معهد ليفانت للدراسات

مخيم اليرموك بدمشق .. والحرب في سورية

مخيم اليرموك بدمشق .. والحرب في سورية
أبريل 09
16:51 2015

يتوقع بعض الباحثين ان ينخفض عدد الفلسطينيين مع عام 2016 خمسين ألفا في سورية، بعد أن كان وفق تقديرات الأونوروا يتجاوز النصف مليون في بداية الأزمة السورية، ويبدو أن أحداث مخيم اليرموك تشكل حلقة أساسية في إعادة التوزيع الفلسطيني، فهي ليست الأعنف فقط بل النموذج أيضا لطبيعة الصراع على هذه المخيمات، فأحداث العنف في سورية دخلت مبكرا إلى تلك المخيمات، ولكنها لم تصل إلى مخيم اليرموك إلا في عام 2012، وقبلها أصبح هذا المخيم مركزا مكتظاً بالنازحين من مختلف المناطق؛ ما جعل الصراع عليه أساسيا في مرحلة من الأزمة شهدت لجان تحقيق دولية وعربية.

محاولات "النأي بالنفس" بالنسبة لسكان المخيم كانت مستحيلة، فالمخيمات في سورية، وعلى الأخص اليرموك، أصبحت مع الزمن أماكن مختلطة سكانيا، بينما شهد التوزع الفلسطيني انتشارا خارجها نتيجة القوانين السورية، بينما بقيت المخيمات تحفل برمزية "المقاومة"، علما أن مكاتب الفصائل الفلسطينية لم تكن تقتصر على هذه المناطق بل انتشرت في مختلف الأحياء في دمشق، لكن سياسة "النأي بالنفس" اصطدمت بعقيتين أساسيتين:

كانت سورية حليف أساسي لتلك المنظمات، وكانت أهم مشاكلها مع الولايات المتحدة هي اتهامات واشنطن لدمشق بـ"إيوائها للمنظمات الإرهابية"، وكان من الصعب على تلك المنظمات الوقوف على الحياد، وكان أخطر ما حدث هو "اختلاط المحاور" خلال الأزمة السورية، وهو ما أدى إلى استقطابات جديدة تأثرت بها المخيمات الفلسطينية بما فيها مخيم اليرموك.

التواجد السوري في تلك المخيمات، والتواجد الفلسطيني خارجها جعل من الصعب عدم التأثر بالحدث الذي كان غير مسبوق بالنسبة للمجتمع، فالفلسطينيون في سورية هم جزء من التكوين السياسي وذلك بحكم طبيعة النظام القائم، وعدد لا بأس به متواجد في المؤسسة العسكرية، كما أنهم يشكلون نسبة جيدة في مؤسسات الدولة المختلفة، واللافت أن هناك عدد من المخيمات، بما فيها اليرموك، لم تعترف الأونوروا بها وباستعراض اسمائها نلاحظ أن الأزمة السورية منذ البداية توضعت في تلك المخيمات، وهذه المخيمات تشمل: مخيم اليرموك جنوب دمشق وهو أكبر المخيمات الفلسطينية وتعداده 112,550لاجئ، مخيم الرمل في اللاذقية وتعداده 6354 لاجئ، مخيم عين التل(حندرات) في حلب وتعداده 6354 لاجئ، مخيم الحسينية جنوب دمشق وتعداده أكثر من32000 لاجئ، مخيم الرمدان شرق مدينة دمشق.

إزاء هذا الواقع فإن الصراع داخل المخيمات لم يكن على خلفية معزولة عن الأزمة السورية ككل، واستقطاب الفلسطينيين كان أحد الأهداف لأي طرف داخل الصراع، خصوصا من جانب المعارضة التي أرادت إزاحة "مفهوم المقاومة" من السلطة السورية ووضعه كتيار يساندها.

اليرموك.. بداية خاصة

ظهر مخيم اليرموك عام 1957، وكان الغرض منه تحسين ظروف اللاجئين الفلسطينيين وتنظيم تواجدهم، ولذلك فإن مساحته الأساسية التي كانت تقدر بـ2.11 كيلو متر مربع توسع كثيرا عبر الزمن وصدر المخطط التنظيمي لمخيم اليرموك لاول مرة عام 1995، فهو عمليا جزء من مدينة دمشق وشكل منفذا لسكانها الباحثين عن سكن أرخص، أو حتى بناء أعمال صغيرة بدلا من التواجد في مركز العاصمة، والواقع الخاص للمخيم كان مقتصرا في كونه: أولا منطقة تتصل بالعشوائيات السكنية باتجاه الجنوب والجنوب الشرقي للعاصمة، الثاني الطبيعة التي أضفاها اسم المخيم عليه مما جعل سلطة المنظمات الفلسطينية واضحة داخله.

والواضح أن مخيم اليرموك لم يكن يضم أكبر تجمع فلسطيني فقط، فوفق الاحصائيات كان تعداد اللاجئين فيه 112,550، لكنه أسس أيضا واقعا سياسيا يعكس البيئة الفلسطينية على العموم، فمع صعود حركة فتح عام 1966 انتشرت كوادرها في المخيم، وكان للرئيس الراحل ياسر عرفات وباقي قيادات فتح مواقع خاصة داخل المخيم، وقبل عام 2011 كان لحماس موقعا متميزا في المخيم إضافة لمراكز ثقافية أساسية، فميزة مخيم اليرموك كانت تظهر عبر عاملين:

تعبئة الشارع الفلسطيني لأن مخيم اليرموك كان يمثل رمزية الموضوع الفلسطيني داخل سورية.

نقطة الربط السياسي ما بين سورية والمنظمات الفلسطينية التي تمتلك مكاتب داخل دمشق، لكن الربط الحقيقي كان عبر "مخيم اليرموك".

واقع المخيم اليوم يضعه ضمن إطار المناطق التي تضررت بشدة في سورية، وهو ما يجعل من الصعب العودة به إلى موقعه السابق اجتماعيا وسياسيا، وتذهب عدد من التقارير الفلسطينية إلى أن في المخيمات داخل سورية عموما أعادت توزيع الفلسطينيين من جديد، وأبعدتهم عن "الجغرافيا" التي مثلوا عبرها صورة لـ"المخيمات الحاملة للهم الفلسطيني"، فعندما تنهي الأزمة في سورية لن يجد الفلسطيني "تراثا" خاصا بمرحلة اللجوء، وهي زمن هام من تاريخ الفلسطينيين كونه شكل مرحلة تحد من أجل "حق العودة"، بل سيصبح أمام ذكريات فقط نتيجة التدمير الذي طال معظم المخيمات بما فيها مخيم اليرموك، في المقابل فإن انخفاض عدد الفلسطينيين المقيمين في سورية أدى إلى زيادة عددهم في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أمر سيشكل في مرحلة لاحقة مشكلة تضاف إلى جملة مشكلات الفلسطيني في لبنان.

الأمر الأخير أن الفلسطيني في سورية كان يملك خيارات على مستوى المنظمات الخاصة به، بينما ستجد الأجيال القادمة أن هذه الخيارات انحسرت كثيرات، وأن الصراع ربما تحول إلى شكل غير مألوف، فهم كانوا ضمن النزاع القائم من أجل استقطابهم بدلا من أن يكونوا كتلة اجتماعية ضاغطة لتثبيت "حق العودة" إلى فلسطين.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة