معهد ليفانت للدراسات

مشهد الطفولة في لبنان

مشهد الطفولة في لبنان
نوفمبر 16
18:30 2014

تقدّم الحالة الإعلامية في لبنان واقعاً مختلفاً عن باقي بلاد الشام، فالإضاءة على الأزمات والمشاكل المختلفة تبدو أكثر وضوحا، ومسألة الطفولة فيها تظهر للعيان من خلال النماذج التي تقدمها البرامج المرئية المختلفة، إضافة إلى ذلك فإن الإعلام يواكب عبر حملات دورية نشاطات المنظمات الدولية المعنية بالطفولة، لكن هذه التغطيات لا تعطي سوى صورة واحدة لواقع الأطفال، فغالباً ما يسعى معدو البرامج التلفزيونية إلى نمذجة الواقع من خلال أمثلة يتم تقديمها، في وقت نشهد فيه خللاً واضحاً في عمليات المسح لواقع الطفولة، أو بيانات كاملة للعوامل التي تأثّر على الأجيال الناشئة.

وإذا كانت مسألة الجرأة الإعلامية تبدو ضرورية للنفاذ للمشاكل الاجتماعية، ومنها واقع الأطفال، لكنها في نفس الوقت تسلط الضوء على الحالات المتطرفة من أجل عملية الجذب الإعلامي، فالعنف الممارس ضد الأطفال، على سبيل المثال، لا يقتصر على ممارسة الضرب المبرح، فهو طيف واسع يبدء من الضغط النفسي وينتهي بالإيذاء الجسدي، والشريحة الأكبر من الأطفال تتعرض لإيذاء نفسي أكثر من تعرضها لعمليات العنف الجسدي، فالإعلام يرسم هذه الظاهرة بشكل مختلف؛ ليجعل الاهتمام منصباً على حالات فردية دون الدخول في الظاهرة العامة، بينما يبقى العمل الفعلي خارج هذا الإطار لأنه يحتاج لقوانين تستند لاحصاءات واضحة.

الطفولة.. المشهد العام

مع نهاية الحرب اللبنانية تم وضع "الخطة الوطنية للطفولة" بإشراف المجلس الأعلى للطفولة؛ وتهدف للترويج للإتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي صادق عليها البرلمان اللبناني في العام 1991, كما وضع في العام 2000 بروتوكول تعاون بين إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة اليونيسيف، وذلك لتنفيذ مسح وطني لواقع الأطفال في لبنان. ويمكن اعتبار هذا البروتكول بداية مرحلة جديد من الاهتمام بواقع الطفولة، فظهرت نتيجة المسح:  "الدراسة الوطنية حول أوضاع الطفل في لبنان", وهي حتى اليوم تقدم المؤشرات الأساسية المتعلقة بالأطفال على الصعيد الوطني وعلى صعيد المحافظات. ورغم أن المسوح تمت في العقد الأول من الألفية الجديدة، لكنها تشرح الوضع العام ويمكن اعتبارها من أدق المسوح التي تمت في لبنان.

وتبين الدراسة التي شملت عينة أسرية بلغ مجموعها 8125 أسرة موزعة على المناطق اللبنانية كافة, إلى تراجع معدل وفيات الأطفال, وذلك نتيجة تغير السلوك الإنجابي للنساء في سن الحمل, كما تحسن واقع تغذية الأطفال وتلقيحهم, وتطور على صعيد الإدخال السليم للأطعمة المكملة للرضاعة، وتقدم مستوى الإنتساب المدرسي في صفوف الروضات والتعليم الإبتدائي, فقد جاء في الدراسة أن 3.98% من الأطفال في عمر 6 و11 سنة ينتسبون الى التعليم الابتدائي, ومن دون فوارق بين الجنسين أو بين المحافظات.

في مقابل فإن 6.6% من الأطفال دون الـ14 عاماً يعملون خارج المنزل بأجر أو بدون أجر, يضاف إليهم 3.1% من الأطفال دون الـ14 سنة يعملون أكثر من أربع ساعات في المنزل يومياً مما يؤثر سلباً على صحتهم وتحصيلهم العلمي. واللافت أكثر أن 93% من الأطفال العاملين ينتمون الى أسر لا يشملها الضمان الصحي. يضاف إلى ذلك إن نحو 45% من الأطفال يتسربون من الدراسة قبل نهاية الحلقة الدراسية الثالثة من التعليم الأساسي.

   مشاكل العنف

أول  دراسة في لبنان حول العنف تم تقديمها عام 2008، وبيّنت ان 1 إلى 16% من الأطفال يتعرّضون سنوياً للتحرش الجنسي، وان 1،54% من الأطفال يتعرّضون سنوياً للعنف الجسدي، وان 8،40% يشهدون حوادث عنف منزلي، و9،64% يتعرّضون للعنف النفسي والمعنوي في آن معاً، أما الأرقام الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية فتشير لوجود نحو 850 حالة عنف جسدي ومعنوي واهمال وتشرد وتحرش جنسي؛ تم تحويلها إلى الجمعيات المعنية بحماية الأطفال، وذلك وفق بيانات عام 2012، لكن هذه الحوادث لا تنقل سوى نموذج فقط ولا تعبر عن الواقع العام، لأنهها تشكل الحالات التي تم التبليغ عنها، أما الأرقام المستندة إلى دراسات ميدانية فتشير إلى أن نصف أطفال لبنان يتعرَّضون للعنف الجسدي بنسب مختلفة، وأكثر من النصف يتعرَّضون للعنف المعنوي، فيما يتعرَّض نحو 16% منهم للتحرش الجنسي، وذلك وفق الجمعيات المدنية المهتمة بشؤون الطفل.

عملياً فإن الأطفال في لبنان يشملهم قانون حماية رقم 422 الصادر عام 2002، كما تم وضع إسترايجية وطنية لحماية الأطفال من كافة أشكال العنف، والتصديق عليها من قبل مجلس الوزراء بـ12/12/2012، وتتضمن تعديل بعض المواد الاحداث لتكون ملائمة مع اتفاقية حقوق الطفل،و"تدريب الكوادر المهنيين حول كيفية التدخل مع الاطفال، وإنشاء شرطة متخصصة للأطفال للتحقيق معهم، وتطبيق سياسة لحماية الطفل في المؤسسات الصحة، التربية والإجتماعية"، وتنظيم حملة توعية حول كيفية تأمين بيئة سليمة وآمنة للاطفال.

لكن القوانين تحتاج إلى بيئة ليتم تطبيقها، فوضع الأطفال في لبنان تأثر بأربع عوامل أساسية خلال عقد ونصف من السنوات:

  • الأول تأثير الاضطرابات السياسية على عمل المؤسسات الرسمية المختصة بالطفل، فالتبدلات الوزارية، والتعطيل الحاصل على عملها أثر سلباً في مراقبة تطبيق القوانين الخاصة بالعنف ضد الأطفال.
  • الثاني: الاستناد إلى عمل المؤسسات المدنية؛ وهي بدورها غير قادرة على العمل في كافة أرجاء لبنان، كما أنها تحتاج إلى حدود دنيا من التنسيق مع المؤسسات الرسمية، فالهيئات المدنية لا تملك في عملها صفة الإلزام، بل تقوم بالدعم الاجتماعي فقط، وبالتالي فهي غير قادرة على الحد من الظاهر السلبية.
  • الثالث: طبيعة المؤسسات المدنية وهويتها المحلية وحتى المذهبية، مما يجعل عملها محدودا بشرائح معينة من الأطفال اللبنانيين.
  • العامل الرابع والأخير هو الأزمة السورية التي أدت عملياً للاهتمام بالأطفال السوريين في المخيمات، وتسليط الضوء على واقعهم، إضافة لتأثير مخيمات اللجوء على المجتمعات المحلية التي تجاور المخيمات.

والواضح أن العنف ضد الأطفال سيبقى مشكلة أساسية طالما أنه بقي وفق المعالجات الحالية، فالخطة الوطنية اللبنانية تحتاج إلى مؤسسات رسمية تملك القدرة على التحرك للحد من هذه الظاهرة، ومعالجتها وفق أسس عامة وليس كحالات فردية داخل المجتمع.

عمالة الأطفال

بقيت عمالة الأطفال قبل الحرب اللبنانية (1975) محدودة، لكن النتائج السلبية لفترة الحرب وما بعدها إضافة للتضخم المالي الذي رافقها، حولت معظم الطبقة المتوسطة الى الطبقة الفقيرة، فاضطر الآلاف من الاولاد الى النزول الى ميدان العمل، وقامت الدولة اللبنانية ببعض التعديلات على قوانين العمل لتتناسب و الواقع الجديد، بالاضافة الى التوقيع على العديد من الاتفاقيات الدولية و العربية المتعلقة بعمل الاحداث أو بعمالة الأطفال.

ووفق وزارة الشؤون الإجتماعية ووزارة العمل الدولية واليونيسف، فان هذه العمالة تتركز في الأماكن المحرومة، والمنطاق التي تتدنى فيها نسبة التنمية الأساسية، والنسب الكبيرة تتركز في محافظة الشمال التي تحظى بالعدد الأكبر من الأطفال العاملين، وهناك ثلاثة أقضية في الشمال هي: طرابلس وعكار والمنية ترتفع نسبة العمالة فيها بشكل كبير، أما العمال في محافظة جبل لبنان فتتركز في بعبدا والمتن، وفي محافظة البقاع تتركز في قضائي بعلبك وزحلة، وفي محافظة الجنوب تتركز في صيدا وصور، أما في بيروت فتصل نسبة العمالة الى 8.5% من إجمالي الأطفال العاملين.

كما يقدر عدد الأطفال العاملين من الفئة العمرية في لبنان (10-17سنة) بنحو 43400 طفل منهم 11.8 % ما بين 10 و13 سنة و 88.2 % بين 14 و17 سنة وتتوزع هذه النسب بين 87.5 % للذكور و 15.5% للإناث. وتفيد الإحصاءات بأن نسبة الأمية(10 سنين وما فوق) في لبنان تبلغ نسبتها 13.6% وتصل فقط الى 3.6% للفئتين من 10 الى 14 سنة ومن 15 الى 19 سنة.

وتتضح خطورة هذه الظاهرة في المهن التي يتعاطاها الأطفال، فهي تشكل خطراً كبيراً على صحتهم البدنية وعلى نموهم العقلي، مثل العمل في الإنشاءات المعدنية وتركيب الأجهزة الإلكترونية، والعمل في الكسارات وقطع الحجارة ونحتها، والعمل في دهان السيارات والحدادة والنجارة، وكل ما له علاقة بالمواد الكميائية، التي لو تم تنشقها بشكل مستمر ستؤدي لتداعيات على اجساد لا تزال لينة وغير صلبة.

ربما يشكل العنف والعمالة بالنسبة للأطفال أخطر ظاهرتين يتعرض لهما المجتمع اللبناني، ورغم الضعف في تحديث البيانات الخاصة بهما، لكنهما يبقيان ضمن مؤشرات خطرة على الأجيال الناشئة، وعلى مستقبل لبنان نظراً للطبيعة الشابة لهذه المجتمع، فرسم ثقافة اجتماعية مختلفة تبدو ضمن أولويات الخطط من أجل وضع الطفولة ضمن إطار سليم، لكن تحقيق أهداف هذه الخطط لا يبدو قريب المنال.       

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

 

تقارير ذات صلة