معهد ليفانت للدراسات

مدينة حلب عبر التاريخ

سبتمبر 08
20:13 2014

    تندفع صورة حلب بعيداً، وترسم في أعماق الذاكرة لوحة غير مسبوقة لحيوية هذا المكان الذي يتخذ ملامح الحرب والدمار، فمدينة حلب هي علاقة مدهشة بين الإنسان والبيئة، وبين الظروف القاسية والقدرة على تشكيل المستقبل بألوان من الإبداع الذي يتجاوز المألوف، فمن يعرف هذه المدينة يدرك تماما أنها تملك مجالاً زمنياً وليس خطاً تاريخياً له بداية ونهاية، ومصطلح المجال يعني في النهاية صعوبة البحث التاريخي داخل مدينة تعتبرها بعض المصادر من أقدم المدن، وهو ما يجعل "قراءة حلب" تدخل في إطار البحث  عن تفاصيل مدينة تملك "مجالا" اجتماعيا جعلها تمتاز بواقع حضاري خاص.

   حسب لالاند[1] فإن المجال "إنتاج وبناء ذهني: مثال التجريد"، فهل يمكن قراءة حلب وفق هذا الاعتقاد؟ إننا نتحدث عن المكان الذي يحتاج بالفعل لبناء وإنتاج ذهني؛ فالبادية في جنوبه حيث تظهر سبخة الجبول[2]، بينما يدخل نهر الفرات من الشمال عند جرابلس ومن الشمال نهر الساجور ونهر قويق، كما يوجد نهر عفرين ونهر الأسود في أقصى الشمال الغربي لهذا "المجال الجغرافي" الذي نسميه اليوم مدينة حلب، فالتلة التي احتضنت المدينة القديمة كانت ضمن تأثير طبيعة التنوع الجغرافي والتفاعل البشري داخل بقعة لم تحمل معها إلا طبيعة الاستمرار الذي يرسم تصورا يصعب حصره ضمن الزمان فقط، فحلب كانت وماتزال تفوقاً للجغرافياً على الزمن وأحداثه التاريخية، فضمن هذا "المجال" حفر البشر كهوفاً  في مرتفعات الموقع الطباشيرية الكلسية، ثم اتجهوا شمالاً مقتربين أكثر من النهر لتظهر البيوت في مكان (تلة السودا)، وانتشرت أيضاً إلى مكان مرتفع آخر قريب جداً من قويق هو حي (العقبة) حالياً , فنشأ تجمع في هذا الموقع أصبح مع الزمن عاصمة مملكة يمحاض ، ثم غدا مدينة حلب التي نعرفها اليوم.

   ووفق بعض الدراسات فإن حلب تعود إلى ١٢٢٠٠ سنة قبل الميلاد، ورغم أن العديد من المصادر تتحدث أن باني حلب الأول الملك الآشوري بلوكوش الموصلي، لكن هذا التقدير يتناقض مع دراسة المدينة كـ"مجال جغرافي" فهي على ما يبدو ظهرت بحكم الانتشار السكاني فيها والعلاقة التي تربط البشر بجغرافية المنطقة ككل، ففي قرية تل مريبط القريبة من وادي الفرات بحلب تم اكتشاف اثار تعود الى 11 الف عام قبل الميلاد مما يجعلها أقدم منطقة، وخلال الالف الثالث قبل الميلاد (عصر البرونز الأول) كانت مركزاً لعبادة اله الطقس أنذاك, وكانت مملكة مستقلة تملك روابط وثيقة مع مملكة إبلا, وكان الآكاديون يدعونها أرمان, ويقال أنهم دمروها مع وأيبلا في القرن 23 قبل الميلاد,. فهل يمكن قراءة بداية للمدينة مع هذا المجال الذي يقفز فوق أي اعتبار لمسيرة الزمن التي تبدو وكأنها تطفو داخل هذه الجغرافية؟

  يمكننا فهم حلب وفق مصطلح المجال عبر خطين أساسيين:

  • مجال التماس الحضاري حيث كانت بوابة بلاد الشام الشمالية منذ أن ظهر اسمها الحالي "حلبا" خلال فترة الحضارة البابلية  وكانت عاصمة العموريين في مملكة يمحاض, فدمرها الحثييون بقيادة مرسيليس الأول في القرن الـ 16 قبل الميلاد، وغزاها الملك الميتاني بارشطار في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وأصبحت على خط المواجهة ما بين مملكة مصر ومملكة الميتانيين، وكان لها أهمية مقدسة لدى الحثيين فغدت مركز عبادة إله العاصفة المقدس.

برز هذا الأمر عندما أصبحت حلب عاصمة الحمدانيين وصارعت الرومان الذين دمروها عام 353 ه، وعاد سيف الدولة بناءها وأحضر بعضاً من أهالي قنسرين ليساعدوه في اعادة حلب إلى مجدها.

  • مجال تشكيل الكتلة الصلبة لبلاد الشام فبعد انهيار الحيثيين في القرن 12 قبل الميلاد, أصبحت عاصمة المملكة الآرامية. وكان انهيارها يعني تغيراً واضحاً في كافة أرجاء بلاد الشام وهذا ما حصل في نهايات القرن 9 قبل الميلاد، عندما أصبحت قسماً من الامبراطورية الآشورية الثانية، قبل أن تسقط في يد المملكة البابلية الثانية، والامبراطورية الأخمينيية الفارسية، ثم استولى عليها الإسكندر المقدوني عام 333 ق.م، وأقام سلوقس نيكاتور عليها مستعمرة هيلينية بين 301-286 قبل الميلاد، واستمرت تحت حكم السلوقيين 300 عام حتى سلمها آخر سلالتهم للقائد بومبيوس الكبير عام 64 قبل الميلاد، وأصبحت جزءاً من مقاطعة سوريا الرومانية ولمدة ثلاثة قرون، وفي عام (540) م استطاع الملك الساساني (خسرو / كسرى) الأول فتحها، وعادت للبيزنطيين في عهد جستنيان (عام 518-565). وسيتكرر الغزو والتدمير وإعادة البناء على طول التاريخ وصولاً إلى الزمن الحالي.

     إن مسألة تشكبل الكتلة الصلبة بالنسبة لبلاد الشام كانت تعني أن أي صياغة سياسية كانت تمر من حلب، وهو ما جعلها تعيش مراحل اضطراب متعددة، فهي لم تكن نقطة تماس فقط مع القادمين من هضبة الأنضول أو حتى من بيزنطة عبر انطاكية، بل كانت أيضا نقطة الضغط باتجاه الحدث التاريخي في أرجاء شرقي المتوسط.

   يصعب احصاء حالات التدمير الكامل التي مرت بها حلب فهي إضافة للزلازل وأشهرها ذلك زلزال عام 1138م، فإنه في عام 1260 م تعرضت للهجوم على يد المغول وقائدهم هولاكو فاحتلت المدينة بعد حصار دام عدة أيام، في تشرين الأول لعام 1271 م هاجم المغول مرةً أخرى حلب بجيشٍ يضم عشرة آلاف فارس قادمين من الأناضول، واستولوا عليها مرة أخرى في 20 تشرين الأول 1280. وتعرضت حلب لهجومهم في الأعوام التالية 1300 -1301-1302-1304 م، وفي عام 1400 م تعرضت المدينة للهجوم على يد تيمورلنك فهدم السور وأجزاء كبيرة من الأحياء.

   والملاحظ أن استقرار حلب كان يظهر عندما كانت تصبح المدينة مع الكتلة الصلبة لبلاد الشام امتداداً لأمبرطوريات كبرى، كما حدث في العصر السلوقي والروماني والبيزنطي وأخيراً العثماني، فالسلطان سليم الأول العثماني وبعد معركة مرج دابق في 24 آب 1516، قام بتنظيم إدارة مدينة حلب، ورغم تدهور الحالة الاقتصادية للمدينة إلا أنها كانت ثالث أهم مدينة في الدولة العثمانية بعد القاهرة والقسطنطينية، وغدت سوقاً رئيسياً في الشرق الأوسط وشكلت عقدة تجارية مهمة بالمنطقة وانفتحت أسواقها على الأسواق الأوروبية وأنشئت فيها معامل كبيرة وضخمة لصنع الاقمشة وسواها، وغدت المدينة في القرن السادس عشر مخزناً للحرير والتوابل والمواد الطبية والبضائع الثمينة.

  


[1] – أندريه لالاند فيلسوف فرنسي (1867-1963) والقول مأخوذ من معجمه:

  Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Quadrige. PUF, 6ème éd. 1988, p298..

[2] – سبخة الجبول، محمية تقع على بعد 40 كم جنوب شرقي حلب، وهي مدرجة في قائمة الأراضي الرطبة ضمن اتفاقية رامسار لعام 1971 م.

تقارير ذات صلة