمية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة