معهد ليفانت للدراسات

مشهد الطفولة في سورية

نوفمبر 06
21:16 2014

تتبدل الصورة داخل الأزمة السورية، وتنتهي عند صورة الأجيال القادمة، حيث تبدو وكأنها انعكاس لمستقبل يحمل بدائل كثيرة ، فالأجيال الناشئة عاشت حالات انقطاع عن الماضي، وعن طبيعة الخدمات التي كانت تتوفر للأطفال سواء من الناحية الصحية أو التعليمية، وواجه الأطفال خلال عامين فقط تحولاً حاسماً فتحولت العديد من المدارس على سبيل المثال إلى مراكز لايواء اللاجئين، أو مقرات عسكرية في المناطق التي لا تخضع لسلطة الدولة السورية، في المقابل فإن الأجيال الناشئة تواجه تشتتاً في مناهج التعليم وذلك وفقاً لمناطق تواجدها، بينما يشهد الأطفال في مناطق نفوذ داعش حملات للتجنيد، أو لزجهم في الحرب  في مناطق الصراع، فمسار الطفولة السورية خضع منذ أربعة أعوام لحالة استثنائية يبدو من الصعب تجاوزها بشكل سريع.

البداية من الأطفال

ارتبطت الأزمة السورية منذ بدايتها بما أطلق عليه "حادثة أطفال درعا"، وبغض النظر عن صدق الرواية من عدمها قإنها قدمت مساراً أساسياً في موضوع الطفولة، حيث تبعها الكثير من الروايات والأشرطة المسجلة التي شكلت قضايا سياسية بامتياز، وتضع مسألة لقاحات شلل الأطفال التي وزعها "الائتلاف السوري المعارض"، وأودت بحياة عدد منهم صورة أخرى لموقع الجيل الناشئ في الصراع السوري.

   وبحسب اليونيسف والمفوضية السامية للاجئين فإن الصراع في سورية يؤثر بشكل مباشر على 5,5 مليون طفل سوري في سورية أو مخيمات اللجوء في البلدان المجاورة، ووفق تقديرات الجهتين  فهناك 1,2 مليون يعيشون اليوم كلاجئين في البلدان المضيفة، وما يقرب من نصف مليون منهم في لبنان وحده. كما ولد 37,000 طفل لاجئ منذ بدء الصراع، بينما أدت الحرب إلى تدمير البنى التحتية التي يعتمد عليها الأطفال للحصول على الرعاية الصحية، فإن ـ60% من المراكز الصحية داخل سورية خرجت كلياً من الخدمة، وانهارت ثلث محطات معالجة الماء، بينما انخفضت معدلات التطعيم الذي أدى الى ظهور الأمراض الفتاكة من جديد بما في ذلك شلل الأطفال.

  في المقابل فإن النظام التعليمي تعرض أيضا لاهتزازات واضحة، فهناك ما يقرب من 3 ملايين طفل لا يواظبون على الدراسة بشكل منتظم، ودمرت خُمس مدارس سورية، أما مناهج التعليم فتعاني أيضا من التشتت فهناك ما لا يقل عن 5 مناهج دراسية مختلفة، فإضافة للمنهج الرسمي للدولة فإن مناطق اللجوء في الأردن وتركيا تدرس مناهج مختلفة، وفي مناطق داعش إضافة لريفي أدلب وسورية توجد أيضا عدة مناهج مختلفة، وحسب تقارير اليونسيف فإن الأطفال في مناطق الحرب في سورية يعانون أكثر بكثير من العنف وانعدام الأمن ويشعرون كما لو انهم تم نسيانهم.

وتوضح التقارير أن الأطفال تم زجهم بالصراع ولو بشكل غير مباشر، فهم مادة إعلامية يتم نشر معظمها على صفحات التواصل الاجتماعي؛ ليتم استخدامها لاحقاً من قبل وسائل الإعلام، وهو ما جعل مهام "إغاثة الأطفال" أمراً صعباً كونه يخضع  لتنافس شديد بين المجموعات المسلحة، هذا إضافة للمسائل المتعلقة بتعامل هذه المنظمات مع الأجهزة الرسمية للدولة السورية.

وحسب دراسات مستقلة فإن تأثير الفصائل المسلحة المتطرفة تطال 10 آلاف مدرسة (في محافظة الرقة وحدها أكثر من 1400 مدرسة)، من دون ذكر الجوامع التي تحولت إلى مجالس تعليمية، الأمر الذي يضع عشرات آلاف الفتية تحت تأثير هذه الفلسفة التدميرية.

قضايا التعليم في الخارج

إذا كانت مسألة البنى التحية المدمرة في سورية تشكل عائقاً أمام تعليم الأجيال الناشئة، فإن مناطق اللجوء تشكل أزمات مختلفة، ففي تركيا على سبيل المثال يعاني الأطفال السوريون الملتحقون بالمدارس التركية صعوبة في الاندماج مع المدرسين والأصدقاء، وتمثل اللغة العائق الأول في طريقهم لإكمال التعليم، في حين تقابلهم المدارس السورية الخاصة بأقساط مرتفعة، ووفق المعلومات المتوفرة من الإعلام التركي فهناك 1.7 مليون سوري مسجلين يقيمون في تركيا، بينهم 350 ألف طفل، يتابع 140 ألف منهم تعليمهم في المدارس التركية.

عملياً فإن التقارير الدولية تتحدث عن قرابة 3 ملايين طفل سوري لا يذهبون إلى المدارس، و3465 مدرسة لحقها الضرر، في حين تكمن المعاناة الأكبر في التسجيل بمدارس البلدان المضيفة كما صرحت منظمة " أنقذوا الأطفال" ، ورغم إيلاء القطاع التعليمي أولوية في دعم المنظمات المعنية كالأمم المتحدة واليونيسيف وإنقاذ الطفولة، إلا أن مشاكل عديدة ما زالت تطفو على السطح كلما طال عمر الصراع في سورية.

وتشير إحصائيات في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الدولة في موازاة الحدود التركية إلى تسرب ما يقرب من 40 ألف طفل من المدارس، وتوجههم إلى سوق العمل أو التسكع واللعب بين أشجار الزيتون، في ظل غياب الدعم الحكومي ومنظمات المجتمع الدولي، وهناك أكثر من 700 طفل وطفلة في مخيم الأصيل محرمون من حقهم في التعليم بسبب غياب المنظمات الدولية، ولا تختلف باقي المخيمات عن هذا الوضع.

التعليم في مناطق الدولة

الحكومة السورية بدورها أعلنت التحاق 4.3 مليون طالب في جميع مدارس المتوفرة، وهي حسب المصادر الرسمية 17 ألفا و 700 مدرسة، وتشير احصاءات عام 2014 إلى أن 1385 مدرسة دمرت في عموم محافظات البلاد، وخرج من الخدمة 4606 منها، وخصص منها 680 لإيواء النازحين من مناطق أخرى.

وتتحدث الحكومة أيضا عن فرض مناهج أخرى بالقوة في مناطق تواجد المسلحين، وهي مناهج مبنية على أساسيات المرتكزات العقائدية لتلك الجماعات المسلحة، وحسب المصادر الرسمية السورية فمواجهة هذه الأمر يجري عبر توسيع التواصل، مثل الدروس والندوات التعليمية، والكتاب الالكتروني ومنهاج الفئة (ب) وأوراق التعلم الذاتي، ومشروع المدرسة الإلكترونية السورية.

ورغم هذه الاجراءات فإن التدهور الحاصل في قطاع تعليم الأطفال، حسب اليونسيف، هو “الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة”، في بلد كان مستوى الالتحاق بالمدارس الابتدائية فيه، يزيد عن 97 في المئة قبل بدء الصراع في العام 2011.

أما “اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا” – “الأسكوا”، فإنها تتوقع أن “تتدنى نسبة الالتحاق بالتعلـيم الأسـاسي إلى 50 في المئة، مـن الفئـة العـمرية 6 الى 11 سنـة، وإلى 30 في المئة في صفوف التلاميذ في الصفين الأول والنهائي من مرحلـة التعلـيم الابتدائـي، وهـي نسـبة متدنيـة إلى حـد مخيف، وستترك أثرها المدمر على مستقبل البلد لعقود طويلة”.

 ويشير خبراء إلى أن “جيلاً من الأطفال دون الـ15 سيكون من ضحايا الأمية”، ما يعني احتمال وقوع هذه الشريحة تحت تأثير الدعاية الدينية المتطرفة، التي يوازيها أيضا التعرض للتأثير الاستقلالي الكردي لدى متلقي المناهج الكردية، ومثلها نظم تعليم الأردن ولبنان، كما “الائتلاف الوطني” في تركيا المتأثر بمناهج جماعة “الإخوان المسلمين”، يضاف إليها النظم التعليمية العلمانية في المدارس الرسمية، من دون الإشارة إلى مئات الآلاف من السوريين الذين استقروا في أصقاع العالم وأخذوا مسار تثبيت “هويات” جديدة على أوراقهم الرسمية، بشكل يثير السؤال عن التأثيرات السلبية التي سيتركها كل هذا في “الهوية السورية الجامعة” مستقبلاً.

أرقام واحصائيات

تتحدث تقارير اليونسيف أن مليوني طفل بحاجة لشكل ما من الدعم أو العلاج النفسي، في حين أن الصراع أثر على 5.5 مليون طفل، بعضهم داخل سورية وآخرون يعيشون في الخارج لاجئين. ووارتفع عدد الاطفال النازحين داخل سورية إلى نحو ثلاثة ملايين، والكثير من الأطفال اضطّر للذهاب للعمل، أو يجري تجنيدهم للقتال، بدلاً من التعلم واللعب.

وتشير إحصاءات الأمم المتحدة بأن ما لا يقل عن 10000 طفل قتلوا في الحرب السورية، لكن الاخطار بالنسبة للأطفال تتعدى الموت والإصابة، حيث جند أطفال صغار في سن 12 عاماً لدعم القتال، بعضهم في معارك فعلية، وآخرون للعمل مرشدين أو حراساً، أو مهربي سلاح.

ويبقى تصور المستقبل السوري يخضع لتقلبات هذا الصراع، فالأجيال الناشئة سترث بعد عقود كل التداعيات الحالية، الأمر الذي يدفع من جديد إلى البحث في مستقبل لا يمكن بناؤه فقط وفق الاحصائيات المقدمة من قبل المنظمات الدولية، لأن الأرقام لا تكفي كمؤشر فقط للخطر الكامن، بل لا بد أيضاً من البحث في موقع الأطفال اليوم والقدرة على دفعهم نحو مستقبل واضح المعالم، فهم في النهاية موجودون ضمن دائرة الحرب، ومن الصعب تحييدهم نتيجة الوضع القائم، ولكن بالإمكان النظر إلى احتياجاتهم الحالية كي يستطيعوا بناء المستقبل.

  جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة