معهد ليفانت للدراسات

معركة دير الزور.. تنظيم الدولة يلفظ أنفاسه الأخيرة

معركة دير الزور.. تنظيم الدولة يلفظ أنفاسه الأخيرة
سبتمبر 23
17:06 2017

منذ شهرين ونصف تقريباً بدأ الجيش السوري وحلفاؤه عملية فتح الطريق باتجاه دير الزور، بهدف فك الطوق عن المدينة المحاصرة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية منذ أكثر من ثلاث سنوات.

الجيش السوري خاض معارك عديدة في سبيل تحصيل هدف استراتيجي، استدعت مراجعة وتعديل الخطط والمسارات، قبل أن توصل إلى النتائج المرجوة، ولم تكن معركة فك الحصار عن دير الزور أول معركة تتطابق فيها النتائج الميدانية مع الخطط المرسومة سلفاً، لكنها الأسرع.
 

من تدمر كانت الانطلاقة، على الطريق المؤدي إلى دير الزور بطول 200 كم، لأن هذا هو الطريق الاستراتيجي الوحيد، وهو الرئة للمدينة، ولم يكن ليتم فك الحصار عن دير الزور إلا بفتح هذا الطريق، وبدأ العمل من تدمر بريف حمص الشرقي على جنوب وشمال الطريق بعمق 5 كم من الطرفين، وخاض الجيش معارك عديدة للسيطرة على البلدات والتلال والنقاط المهمة في الطريق إلى السخنة، آخر معاقل تنظيم الدولة في ريف حمص الشرقي، ومنها باتجاه دير الزور، بينما كانت وحدات أخرى من الجيش السوري تتقدم، قادمة من ريف حلب، دخلت ريف الرقة على الضفة الجنوبية للفرات، باتجاه دير الزور، لتشكل القوتان مع بعضهما قوساً نارياً.
 

وفيما كان الجيش يطلق عمليته باتجاه المدينة، تمسّكت حامية مطار دير الزور العسكري وباقي وحدات الجيش بقواعدها الموجودة في المدينة، رغم تشديد الحصار وتضييقه، لإدراكها أن خسارة الدير ستعتبر خسارة لأغلب الشرق السوري، الذي توغّل فيه الأميركي وسعى جاهداً لإضعاف الجيش والدولة السورية، فدمّرت طائرات التحالف الدولي مستودعات الوقود والذخيرة في بلدة عياش غرب الدير في نهاية عام 2015، وفي أيلول من عام 2016، جدّد التحالف قصفه على مواقع الجيش في جبل الثردة، ما أدى إلى سقوط 82 من قوات النخبة في أكثر المواقع الدفاعية أهميةً، وخسر الجيش السوري عياش والثردة إثر الغارات.
 

تنظيم الدولة أيضاً، لم يُعدم وسيلة لإخراج الجيش من المدينة، مطلقاً آلاف قذائف الهاون والصواريخ، وخسر المئات من انتحارييه ومقاتليه، وجنّد أقوى كتائبه لتحقيق هذا الهدف، إلا أن المدينة ظلّت عصيّة، ليحافظ الجيش على قرابة نصف مساحتها، بالإضافة إلى قواعده في المطار العسكري، واللواء 137، والفرقة 17.

 

اليوم تغيّرت المعادلة، وبات الجيش هو المبادر لكسر الحصار وعزْل "داعش" تباعاً في أرياف الدير، حيث وصلت القوات المتقدمة إلى "اللواء 137"، ثم إلى منطقة المجبل، حيث التقت بحامية دير الزور المحاصرة، وأُعلن منها فك الحصار عن المدينة، لتصل بعدها قوافل الإغاثة تباعاً إلى المدينة، ويتحرك الجيش باتجاه أهداف جديدة، بغية طرد التنظيم المتطرف من المدينة وفك الحصار عن المطار من جهة الشرق، وإبعاد "داعش" أكثر فأكثر عن المدينة، ليتم لاحقاً طرده من كامل الأرض السورية، وهذا ماتشير إليه تصريحات العسكريين السوريين وحلفائهم.
 

مراقبون يرون أنه لدى الحديث عن أسباب نجاح معركة دير الزور، يجب الأخذ في الاعتبار إرجاء المعركة إلى ما بعد فتح "قوات سورية الديمقراطية" ذراع التحالف معركة مدينة الرقة، وما ضمنه ذلك من تشتيت لقوى تنظيم الدولة.. يقول مصدر عسكري سوري في تصريح لصحيفة لبنانية "الأخبار" إنّ "ما يسمى التحالف لم يكن ليقدم على مهاجمة التنظيم في الرقة لو فتحنا معركة دير الزور في وقت سابق".
 

لوحظ التسليم الأميركي على وجه الخصوص في شأن معركة دير الزور، سواء كان هذا التسليم نابعاً من توافقات خفية بين موسكو وواشنطن أو من انعدام وسائل التأثير في المعركة أو عرقلتها في ظل عدم وجود شريك قوي على الأرض من بين فصائل المعارضة المسلحة، ويجدر التذكير بأن التسليم الأميركي هو سلوك مستجد إذا ما قورن بقصف طيران التحالف الدولي مواقع الجيش السوري في جبل ثردة قبل عام، ما هدّد وقتها بقلب الموازين جذرياً وتمكين "داعش" من محافظة دير الزور بأكملها. إلا أنّ إحجام واشنطن عن محاولة عرقلة فك الحصار لا يعني بالضرورة وقوفها موقف المتفرج في كل المراحل القادمة من معارك المحافظة، ولا سيما ريفها الشرقي.
 

ويمكن النظر إلى شرق الفرات بوصفه التحدي الأبرز في حسابات الجيش السوري المقبلة، والمقياس الحقيقي للموقف الأميركي، ومن المرجّح أن يركز الجيش وحلفاؤه في المدى المنظور على استكمال بسط السيطرة وتثبيتها في دير الزور المدينة ومحيطها الغربي والجنوبي، ولا سيما جبل ثردة وتلّي ثردة وكروم، علاوة على استدراك السيطرة على نقاط التفّ عليها بين الشولا وكباجب، بغية تثبيت السيطرة وتأمين محيطهما بالكامل.
 

كذلك، تحظى الآبار النفطية بأولوية دمشق وحلفائها، مثل حقول التيم والشولا والمزرعة، وفي الوقت نفسه، يحتفظ الجيش وحلفاؤه بفرص تحريك جبهات أخرى تمر بمرحلة جمود مؤقتة، ولا سيما أقصى ريف دير الزور الجنوبي الغربي، ويبدو تحريك الجيش للعمليات على هذا المحور من جديد أشبه بتحدّ جديد لواشنطن التي تولي أهمية خاصة لمدينة البوكمال الحدودية.. بانتظار مفاجآت ميدانية جديدة، في ظل التطورات المتسارعة في سورية على الصعيدين العسكري والسياسي.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات 

تقارير ذات صلة