معهد ليفانت للدراسات

مشروع قانون أساس: إسرائيل- الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ

مشروع قانون أساس: إسرائيل- الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ
ديسمبر 02
22:36 2014

اتّفق حزبا "الليكود" وَ "البيت اليهوديّ" ضمن الاتّفاقات الائتلافيّة بينهما في الولاية الحاليّة للكنيست، على العمل معًا لسن مشروع قانون-أساس: إسرائيل- الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ، موضوع مقالتنا (في ما يلي: "مشروع قانون الأساس")، هو مشروع القانون الذي كان قد طرحه على الكنيست الثامن عشر النائب (السابق) آفي ديختر، بالاستناد إلى صيغة بلورها "معهد الإستراتيجيات الصهيونيّة"، وحظِيَ في حينها بتوقيع نحو ثلث أعضاء الكنيست.[1] في شهر حزيران من هذا العام، طرح النائبان آييلت شاكيد (رئيسة قائمة "البيت اليهوديّ" في الكنيست) ورئيس الائتلاف الحكوميّ ياريف لافين ("ليكود بيتينو") على الكنيست النصَّ المشترك الذي قاما بصياغته لقانون الدولة القوميّة (قُدّمَ لرئيس الكنيست ونوّابه ووُضِع على جدول أعمال الكنيست يوم 22.7.2013).

حاول لافين وشاكيد في النصّ الذي طرحاه التخفيف من الحدّة التي ميّزت النصّ الذي طرحه النائب السابق آفي ديختر في الولاية السابقة للكنيست، وذلك في مسعى منهما لتخفيف حجم الانتقادات الموجَّهة لمشروع القانون.[2] في المقابل، ناشد ليفين وشاكيد رئيسَ الحكومة نتنياهو أن يتبنّى مشروع القانون، وقالا إنّهما "يتوقّعان منه أن يدعم القانون على غرار دعوته الفلسطينيّين الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة الشعب اليهوديّ القوميّة".[3]

يبدو أنّ مشروع القانون المقترَح يسعى إلى حسم النقاشات القِيميّة والأيديولوجيّة حول الدستور المستقبليّ في إسرائيل من خلال قطع الطريق على أيّ نقاش جماهيريّ عميق ومستفيض حول الموضوع، ومن خلال المخاطرة، على وجه التحديد، بتعميق الشرخ بين اليهود والفلسطينيّين في إسرائيل. علما ان الترتيبات الدستوريّة التي تُفضي إلى تفاقم حالة التمييز العميقة بين الفئتين السكّانيّتين (أو تعيد إنتاجها) هي بالضّرورة ترتيبات تُخضع إرادة الأقلّيّة الفلسطينيّة لمصالح مجموعة الأغلبيّة اليهوديّة،[4] وبالتالي ففي حالة كمثل هذه، تتقوّض الشرعيّة الديمقراطيّة المطلوبة لإرساء هذه الترتيبات على الصعيدين المحليّ والدوليّ.

سنقوم في هذه المقالة، بمراجعة النحو الذي يتعامل فيه مشروع القانون مع الأقلّيّة الفلسطينيّة في إسرائيل، ومع الفلسطينيين عامة، وسيتمحور تقييمنا في الأساس حول البنود التي تعمل على تكريس التمييز ضدّ الفلسطينيّين مواطني إسرائيلإنّ مشروع القانون المقترَح يعمّق التمييز بين اليهود والفلسطينيّين في إسرائيل جهارًا، لا بل إنّه يقوم بتثبيت هذا التمييز وترسيخه. قانون الأساس هو حالة واضحة المعالم تنحاز فيها القاعدة القانونيّة ذاتها – وعلى رؤوس الأشهاد – لصالح مجموعة الأغلبيّة، وكلّ هذا على المستوى الدستوريّ الرسمي للدولة. وكما ستوضّح المقالة لاحقًا، لا يقتصر التمييز على المجالات الرمزيّة كتعريف الدولة ورموزها فحسب، بل يمضي إلى ما هو أخطر وأبعد من ذلك، حيث يتغلغل إلى المجالات التي تلامس جذور المكانة القانونيّة للفلسطينيين: الهجرة، والمواطنة، والأراضي، والثقافة، والدين، وغير ذلك. يخلق  هذا التمييز تحيّزًا رسميًّا في القاعدة الدستوريّة في إسرائيل، تلك التي تعمل نهشًا وتفتيتًا في مكانة المواطنين الفلسطينيّين.

سأتوقّف في ما يلي عند التعابير المهمّة لهذا التمييز الرسميّ في البنود المختلفة لمشروع القانون، وسأتطرق في الأساس إلى البنود التي تُحدّد أنّ الأصل القوميّ (اليهوديّ) يشكّل قاعدة التمتّع بالامتيازات التي تنبع من هذا البند أو ذاك، دون توفير ترتيبات موازية للمواطنين الفلسطينيّين. يتبيّن، إذًا، أنّ مشروع القانون المطروح يرمي إلى إرساء التشريعات التمييزيّة في ترتيبات دستوريّة، وهو ما يتمخّض عن تعميق الانتهاكات الرسمية والفعليةّ للمكانة الحاليّة للأقلّيّة الفلسطينيّة.

القسم الأوّل: البنود التمييزيّة في مشروع قانون الأساس

البنود الافتتاحيّة

يعمل القانون المقترَح على ترسيخ تعريف إسرائيل في البند الافتتاحيّ. ويحدّد البند 1(أ) تحت عنوان "دولة يهوديّة" أنّ "دولة إسرائيل هي الوطن القوميّ للشعب اليهوديّ، وفيها يجسّد طموحاته لتقرير المصير استنادًا إلى إرثه الثقافيّ والتاريخيّ". على هذا النحو يطلب مشروع القانون إرساء هذا التعريف في رأس المبادئ الأساسيّة للقانون. بعد ذلك يحدّد البند 1(بأنّ "الحقّ في تحقيق تقرير المصير القوميّ في دولة إسرائيل هو حقّ حصريّللشعب اليهوديّ". أمّا البند 1 (ج) فيحدّد أنّ "أرض إسرائيل هي الموطن التاريخيّ للشعب اليهوديّ ومكان إقامة دولة إسرائيل". لا يعترف القانون بحقّأيّ من المجموعات غير اليهوديّة في تقرير المصير، ولا يعترف أنّ هذه البلاد هي موطن شعب آخر.[5] ويمنح القانون مكانة رسمية ودستورية لمصطلح "أرض إسرائيل" (بدلا عن مصطلح "البلاد" أو "دولة") والذي يأتي ليشدد تحديدا على علاقة وارتباط الشعب اليهودي بهذه الأرض (فلسطين التاريخية) واعتبارها الوطن التاريخي للشعب اليهودي.

 تُعرَّف إسرائيل اليوم كدولة "يهوديّة ديمقراطيّة"،[6] وقد جرى إرساء هذا التعريف في البنود التي تفتتح عددا من التشريعات المركزيّة، وعلى مستويات معياريّة مختلفة.[7] ترمي الصيغة المقترَحة إلى تغيير تعريف إسرائيل، والفصل بين جزأَي التعريف من خلال منح أسبقيّة واضحة لـِ "دولة يهوديّة"، إذ تحدد الصيغة المقترحة أنّ "دولة إسرائيل هي الوطن القوميّ للشعب اليهوديّ، وفيها يجسّد طموحاته بتقرير المصير"، وأنّ الحقّ "في تحقيق تقرير المصير القوميّ في دولة إسرائيل هو حقّ حصريّ للشعب اليهوديّ". مما لا شك فيه أنّ ثمّة إشكال واضح من المنظور الديمقراطيّ في تعريف الدولة كوطن قوميّ حصريّ للمجموعة اليهوديّة (وحتى لليهود من غير مواطنيها)، وخاصة عندما تنتمي مجموعة أخرى تشكّل خُمْس المواطنين فيها إلى قوميّة مختلفة، وتشكّل أقلّيّة أصلانيّة داخلها (مقابل أغلبية مهاجرة). ينتهك هذا التعريف الدستوريّ الانتماء المدنيّ والقومي للمواطنين الفلسطينيّين انتهاًكا قاتلاً، حيث يتحوّلون إلى مواطني دولة تصرّح في قاعدتها الدستوريّة الأساسيّة أنّها ليست موطنهم القوميّ، وتحوّلهم إلى غرباء في وطنهم.[8]

تشكّل مسألة التعريف القانونيّ الرسميّ للدولة إحدى المسائل المركزيّة في جميع المداولات حول المكانة الدستوريّة للأقلّيّة الفلسطينيّة في إسرائيل. ينحاز تعريف الدولة في قانون الأساس على نحوٍ صريحٍ لصالح مجموعة الأغلبيّة، تعريفٌ كهذا يخلق عائقاً مبدئيًّا وفعليًّا أمام تحقيق المساواة الجوهريّة لأقلّيّة قوميّة تعاني تاريخيا من الغبن والتمييز. لا يحمل هذا التعريف طابعًا إقصائيًّا فحسب، بل يشقّ الطريق كذلك لممارسة الإقصاء في مجالات حياتيّة أخرى؛ إذ يمكن استخدامه من أجل تسويغ منح الأفضليّة لمجموعة الأغلبيّة، وبالتالي تسويغ سياسات تمييزيّة وعنصريّة. من هنا، فإنّ أيّ عريف تمييزيّ في الدستور يحوّل المكانة المعياريّة المتدنّية للمواطنين الفلسطينيّين إلى حالة أبديّة، بكلّ ما تحمل مكانة كهذه من إسقاطاتسياسية واجتماعية خطيرة.

إن تعريف الدولة في الدستور على أنها دولة يهودية أو دولة الشعب اليهودي يخلق تصنيفًا تراتُبيًّا بين المواطنين، بحسبه يسكن المواطنون اليهود في وطنهم القوميّ، مقابل المواطنيّن غير اليهود الذين يعيشون في دولة ليست وطنهميخلق هذا التعريف إذًا علاقة هرمية بين المواطنين ويقوم على إقصاء المواطنين الفلسطينيّين من العقد الاجتماعي ومن الشراكة المتساوية في الخيرات المجتمعيةإن التعريف الرسمي لطابع الدولة بشكل واضح لصالح مجموعة الأكثرية في بند مُلزم في الدستور يكرّس، بحدّ ذاته، المكانة القانونية المتدنية للمواطنين الفلسطينيين، وبالتالي ينتج تبعيةً (subordination)رسمية تقوّض مكانة المواطنين الفلسطينيّين وتنتقص من شرعية مواطنتهم.[9] 

من الجدير ذكره، أن الكنيست كانت قد أقرت في العام 1985 تعديلا في قانون أساس: الكنيست، والذي تم من خلاله قوننة تعريف إسرائيل "كدولة الشعب اليهودي" (ومن ثم تعديل هذا التعريف "لدولة يهودية وديمقراطية") وذلك لأول مرة كتعريف رسمي من خلال قانون يحمل صبغة دستورية. في خضم البحث الذي أجرته الهيئة العامة للكنيست حول هذا التعديل، وقف النائب العربي في الكنيست توفيق طوبي وطرح موقف الجماهير العربية الفلسطينية، محذرًا:

 "أن تأتوا اليوم وتقرّروا بالقانون أنّ دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، يعني القول ل- 16% من مواطني الدولة أن لا دولة لهم بتاتًا والإقرار أنهم سكان بلا دولة، وان دولة إسرائيل هي دولة مواطنيها اليهود فقط، وأنّ المواطنين العرب يعيشون فيها ويسكنوها بمنة، بدون حقوق متساوية كما للمواطنين اليهود. ألا يشعر مُعدّو هذا التعريف أنهم يقولون ل- 700 ألف مواطن أنهم مواطنون من الدرجة الثانية؟ جماهير الشعب العربي التي تعيش في إسرائيل، مواطنو الدولة، لا وطن لها سوى هذا الوطن. هذا وطنهم، سيعيشون فيه، ويناضلون فيه من أجل مساواة حقوقهم، وفيه يريدون العيش كمتساوين بين متساوين. ولن يوافقوا على تعريفات تعني سلب حقهم في المساواة، وإلغاء حقيقة أنّ دولة إسرائيل هي دولتهم أيضًا. وسويًا مع القوى الديمقراطية اليهودية سيناضلون من أجل العيش بكرامة ومساواة. وأنا أسأل: ألا يفهم مُعدُّو هذه الصيغة أنهم بهذا التعريف يلطخون دولة إسرائيل كدولة أبرتهايد، كدولة عنصرية؟ اقتراحنا هو إبقاء النص.. بأن تكون دولة إسرائيل كرامةً وبيتًا ووطنًا لكل مواطنيها اليهود والعرب".

تحمل كلمات توفيق طوبي الكثير من الأهمية والدلالات السياسية والاستشراف بالنسبة لتعريف الدولة، فهو يفسر الموقف الديمقراطي والإنساني والأخلاقي الرافض لهذا التعريف، موضحًا الإسقاطات الخطيرة على مكانة المواطنين العرب، أهل البلاد، إذ يتنكّر التعريف لمواطنتهم المتساوية في الدولة ويضعهم في خانة "الضيوف" على الدولة دون حقوق، بل يجعلهم سكانًا بلا دولة. ويحذر طوبي من أنّ ترسيخ التعريف الرسمي للدولة كدولة الشعب اليهودي لا يكرس المكانة الدونية للمواطنين العرب كمواطنين من "درجة ثانية" فحسب، بل قد يقود الدولة في نهاية الانحدار إلى نظام "أبرتهايد".

يشار في هذا السياق أنّ قطاعات وفعاليات مختلفة من الجمهور الفلسطيني تقترح تعريفات بديلة، تُطبّق برأيها قيمة المساواة على نحو مقبول في الدولة، مثل: "دولة ديمقراطيّة ومتعدّدة الثقافات"؛ "دولة جميع مواطنيها"؛ "دولة جميع قوميّاتها"؛ "دولة متعدّدة الثقافات وثنائيّة اللغة".[10](بطبيعة الحال، إنّ جميع هذه التعريفات تحيد على نحوٍ جوهريّ عن تعريفات إسرائيل الحاليّة، ومن الواضح أن الاختلاف هنا  لا يقتصر حول الاستخدام الشكليّ لهذا المصطلح أو ذاك).

نظام ديمقراطي "بهداية نبوءات أنبياء إسرائيل"  

يحدّد البند 3 (أ) أنّ "نظام الحكم في دولة إسرائيل سيكون ديمقراطيًّا"، والبند 3 (ب) أنّه "ستستند دولة إسرائيل على أسس الحرّيّة والعدالة والسلام بهداية نبوءات أنبياء إسرائيل، وتلتزم بالحقوق الفرديّة لعموم مواطنيها، على نحوِ ما هو مفصّل في جميع حقوق الأساس". لا يضمّ القانون المقترَح أيَّ تطرُّق إضافيّ إلى مدلولات ومعاني النظام الديمقراطيّ.

رموز الدولة – حصريّة لليهود

يبتغي البند الرابع (4) من القانون المقترح إرساء رموز دولة إسرائيل القائمة اليوم في إطار ترتيبات دستوريّة، ويبتغي من خلال ذلك منح غطاء دستوريّ لرموز الدولة التي تقترن حصريًّا بالمجموعة اليهوديّة. ويحدّد البند الذي جاء تحت عنوان "رموز الدولة" بالتفصيل النشيد الوطنيّ لإسرائيل ("نشيد إسرائيل الوطنيّ هو هَتيكفا")،[11]  ومضمون عَلَمها ("علم الدولة أبيض، وثمّة خطّان باللون الأزرق السماويّ على مقربة من هامشَيْه، ونجمة داود باللون الأزرق السماويّ في مركزه")،[12] وكذلك شعارها ("شعار الدولة هو الشمعدان ذو القضبان السبع، وغُصْنا زيتونٍ في جانبيه، والكلمة "إسرائيل" في قاعدته").[13]

قانون العَلَم والشعار والنشيد الوطنيّ للدولة،[14] وقانون ختم الدولة،[15] يمنحان اليوم مكانة قانونيّة رسميّة لـِ "علَم الدولة"، وَ "شعار الدولة"، وَ "نشيد الدولة الوطنيّ"، وَ "ختم الدولة". هذه الرموز جميعها هي رموز يهوديّة، وقوميّة ودينيّة"، ومن النافل القول إنّ النشيد الوطنيّ لإسرائيل هو نشيد  يهوديّ صهيونيّ، ويعرف القاصي والداني استحالة تبنّي المواطنين الفلسطينيّين إيّاه. من البديهيّ أنّ إضفاء المكانة الدستورية على هذه الترتيبات القانونيّة من خلال قانون أساس سيؤدّي إلى تعميق التمييز القائم فيها ضدّ الفلسطينيّين.[16]

الهجرة والحصول على المواطَنة

يرسّخ البند "6" من القانون المقترَح في الدستور حقَّ اليهود في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على مواطَنتها، وهو حقّ لا يُمنح أصلاً إلاّ لليهود. ويحدّد البند ما يلي: "يحقّ لكل يهوديّ القدوم إلى البلاد والحصول على مواطَنة دولة إسرائيل على نحوٍ قانونيّ". في المقابل، وبحسب البند "7": "ستعمل الدولة على  تجميع الجاليات اليهوديّة في إسرائيل، وتوثيق الرابط بين إسرائيل والجاليات اليهوديّة في المهجر". ويحدّد البند "8" أنّ "الدولة ستعمل على مدّ يد المساعدة لأبناء الشعب اليهوديّ الذين يعانون من ضائقة أو يقعون في الأَسْر بسبب يهوديّتهم".

يبتغي مشروع القانون إضفاء مكانة دستوريّة على التمييز الرسميّ القائم اليوم في القانون الإسرائيليّ في مسألتَي الهجرة والحصول على المواطَنة، كما تظهران في قانون العودة،[17] وقانون المواطنة،[18] وقانون الدخول إلى إسرائيل.[19] تقضي هذه القوانين بأنّ اليهود وعائلاتهم يحظَوْن بالمواطَنة الإسرائيليّة على نحوٍ شبه فوريّ عند وصولهم إلى البلاد بالارتكاز إلى مبدأ "العودة". هذا الحقّ يشمل اليهود وأقرباءَهم ممّن هم من درجة قرابة معيَّنة، بما في ذلك غير اليهود، دون أيّ علاقة بمسألة ملاحقتهم بسبب يهوديّتهم، أو قرابتهم العائليّة من اليهود. من نافل القول أن نذكر أنّ "العودة" تحمل في طيّاتها امتيازات اقتصاديّة مُهمّة، لا يحظى بها سوى المهاجرين (اليهود)، وقد اعترفت الأحكام القضائيّة التي أصدرتها المحكمة العليا الاسرائيلية بحقّدولة إسرائيل في تفضيل اليهود في سياسة الهجرة كحقّ شرعيّ يُشتَقّ من طابع الدولة اليهوديّ.[20](وعلاوة على ذلك، ففي الحالات التي يكون فيها زوج المواطن العربي في إسرائيل فلسطينيًّا من سكان الاراضي المحتلّة، فان اكتساب الاخير للمواطَنة الإسرائيليّة – وحتّى مكوثه داخل إسرائيل – شبه مستحيل اليوم بعد التعديل الأخير في قانون المواطنة من العام 2003 الذي يمنع "لَمّ شمل العائلات" الفلسطينية).[21]

يحدّد البند "9" من القانون أنّ "الدولة ستعمل في سبيل حفظ وصيانة التراث والتقاليد الثقافيّة والتاريخيّة للشعب اليهوديّ ورعايتها وإنمائها في البلاد والمهجر". ويحدّد البند "10" من القانون أنّ "الدولة ستُمكّن كلّ واحد من سكّان إسرائيل بدون فرق في الدين أو القوميّة من العمل على المحافَظة على ثقافته وتراثه ولغته وهُويّته". في حين يمنح البند "9" امتيازًا حصريًّا للتراث والتقاليد الثقافيّة والتاريخيّة للشعب اليهوديّ ، ويلقي بالتالي على كاهل الدولة التزامًا دستوريًّا لحفظ وصَوْن هذا التراث، لا يلقي البند "10"، الذي يتطرّق "إلى كلّ واحد من سكّان إسرائيل"، على الدولة واجب العمل الفعليّ، بل يكتفي بأن تعمل الدولة "على تمكين" كلّ واحد من السكّان من العمل من أجل المحافّظة على ثقافته وتراثه، ولغته وهُويّته. نتحدّث هنا عن التزام "خامل"، لا يتعدّى مجرّد المصادقة لكلّ واحد من السكّان  أن يعمل، على العكس من الواجب الناشط الملقى على عاتق الدولة في شأن التراث اليهوديّ. كما وجاءت الصياغة فضفاضةً ومبقيةً الكثير من الاعتبارات في يد سلطات دولة إسرائيل

التقويم العبريّ هو التقويم الرسميّ للدولة

يحدّد البند "11" من القانون المقترح أنّ : "التقويم العبريّ هو تقويم رسميّ للدولة". الوضع القائم هو أنّ قانون استخدام التقويم العبريّ[22] يقوم بتطوير ورعاية التقويم العينيّ لثقافة الأغلبيّة، ألا وهو التقويم العبريّ. ليس ثمّة ترتيبات أخرى في القانون الإسرائيليّ تعترف بتقويم الطوائف العربيّة. يسعى مشروع القانون، إذًا، إلى إضفاء مكانة دستوريّة على هذه الترتيبات.  

"السبت والأعياد اليهوديّة" هي أيّام الراحة المحدّدة

يمكن العثور على التمييز الرسميّ في القانون أيضًا في القاعدة الدستوريّة التي تتناول أيّام الراحة في إسرائيل. يحدّد البند 12(أ) أنّ "يوم الاستقلال هو يوم العيد الوطنيّ للدّولة"، ويحدّد البند 12(ب) أنّ "يوم الذكرى لضحايا معارك إسرائيل ويوم الكارثة والبطولة هما يوما ذكرى رسميّان للدولة". وقد تحدّد في البند "13" من القانون المقترَح أنّ "أيّام العطل المحدّدة في إسرائيل هي السبت والأعياد اليهوديّة، ولا يجري فيها تشغيل أيّ عامل إلاّ بحسب شروط يحدّدها القانون؛ يحقّ لأبناء الطوائف المعترف بها قانونيًّا عدم العمل في أعيادهم". يعترف القانون، إذًا، اعترافًا كاملاً بأيّام أعياد المواطنين اليهود، لكنّه لا يضمّ اعترافًا موازيًا بأيّ من أيّام الراحة للمواطنين الفلسطينيّين. وعلى الرغم من أنّهم يشكّلون خُمس مواطني إسرائيل، فإنّ القانون لا يعترف بيوم راحة في الدولة بحسب أعيادهم. الإمكانيّة التي تُمنح لهم قانونيًّا بـِ "الراحة في أعيادهم"، لا تداوي الخلل القائم في القانون، إذ إنّ الحديث ليس عن يوم عطلة، ويبقى المواطنون العرب تحت رحمة وتَكَرُّم مشغّليهم.

فضلاً عن ذلك، في الوضعية الحالية يحدّد مرسوم أنظمة الحكم والقانون[23] أنّ "السبت والأعياد اليهوديّة [..] هي أيّام الراحة المحدّدة في دولة إسرائيل، ويتوافر لغير اليهود حقّ الحصول على أيّام الراحة في عطلتهم الأسبوعيّة وأعيادهم، وتلك يجري تحديدها لكلّ طائفة بحسب قرار الحكومة الذي سيُعلَن عنه في الصحيفة الرسميّة". الترتيب المحدَّد في القانون اليوم حول "حقّ المواطنين العرب في الحصول على أيّام الراحة في عطلتهم الأسبوعيّة وأعيادهم" أقوى من الصيغة المقترَحة، وبحسبها "يُؤْذَن لهم بعدم العمل في أعيادهم".

القانون العبريّ يُستخدَم "مصدر إيحاء للمشرِّع"

يحدّد البند 14 (أ) من القانون أنّ "القانون العبريّ يُستخدم مصدر إيحاء للمشرّعين والقضاة في إسرائيل". أمّا البند 14(ب) فيحدّد ما يلي: "إذا رأت المحكمة أنّها لم تعثر على إجابة في التشريعات أو في القواعد القضائيّة أو من خلال الاستنباط الواضح لمسألة قضائيّة تستدعي الحسم، فعليها أن تبتّ وتحسم في الأمر من خلال الاهتداء بمبادئ الحرّيّة والعدالة والاستقامة والسلم المستقاة من إرث شعب إسرائيل". على الرّغم من أنّ مشروع القانون يتبنّى في هذا التحديد النصَّ القائم اليوم في قانون أسس القضاء، سيمنح مكانة دستوريّة لترتيبٍ يوجّه على نحوٍ حصريّ إلى إرث مجموعة الأغلبيّة.

البند "15" من مشروع القانون: "ستتم حماية الأماكن المقدّسة من أيّ نوع من التدنيس والاستباحة أو أيّ مساس آخر، وأيّ عارض قد يعرقل حرّيّة وصول أبناء الديانات إلى أماكنهم المقدّسة، أو يمسّ بمشاعرهم تجاه هذه الأماكن".

البنود الختامية من مشروع القانون: تصلُّب

يحدّد البند 16 من القانون ما يلي: "لا تُنتهك الحقوق الممنوحة بحسب قانون الأساس الحاليّ إلاّ من خلال قانون يليق بقيم دولة إسرائيل، وأُعِدّ لغرض جدير، وبالمقدار الذي لا يتعدّى ما هو مطلوب، أو بحسب قانون وبالاستناد إلى تفويض صريح متضمَّن فيه". البند 17 يحدّد ما يلي: "لا يمكن تغيير قانون الأساس هذا إلاّ بقانون أساس يُصادق عليه الكنيست بغالبيّة نوّابه".

على هذا النحو يسعى مشروع القانون إلى تحصين مكانة الترتيبات المفصَّلة آنفًا، ووضع الصعوبات أمام إدخال تغييرات مستقبليّة. لا ريب أنّ الحديث يدور هنا عن إحدى الإشكاليّات الأساسيّة في القانون؛ فهو لا يعمّق التمييز على أساس قوميّ فحسب، بل إنّه يقوم كذلك بترسيخ وتثبيت هذا التمييز.

للخلاصة، فإن مشروع القانون يقسّم المواطَنة الإسرائيليّة إلى نوعين: مواطَنة من الدرجة "الممتازة"، حَمَلَتُها هم المواطنون "أصحاب" الدولة، مقابل المواطَنة من الدرجة الثانية أو الثالثة، وحَمَلَتُها هم المواطنون الذين جرى إقصاؤهم من تعريف الدولة. يفرض هذا التصنيف تراتُبيّة بين المواطنين في إسرائيل، ويُمَوْضع المواطنين العرب الفلسطينيّين في مكانة معياريّة رسمية متدنّية مقابل المواطنين اليهود. يرسّخ مشروع القانون هذا الواقع ويُقَوْنِنُه دستوريا. يكتسب هذا التصنيف للمواطَنة مزيدًا من الحدّة على ضوء التشريعات الواسعة القائمة في القانون الإسرائيليّ، والتي تجسّد على نحوٍ واسعٍ تعريفَ إسرائيل كدولة يهوديّة من خلال ضمان ترتيبات قانونيّة تمنح الامتيازات في مجالات حياتيّة مركزيّة للمواطنين اليهود، دون سواهم.

الجزء الثاني: مشروع القانون من منظور دوليّ

سنبيّن في ما يلي أنّ القانون المقترَح يناقض مبادئ قرار التقسيم الذي أقرّته الأمم المتّحدة في العام 1947،[24] والذي دعت فيه كلَّ واحدة من الدولتين إلى تبنّي "دستور ديمقراطيّ" يضمن "عدم ممارسة أيّ نوع من التمييز بين السكّان على خلفيّة العِرْق أو الدين أو اللغة أو الجنس، وسيحظى كلّ فرد في مناطق نفوذ الدولة بالحماية المتساوية من قبل القانون". على هذا النحو يَنتهك الدستورُ المقترَحُ القاعدةَ الدوليّة الأساسيّة الذي أقيمت دولة إسرائيل بحسبها.

دعا قرار الأمم المتّحدة ذو الرقم 181 من تاريخ 29.11.1947 حول تقسيم أراضي فلسطين الانتدابيّة إلى دولتين، إلى وضع دستور ديمقراطيّ في كلّ من الدولتين. القسم الأوّل من القرار الذي يتناول "الدستور المستقبليّ" لكلّ واحدة من الدولتين يحدّد أنّ "الجمعيّة العامّة التأسيسيّة في كلّ دولة تضع دستورًا ديمقراطيًّا لدولتها". ويحدّد القرار كذلك أنّ كلّ دستور سيشمل – في ما سيشمل- تعليمات "لتقديم ضمانات تكفل حقوقًا متساوية لكلّ فرد دون تمييز في الشؤون المدنيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والدينيّة، لغرض التمتّع بالحقوق الإنسانيّة والحرّيّات الأساسيّة، كحرّيّة العبادة، واللغة، والخطاب، والنشر والتعليم، وعقد الاجتماعات، وإنشاء الجمعيّات".

ويحدّد قرار التقسيم كذلك احتواء دستور كلّ دولة على الفصول التي تضمّنها قرار التقسيم والتي تتعلّق – في ما تتعلق- بـِ "الأماكن المقدّسة"، وَ "حقوق دينيّة وحقوق الأقلّيّات". يحدّد الفصل الذي يتناول حقوق الأقلّيّات[25] في بنده ذي الرقم 20  "عدم إجازة أيّ شكل من أشكال التمييز بين السكّان بسبب الأصل أو الدين أو اللغة أو الجنس"، وفي البند ذي الرقم 3 يحدّد أنّه "يحقّ للأشخاص الخاضعين لولاية الدولة الحصولُ على حماية متساوية من قِبَل القانون".

تضارُب مع تعليمات القانون الدوليّ وغياب الحقوق الجماعية للفلسطينيين

إنّ المبادئ الأساسيّة لمشروع قانون الأساس، التي تتناول يهوديّة دولة إسرائيل، تتضارب مع الحقوق الأساسيّة للمواطن، لا سيّما الحقّ في المساواة وعدم التمييز على أساس القوميّة والأصل والدين. يترتّب على ذلك أنّ مشروع القانون المقترَح غير متساوٍ، وعليه فهو غير ديمقراطيّ لكونه ينتهك مبادئ أساسيّة في القانون الدوليّ، لا سيّما الحقّ في الحماية المتساوية من قبل القانون، والحظر الصريح للتمييز على خلفيّة القوميّة والدين واللغة والثقافة. هذه المبادئ جرى ترسيخها في المعاهدات الدوليّة التي وقّعت عليها إسرائيل، بما في ذلك الإعلان الدوليّ لاقتلاع جميع أنواع التمييز العنصريّ من العام 1965،[26] والمعاهدة الدوليّة للحقوق المدنيّة والسياسيّة من العام 1966 (وقد وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991)،[27] والمعاهدة الدوليّة للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة من العام 1966 (وقد وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991)،[28] والاتّفاقيّة الدوليّة لحقوق الطفل من العام 1989 (وقد وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991).[29] وجرى ترسيخ حقوق الأقلّيّات على نحوٍ واضح في الإعلان الدوليّ حول حقوق الأقلّيّات من العام 1992،[30] والإعلان الدوليّ حول حقوق الأقلّيّات الأصلانيّة من العام 2007.[31] استنادًا إلى ما ذُكِر آنفًا،  يشكّل التمييزُالكامن في مشروع القانون المقترَح انتهاكًا صارخًا للقانون الدوليّ، وهو القانون الذي التزمت به دولة إسرائيل.

لا يرسّخ مشروع القانون المقترَح أيَّ حقّ جماعيّ للأقلّيّة الفلسطينيّة في إسرائيل، وهي أقلّيّة قوميّة أصلانيّة. الحقوق الجماعيّة هي الحقوق التي تنبع من الاختلاف أو التميّز الجماعيّ الذي تتّسم به مجموعة الأقلّيّة عن مجموعة الأغلبيّة. هذه الحقوق هي نوع من أنواع الحقوق الطبيعيّة التي تتوافر لمجموعة الأقلّيّة بسبب خصوصيّتها الجماعيّة،[32] وهي تبتغي ضمان المساواة الجوهريّة لأبناء وبنات مجموعة الأقلّيّة، ومنحهم حماية قضائيّة وقانونيّة لائقة على المستويين الفرديّ والجماعيّ. في هذه الحقوق يكمن التمكين الحيوي لمجموعة الأقلّيّة، وهي تشكّل شرطًا لتحقيق المساواة العامّة في المجتمع. في قاعدة الحقوق الجماعيّة للأقلّيّة الفلسطينيّة يكمن الاعتراف بالكوليكتيف العربيّ الفلسطينيّ في إسرائيل كأقلّيّة قوميّة وكشعب أصلانيّ، ذاك الذي يرتكز حقّه في المساواة الكاملة على الأساس المدنيّ الفرديّ، كما على الأساس القوميّ المجموعاتيّ. هذه الحقوق مَردُّها اعتبارات العدل التوزيعيّ والعدل التصحيحيّ، وتشمل – في ما تشمل- ضمان المكانة المتساوية للّغة العربيّة، والتوزيع المتساوي للميزانيّات العامّة، ومساواة في المنظومة الرمزيّة للدولة، ومساواة في ترتيبات الهجرة إلى الدولة والحصول على مواطَنتها، وضمان التمثيل اللائق والمؤثر للجمهور الفلسطينيّ في مؤسّسات الدولة العامّة. في النطاق الداخليّ الذي يميّز كلّ مجموعة على حِدة، فان الحقوق الجماعيّة يجب أن تَمنح الأقلّيّةَ العربيّةَ استقلاليّةً إداريّة في شوؤن التربية والتعليم، والدين، والثقافة، ووسائل الإعلام. تشمل الحقوق الجماعيّة أيضًا اعترافًا بالحقوق التاريخيّة للأقلّيّة الفلسطينيّة، كإعادة المهجّرين مواطني الدولة إلى مدنهم وقراهم الأصليّة، والاعتراف بالقرى غير المعترف بها، وتحويل إدارة الأوقاف الدينيّة إلى أيدي الطوائف العربيّة.

تلخيص

قمنا في هذه المقالة باستعراض مشروع "قانون الأساس: إسرائيل-الوطن القوميّ للشعب اليهوديّ" ببنوده التي ترسّخ قانونيًّا التمييزَ الرسمي، الصريح والمعلَن تجاه الفلسطينيّين. يمكن تلخيص نواتج الاستعراض في عدد من المستويات، على نحوِ ما هو مفصَّل في ما يلي:

تُعرَّف إسرائيل اليوم كدولة "يهوديّة ديمقراطيّة". ترمي الصيغة المقترَحة إلى تغيير هذا التعريف، وتحدد الصيغة المقترحة أنّ "دولة إسرائيل هي الوطن القوميّ للشعب اليهوديّ، وفيها يجسّد طموحاته بتقرير المصير"، وأنّ الحقّ "في تحقيق تقرير المصير القوميّ في دولة إسرائيل هو حقّ حصريّ للشعب اليهوديّ". ينتهك هذا التعريف الدستوريّ الانتماء المدنيّ والقومي للمواطنين الفلسطينيّين انتهاًكا قاتلاً، حيث يتحوّلون إلى مواطني دولة تصرّح في قاعدتها الدستوريّة الأساسيّة أنّها ليست موطنهم القوميّ، بل وتحوّلهم إلى غرباء في وطنهم.

إن التعريف الرسمي لطابع الدولة بشكل واضح لصالح مجموعة الأكثرية في بند مُلزم في الدستور (كدولة "يهوديّة ديمقراطيّة" أو "كالوطن القوميّ للشعب اليهوديّ")، يكرّس، بحد ذاته، المكانة القانونية المتدنية للمواطنين الفلسطينيين، وبالتالي ينتج تبعيةً (subordination) رسمية تقوّض مكانة المواطنين الفلسطينيّين وتنتقص من شرعية حقوقهم اليومية والقومية.

اتتضارب المبادئ المحدّدة في مشروع القانون، التي تتناول في الأساس يهوديّة الدولة، مع الحقوق الأساسيّة التي تُمنح للمواطن في نظام الحكم الديمقراطيّ، بما في ذلك الحقّ في المساواة والمواطَنة المتساوية، بل وتتضارب أيضًا مع المبدأ الثالث من مشروع القانون نفسه، حيث ذُكِر هناك على نحوٍ مُبهَمٍ أنّ "إسرائيل هي دولة ذات نظام ديمقراطيّ". المساس بمبدأ المساواة هو مساس بأحد الدعائم الأساسيّة في جميع الديمقراطيّات. استخدام المصطلح "النظام الديمقراطيّ" قد يشير إلى أنّ الديمقراطيّة التي يجري الحديث عنها في هذا السياق هي الديمقراطيّة بمفهومها الشكليّ، لا بمفهومها الجوهريّعلى أرض الواقع، يقوم مشروع القانون بإخضاع الطابع الديمقراطيّ لدولة إسرائيل لطابعها اليهوديّ على نحو خطير للغاية.

ينتهك مشروع القانون حقوقَ الإنسان في إسرائيل انتهاكًا خطيرًا، ويجيز ممارسة سياسة تمييزيّة وعنصريّة تجاه العرب الفلسطينيّين في إسرائيللا يشمل القانون المقترَح أيّ حقّ جماعيّ للأقلّيّة الفلسطينيّة في إسرائيل، وهي أقلّيّة قوميّة أصلانيّة، وذلك بالتعارض مع الوجهة الآخذة في التطوّر في القانون الدوليّ، والتي تعترف بحقوق الأقلّيّات القوميّة بعامّة، وبحقوق الأقلّيّات الأصلانيّة بخاصّة.

يمكّن  القانون المقترَح من ممارسة التمييز بين سكّان الدولة لدوافع مرفوضة، ويُحْجِم عن توفير حماية متساوية من قِبَل القانون لمن يسكنون ضمن مناطق نفوذ الدولة، لذا فهو يتناقض مع مبادئ قرار التقسيم ذي الرقم 181 الذي صادقت عليه الأمم المتّحدة في العام 1947، حيث دعا إلى تبنّي "دستور ديمقراطيّ" في الدولتين، وعليه فهو ينتهك القاعدة الدوليّة الأساسيّة التي أقيمت دولة إسرائيل بحسبها.

تعبّر الترتيبات الدستوريّة المختلفة التي يقوم مشروع القانون بإرسائها عمليًّا عن تصنيف معياريّ في الدستور الإسرائيليّ، وهو تصنيف أحاديّالاتّجاه؛ أي لمصلحة مجموعة الأغلبيّة فقط. يعكس هذا التصنيف الثنائيّة في المفاهيم القائمة اليوم في تعامُل القانون الدستوريّ الإسرائيليّ مع المجموعتين القوميتين في إسرائيل: منهج جماعيّ-قومي واضح في تعامُله مع المواطنين اليهود، ومنهج فردانيّ صِرْف في تعامُله مع المواطنين الفلسطينيّين ("غير اليهود"). يكرّس هذا التصنيف القوميّ الذي توقّفنا عنده آنفًا مكانةَ الفلسطينييّن المتدنّيةَ قانونيا، ويحوّلها إلى حالة دستورية أبديّة. ترسيخ هذا التصنيف في قانون أساس سيؤدّي إلى تفاقم الإقصاء المتواصل للفلسطينيّين، ويعمق من اغترابهم في وطنهم. يجري الحديث، إذًا، عن مشروع قانون تعلوه راية سوداء

إعداد د. يوسف تيسير جبارين – madarcenter.org – 24-11-2014

تقارير ذات صلة