معهد ليفانت للدراسات

منظمة التحرير الفلسطينية ومشروعية تمثيلها

منظمة التحرير الفلسطينية ومشروعية تمثيلها
أكتوبر 25
22:19 2015

يمكن القول إن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كان تلبية لوضع إقليمي شكلت فيه القضية الفلسطينية البند الأساسي على أجندة القوى الدولية، كما أن تأسيسها كان استجابة لوضع فلسطيني آخذ في النهوض للتعبير عن بداية تحرك وطني في مواجهة إنشاء "إسرائيل" على الجزء الأكبر من فلسطين التاريخية، وتهجير الغالبية العظمى من سكانها الأصليين، فالمنظمة التي عدّت الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، أصبحت اليوم بعد قرابة نصف قرن على تأسيسها مؤسسة شكلية حسب رأي البعض يلجأ إليها القائمون على السلطة الفلسطينية في رام الله لفرض شرعيتهم على المعارضين لهم، فيما يرى البعض الآخر أن المنظمة ما تزال تشكل فرصة مواتية لتوحيد الفصائل والقوى الفلسطينية تحت لوائها ليستعيد المشروع الوطني الفلسطيني جذوته.

 

لقد كان جلياً أن منظمة التحرير الفلسطينية اكتسبت شرعيتها، فلسطينياً، من خلال إجماع الفلسطينيين على الأهداف التي نشأت من أجل تحقيقها، وكذلك من خلال تضامن والتفاف الأغلبية العظمى من الفلسطينيين حول المقاومة المسلحة التي تم اعتمادها كوسيلة رئيسية، كما اكتسبت م. ت. ف. شرعيتها، إقليمياً، عندما اعترف مؤتمر القمة العربي المنعقد في الرباط عام 1974، بها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني. واكتسبت شرعيتها دولياً، من خلال علاقاتها المتشعبة مع حركات التحرر العالمية ومع القوى التقدمية في العالم.

 

لكن أحداثاً كثيرة مرت بها المنظمة أثرت في مسألة وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني دولياً وفلسطينياً، وفي مكانتها بصورة عامة جعلتها تغير هدفها ووسائلها، ومن أهم هذه الأحداث كانت الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، والتي تزامنت مع إنشاء حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي شكلت منافساً حقيقياً لـ م. ت. ف. ورفضت الانضمام إليها إلاّ بشروط تضمن "عدم احتوائها" من قبل حركة فتح الحركة الأكبر داخل م. ت. ف. كذلك فعلت حركة الجهاد الإسلامي التي رفضت هي أيضاً الانضمام إلى المنظمة.

 

وبعد أن وقعت م. ت. ف. اتفاق أوسلو فقدت معظم عوامل شرعيتها التقليدية، فتحرير الأرض المحتلة، وبخاصة المحتلة عام 1948، لم يعد هدفاً بل تم التخلص منه علناً، ولم يعد الكفاح المسلح وسيلة أساسية أو وحيدة لتحرير الأرض بل أصبح "أحد" الطرق المعلنة للتحرير، ولاحقاً انتهى الأمر بالتخلي عنه كلياً واعتماد طريق المفاوضات كإستراتيجية وحيدة لتحصيل حقوق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967.

 

من الناحية الرسمية فإن المنظمة هي "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني"، ولكن من الناحية العملية فإن مفهوم هذا النص قد تآكل في أوساط الشعب الفلسطيني وفصائله.

ومع بروز التيار الإسلامي الفلسطيني، لم تقم حركة فتح التي سيطرت على المنظمة منذ 1968 وحتى الآن بأية جهود حقيقية لاستيعاب باقي مكونات الشعب الفلسطيني وفصائله بما يتوافق مع أحجامها السياسية والشعبية، بينما تضاءلت المنظمة وضمرت، لتصبح على مقاس فتح أكثر منها على مقاس الشعب الفلسطيني، ومع ارتفاع منسوب التأييد لحماس والجهاد الإسلامي علت الأصوات المطالبة بتغيير ميثاق المنظمة بما يتناسب والمستجدات الجديدة.

كما كانت القاهرة نقطة الانطلاق والتأسيس أيضاً كانت الموئل لعقد الاتفاقات والتفاهمات بين جميع الفصائل وبالتحديد فتح وحماس حيث كان اتفاق 2005 في السابع عشر من آذار والذي دعا فيه المجتمعون إلى تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التراضي عليها، بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية بصفة المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ومن أجل ذلك تم التوافق على تشكيل لجنة تتولى تحديد هذه الأسس وتتشكل اللجنة من رئيس المجلس الوطني وأعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة والأمناء العامين لجميع الفصائل وشخصيات وطنية مستقلة، ويدعو رئيس اللجنة التنفيذية لهذه الاجتماعات، تلاها إقرار وثيقة الوفاق الوطني في حزيران 2006، واتفاق مكة في شباط 2007، واتفاق المصالحة في أيار 2011، على إعادة بناء وتفعيل المنظمة واتفاق الشاطئ 2014، لكن أياً من هذه الاتفاقيات لم تنفذ .

وأتت الدعوة الأخيرة لعقد المجلس الوطني الفلسطيني 2015 على خلفية استقالة رئيس منظمة التحرير الحالي ورئيس السلطة محمود عباس وعدد من القيادات في المنظمة، وتالياً تأجيله تحت ضغط الفصائل لتشكل نقطة تحول جديدة نحو إعادة تفعيل الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي اتفق على تشكيله قبل سنوات، والذي يضم حركتَيْ حماس والجهاد الإسلامي، والفصائل المنضوية حالياً تحت لواء المنظمة، حيث حددت مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر لانعقاده .

 

إذن، فالحركة السياسية الفلسطينية اليوم تفتقر إلى قيادة موحدة، وتفتقر إلى مؤسسات وطنية موحدة وفاعلة ومستندة إلى أسس ديمقراطية تمثيلية، وتصر على اعتماد إستراتيجيات أثبتت عقمها ومحدودية تأثيرها، وهي بحاجة إلى اختراع منظمة تحرير جديدة تقوم على المصالحة الوطنية وعلى إستراتيجية موحدة محورها الرئيسي حق تقرير المصير والعودة، لكن لن تستوي المصالحة الوطنية إن لم تقم على إشراك أوسع القوى السياسية والاجتماعية في فلسطين المحتلة وخارجها في حوار عن أفضل السبل وأسرعها لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير كمؤسسات وطنية تمثيلية جامعة، ومن أجل صوغ إستراتيجية تفسح في المجال لجميع أشكال النضال المُشرِكة لفئات الشعب الفلسطيني، إستراتيجية لا تختزل الشعب الفلسطيني إلى من هو مقيم في الضفة ومن هو في القطاع، ولا التاريخ الفلسطيني الذي لم يبدأ في العام 1967، ولا تشوّه الرواية الفلسطينية بحيث تغيب عنها النكبة وما قبلها وما بعدها، أو تتجاهل تاريخ النضال بوجه بريطانيا ومن بعدها اسرائيل .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة