معهد ليفانت للدراسات

معرض دمشق الدولي.. الدلالات الاقتصادية والسياسية

معرض دمشق الدولي.. الدلالات الاقتصادية والسياسية
سبتمبر 28
07:50 2017

أكثر من ستة عقود مرت على إقامة المعرض الأول في دمشق، أقدم وأعرق معرض في الشرق الأوسط، وبقي الكرنفال مستمراً، عطلته الأزمة السورية لبضع سنوات لاتتجاوز الخمس، لكن الحدث الاقتصادي والاجتماعي الأبرز على أرض الشام عاد هذه السنة (2017)، حاملاً قيمة مضافة، بأنه كسر الحصار المفروض على سورية منذ اندلاع الأحداث فيها، وجذب عشرات الدول والشركات، ليكون المفتاح الأول لعودة سورية إلى الجغرافيا الاقتصادية، مؤذناً بنهاية الحرب بتزامنه مع انفراجة في الملف السوري والمأساة التي بدأت ربيع 2011،
 

اقتصادياً، في صفحات المعرض ومجريات تدفق العمل والنشاط فيه تنوعت التجارب وتعددت المفاجآت وفرضت الشركات الوطنية والعالمية تطورات ومواكبات استحضرها القائمون ليكون الحوار والتشارك والتفاوض ومن ثم الاتفاق والإنجاز سيد الموقف, وجلها مشاركات تعطي برهاناً على قدرة الشركات التي تعمل في مجال إعادة الأعمار في سرعة الاستجابة والتماهي  مع التحديات القادمة والإسراع في الانجاز بشكل أفضل وبتقنيات حديثة لا تنقصها التجهيزات والمعدات زلا الخبرات والطاقات البشرية.
 

قد تكون كواليس الأنشطة والقطاعات خارج جدران المعرض حملت أعمالاً ومشاريع وتقنيات وخططاً وأفكارا وإبداعات مهمة للأعمار, ولكن لمعرض دمشق الدولي فضل في كشفها وإماطة اللثام عنها وجعلها تضج بالتنفيذ والتطبيق.
 

حيث أظهرت الشركات الدولية المشاركة في معرض دمشق الدولي حماسها للبدء في ورشة الأعمار السورية, لاسيما بوجود رغبة من شركة "التا" الصناعية والتجارية التشيكية بإقامة مشاريع في سورية من خلال العمل على توفير المعدات الطبية والصناعية و البناء كما كان لشركة "سوفو كريم" الروسية دور كبير بالاستعداد لتجهيز وتصنيع المعدات الخاصة بالصوامع ومعامل الأعلاف حيث كشفت عن استعدادها من خلال مشاركتها بالمعرض بتجهيز مطحنة تلكلخ للتشغيل بطاقة إنتاجية يومية تقدر بـ"600"طن طحين يومياً واعداً بتسليم المشروع بنهاية الـ 2017, كما أشار مدير فرع مجموعة "مبنا" الإيرانية مرتضى كنجي إلى أن مبنا تضم 45 شركة إيرانية تعمل في مجال الكهرباء, الغاز, النفط,والسكك الحديدية حيث ستجهز/ 5 /عنفات في حلب باستطاعة 25 ميغاواط ومجموعة استطاعتها 125 ميغاواط وسيتم تسليم المشروع خلال مدة لاتتجاوز الـ سنة ونصف السنة, أما بالنسبة لمشروع اللاذقية فسيكون باستطاعة 540 ميغاواط وخلال ستة أشهر سيتم إجراء العقد والبدء بالتنفيذ.
 

كما كان للمشاركة المصرية عروضاً كبيرة ومغرية لكافة المنتجات الكهربائية والملابس وغيرها, إضافة إلى ظهور المشاركة الصينية من خلال دخولها السوق السورية بمعامل الاسمنت والتشييد السريع و الرخام والغرانيت، كما بدى  تميز الجناح الإيراني بالمنتجات الغذائية والاستهلاكية التي تنتجها كبريات الشركات الإيرانية إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة واضحاً، أما  الوفد الروسي فقد أبدى استعداده لتعميق وتعزيز التعاون وتقديم كل ما يلزم لدفع قطاع النقل في سورية لاسيما أنه يسعى للعمل على تطوير مستوى العلاقات في مجال النقل والبدء باتخاذ خطوات على الأرض تزامناً مع وجود رغبة روسية كبيرة للاستثمار في مجال المرافئ والطيران و الطرقات مع تأكيدهم على ضرورة توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين لتوثيق آلية العمل, والبدء بالترويج في روسيا للتشجيع إلى القدوم لسورية وزيارة المناطق السياحية والاطلاع على المشاريع الإستراتيجية المطروحة للاستثمار كمشروع إنشاء مطار جديد في دمشق ومرفأ بديل في اللاذقية.
 

كما أثبتت الشراكة الهندية وجودها في المعرض من خلال توقيعها لعقود استثمارية لـ /7/ شركات لتشجيع الشراكة (الهندية, السورية) سواء الحكومية أو الخاصة بهدف المشاركة بإعادة بناء سورية وتسريع العجلة الاقتصادية لاسيما بوجود إمكانية إنشاء معمل أدوية في سورية بالتعاون مع الشركات السورية في المرحلة القادمة المتسمة بإعادة الأعمار.
 

سياسياً، يقال إن سورية اختارت بذكاء ودقة التوقيت المناسب لإعلان "النصر العسكري بنكهة اقتصادية سياحية"، وبطريقة لا يجادلها الآخرون بمدى صحتها وصدقيتها، فافتتحت معرض دمشق الدولي، بدورته التاسعة والخمسين، في 17 آب، بعد خمس سنوات من الغياب، ليكون علامة حضور للأمن والقوة والحياة الطبيعية في دمشق.
 

جاءت مشاركة 43 دولة عربية وعالمية في المعرض، منها 23 دولة شاركت بشكل رسمي عبر سفارتها، و20 دولة سجلت مشاركات تجارية لها، كمؤشر هام على حدوث تغييرات شبه جذرية في المناخ الاقتصادي إلى جانب السياسي، وفي التعاطي المختلف مع الحكومة السورية، وماتبعه من تصريحات تعيد الاعتراف بشرعية القيادة في دمشق، بعد سنوات من التصريحات والسياسات التي تعتبر رأس هرم النظام السياسي في سورية غير شرعي.
 

تدفق عشرات الآلاف يومياً إلى أرض مدينة المعارض على مدار عشرة أيام، أيضاً أعطى صورة عن دمشق مركز الدولة، على أنها آمنة أكثر من أي وقت مضى، وأن قيادتها باتت أكثر تماسكاً من أن يعتقد أحد في الخارج أنه مازال في الإمكان إسقاطها، وأن مشاريع التفكيك والتقسيم ذهبت أدراج الرياح.
 

لاشك أن المعرض قدم صورة جديدة إيجابية عن سورية، عدّلت الصورة النمطية التي أوحت لسنوات بأن سورية دولة معزولة، لاشيء يتحرك فيها سوى الدبابات والآليات المدرعة، ولاصوت فيها يعلو على صوت الرصاص، لكن عشرة أيام من الكرنفال السوري المطعّم بنكهة دولية على أطراف دمشق، قرب منطقة كانت تعتبر من أكثر المناطق سخونة في سورية، كانت كفيلة بتتغير المشهد وإعلان بداية النهاية للحرب، والتحضير للعودة إلى الحياة الطبيعية وإعادة الإعمار.
 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة