معهد ليفانت للدراسات

مناطق الحكومة .. الأكثر أماناً في سورية

مناطق الحكومة .. الأكثر أماناً في سورية
نوفمبر 14
17:36 2015

توازعت القوى المختلفة في سورية مناطق النفوذ فيها فاقطتعت المعارضة الشمال والجنوب وحلّق الأكراد باتجاه حلم انفصاليّ في الشمال الشرقي وتحاول الفصائل المتشددة السيطرة على الجنوب السوري فيما حافظت الحكومة على نفوذ يمتد من اللاذقية وحتى السويداء جنوباً باذلةً في سبيل ذلك آلافاً من الضحايا ومحافظةً على ما تعتبره أولويات من مناطق ونقاط مختلفة ومتخليّةً عن مساحات أخرى .

باتت المناطق في كل أنحاء سورية بين خيارين تحت سيطرة الحكومة أو خارجها على اختلاف من يسيطر فعلياً ومن يسيطر اسمياً ففي مناطق الحكومة تحافظ السلطة على مركزيتها وسير العمل الحكومي أما مناطق المعارضة فهي مقسمة نفوذاً بين جهات حكم محلية ذات طابع اسلامي وفصائل عسكرية وأخرى تحت حكم تنظيم الدولة "داعش " وأخرى تحت حكم جبهة النصرة ومنفردة تحت سيطرة جيش الاسلام مثلاً,وما يتم الحديث حوله عن مناطق سيطرة لتنظيمات عسكرية علمانية أو مدنية أصبح شيئاً من الماضي البعيد ولو كان ذلك خيبة أمل حقيقية لكنها الحقيقة اليوم !

مناطق الأكراد في الشمال ذات وضع خاص له ارتباطاته المصلحيّة مع الحكومة السورية وارتباطاته مع الدول الأخرى وربما حمل ذلك مشاريع انفصالية او سورية فيدرالية لم تتوضح معالمها حتّى الآن

لايمكن الحديث بطبيعة الحال عن نسبة مؤيّة لسيطرة الحكومة على الاراضي السورية او فقدانها فلاتقاس الأمور كذلك بل بغناها ومحوريتها وموقعها , وفيما فقدت الحكومة أهم المناطق الغنية بالنفط يؤكد كثيرون أن التخلي عنها كان توفيراً لجهود الدفاع عنها في ظل عقوبات دولية تحظر تصدير النفط والغاز ومع فقدان المعابر مع الدول الأخرى تبقى المعابر مع لبنان بيد الحكومة وتعتبر مع البحر المنافذ الوحيدة مع دول العالم مع عقوبات مرافقة للطيران والمطارات السورية .

وبات من الملاحظ الحرص الروسي على مناطق الغاز الغير مستثمر على امتداد الساحل السوري وربما باتت القاعدة والانتشار الروسي هناك رسالة واضحة للجميع بان هذه المناطق تحت النفوذ الروسي مهما كان الواقع الميداني في سورية .

هرب السوريون بالآلاف على اختلاف توجهاتهم السياسية إلى العاصمة وضواحيها فيما نزح الآلاف إلى مدن الساحل السوري والتي لم تعرف سابقاً نشاطاً تجارياً أو صناعياً كبيراً وظلت خلال العقود الفائتة تعتمد على السياحة وجزئياً على بعض المنتجات الزراعية , أما اليوم فبدأت بوادر هامّة من التجار والصناعيين الذين استطاعوا نقل معاملهم وتجهيزاتهم وافتتحوا مشاريعاً تجارية في مدن وقرى بقيت لعقود تعتاش على عوائد سياحة خجولة ويعمل جلُّ سكانها في وظائف الدولة وكمتطوعين في الجيش السوري والزراعة .

امتلأت المدن السورية بالنازحين الذين ودّعوا قراهم أمام سيوف الدولة الاسلامية وأمام الاحكام المتشددة واعمال القتل للفصائل المسلحة والتي سيطرت على كل مناحي الحياة في تلك القرى والبلدات وفرضت مناهج تعليم جديدة متطرفة ونظماً اجتماعية قبليّة ومتشددة وبات بيع التبغ في بعض المدن جريمة وبات خروج المرأة دون خمار كفرٌ يجب تطبيق أحكام الشريعة على مرتكبته .

لقد تغير شكل الحياة في المناطق خارج سيطرة الحكومة تماماً فيما حافظت الحكومة في مناطق سيطرتها على شكل وهيبة الدولة مع اقامة حواجز أمنية وعسكرية ونقاط تفتيش جعلت الحياة تسير بشكل أبطاً لكن ما زال موظفوا الكهرباء والمياه والهاتف يقومون بجباية الفواتير المتراكمة ومازالت شرطة المرور تنظم مخالفات السير لأحزمة الأمان للسائقين .

في المدن تحت سيطرة الحكومة ازدهرت ايجارات الشقق والمنازل وامتلأت معظم الفنادق فذات الخمس نجوم فقدت روادها التقليديين وحجزتها منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والفنادق الأخرى ملأت بالنازحين لفترات طويلة وبات الحصول على بيت للآجار أشبه بالمعجزة في ظل أسعارعالية وقلة سيولة و تحديات مختلفة تتعلق بالموافقات الأمنيّة ونقل الأثاث وأبواب الهجرة والنزوح المشرعَة أمام الجميع .

لم تحاول الحكومة منع أحد من السفر أو الهجرة وتبقى مراكز الايواء صورة معبّرة تفيد بأن الحكومة وبالتنسيق مع المنظمات الدولية وجهات المجتمع المحلي هي الداعم الأول في هذه المراكز حيث توفر لهم الحماية وسبل المعيشة المتواضعة رغم ما يذهب به بعض المغالين من الموالاة بأن قاطني هذه المراكز هم أهالي المسلحين الذين تحاربهم الدولة على بعد كيلومترات من العاصمة فقط  .

 

الهجرة والنزوح حديث السوريين اليومي البعض من الشباب أصبح خياره الوحيد بعد استنفاذ فرص التأجيل دراسياً لخدمة العلم حيث يذهب سكان المدن لارسال أبنائهم نحو أوروبا وتركيا خوفاً من زجّهم في المعارك التي يخوضها الجيش على امتداد الاراضي السورية والتي لايعرف أحد موعداً لنهايتها مع قرار القيادة العامة بالاحتفاظ بالمكلفين فمن المقاتلين من قضى خمس سنوات حتى اليوم .

يتداول السوريين في الواقع والفضاء الافتراضي الكثير من القصص عن الفظائع التي ترتكبها الفصائل المسلحة في مناطقها , لقد وصل ذلك حدّ اشهار المعارك واهدار دم هذا الفصيل ومقاتلي تلك الجبهة وتلعب محاولات قمع الاعلاميين الناشطين في هذه المناطق دوراً كبيراً في جذب الانتباه إلى ممارسات تتجاهل حقوق الانسان وتقيّد الحريات تجري هناك .

فيما تحافظ الدولة على وصول خدماتها لبعض هذه المناطق تعمل القوانين المتغيرة دوماً هناك على منع أي تعامل أو تبادل مع مناطق سيطرة الحكومة وتقوم التنظميات المتطرفة كتنظيم الدولة وجبهة النصرة بعمليات الاعدام الميدانية بتهم ترجع إلى بدايات ظهور الاسلام في جزيرة العرب قبل 1400 عام تقريباً والفصائل الاسلامية ليست ببعيدة عن تلك الممارسات فالمحاكم الشرعية والسجون من أهم أركان سيطرتها على مفاصل الحياة هناك .

فيما حَلُمَ السوريون في بعض المناطق بحكم الثورة والتغيير والتخلص من السيطرة الأمنية وجدوا بانتظارهم فروع تحقيق وأجهزة مخابرات بمسميات دينية جعلت جلّ الناشطين المدنيين يتوجهون نحو أوروبا وتركيا هرباً من بطش مسلحي الثورة وزعماء التنظيمات الممولين وبشكل صريح من السعودية وقطر وتركيا التي لعبت دور الداعم اللوجستي بتسهيل انتقالهم وتدريبهم ولم يعد هذا الكلام اليوم تابعاً لنظريات المؤامرة التي عمل الاعلام الحكومي السوري والموالي له على بثها بل بات واقعاً يعرفه جيداً كل السوريون على اختلاف اتجاهاتهم السياسية .

تخلّى مئات الناشطين عن دعواتهم للحرية , منهم من وجدَ وطناً جديداً ومنهم وجد أنه لاحول له ولا قوة والغلبة اليوم والكلمة المسموعة للسلاح , أعداد بقيت تحت حكم الفصائل فمنهم من سُجن ومنهم من عذب ومنهم من تم اغتياله ومنهم من أذعن بالطبع وصار جزءاً من الاستبداد بخطاب اسلامي وتكفيري وبالتالي ذهبت دعواته للحرية والتحرر أدراج الرياح .

لايعتبر الوضع في مناطق الحكومة مثالياً ولكنه خيار السوريين الهاربين من جحيم داعش وأخواتها  .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة