معهد ليفانت للدراسات

محطات في علاقة رجال الدين بالحكومة في سورية

محطات في علاقة رجال الدين بالحكومة في سورية
أبريل 29
10:56 2016

"معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم" , تحت هذا الاسم وهذه الرعاية أعادت وزارة الأوقاف سابقاً جزءاً كبيراً من جمهور المتدينيين في سورية إلى محيطها الحيوي الذي تستطيع السيطرة عليه وتوجيهه وربطه بسياساتها ومحاسبته عند الخروج عن الخطوط الحمراء .

 

ظهرت هذه المعاهد في المساجد بعد عزوف السوريين عن المساجد وخصوصاً فئة الشباب خوفاً من الاعتقال و تهم الانتماء لجماعة الاخوان المسلمين التي تم قمعها بقوّة في ثمانينيّات القرن الماضي والتي امتدّت في عدّة مدن كان أبرزها مدينة حماة في الوسط السوري و كانت المعقل الأساسي للحركة .

 

وبعد الحملات العسكرية الكبيرة التي قادتها الدولة لاضعاف الاخوان المسلمين والقضاء على تنظيمهم كان لابدّ من التفكير من جديد في كسب المجتمع السوري المتديّن , وبتأسيس هذه المعاهد ودعمها واعادة ترميم المساجد وانشاء أخرى جديدة , حاولت الدولة اعادة الجمهور التقليدي للأماكن الدينيّة ولكن بقي مراقباً بشكل جيّد , كلّ من يتحدّث في الدين والأخلاق لاحرج عليه , المهم البقاء بعيداً عن السياسة ونقد الحكم .

 

عملت الحكومة على تشجيع العودة للمساجد ويُقال أن بعض التنظيمات والماكينات في الحكومة بما فيها الحزبية كانت تحرص على التواجد في المساجد بمهمات رسمية , ليس للرقابة فقط بل لاعادة السوريين إليها وتشجيعهم لارتيادها .

 

بقي ذلك حتّى تسعينيّات القرن الماضي ورغم المنح الهائلة التي كانت تتلقاها المساجد من الجمعيات الخيرية الممولة من دول الخليج بقيت هذه التجمعات والهيئات الدينيّة تتبع سياسة الدولة وتوجيهاتها , ولعبت أدواراً كبيرة في دعم الحكم والسياسات الحكوميّة حتى أعطتها الحكومة الأمان وبدأت بالتخفيف من القيود المفروضة عليها وبات افتتاح الثانويات الشرعية ودروس الدين والكليات الجامعيّة الاسلامية مراسيم مسهّلة بأمر أعلى السلطات .

 

مع مجيء الأسد الابن لم تتغيّر أشياء كثيرة , على العكس زاد الاهتمام بالمواليد الجديدة لهذه الهيئات حيث افتتح المزيد من المساجد والثانويات الشرعية والكليات وحظي المتديّنون بحريات أوسع ودعم أكبر , كما حرص الأسد الابن على لقاءات دورية مع رجال الدين وحضور المناسبات الدينيّة وتمثيلهم في اي أحداث مهمّة على مستوى الدولة , ويمكن القول أن الرقابة بدأت تضعف على هذه التجمعات حدّ الغياب أحياناً .

 

وبعد حرب العراق لم تحاول الحكومة منع الشباب الراغبين بالتوجّه شرقاً لمحاربة قوات التحالف , فباتت الحدود مع العراق مفتوحة وتلقّفت تنظيمات القاعدة الكثير من الشباب من سورية , عملت عليهم كمشاريع "جهاديّة" وتكفيريّة , ولم تحسب الحكومة وقتها حسابات أخرى ستجعل هؤلاء الجهاديين يعودوا لمقاتلتها في مختلف المناطق في سورية .

 

حملت الأزمة السورية منذ بدأها طابعاً شعبياً بعد فشل المثقفين في تجميع أعداد كبيرة من المتظاهرين تحت شعارات المدنيّة والحريّة فانطلقوا للتعبئة والتجييش في المساجد وعلى الأخص في مناطق الضواحي والأرياف وبدأوا مع المتظاهرين بشعارات النخوة والشرف والكرامة والحرية والاصلاح , وشيئاً فشيئاً بدأ تحوّل في المزاج العام يظهر لدى المتدينيين لدعم الحراك القائم والاندماج فيه وتوجيهه خلال وقت قصير باتجاه شعارات اقصائيّة نحو الطوائف والمكونات الأخرى .

 

حاولت الحكومة السيطرة على المساجد , احتفظت بمعظم المساجد في المدن هادئة باستثناء بعض المساجد التي يُشكل مشايخها زعامات تقليدية , فسرعان ما أعلنت ولاءها للحراك الجديد أسوة بالمساجد في الأرياف والضواحي والتي باتت أماكن التجمع التقليديّة لخروج وتنظيم المظاهرات في أيام الجمع والأيام العاديّة .

 

انقسم موقف رجال الدين التقليديين إلى 3 اتجاهات , اتجاه رأي فيما يحدث مؤامرة تستهدف الأمن والأمان في سورية والوحدة والوطنية ويجب الوقوف ضدّها وفتح أبواب للمصالحة والاصلاح والابتعاد عن طلب المساعدة من الخارج ودفع بعض روّاد هذا الاتجاه حياتهم ثمناً لمواقفهم كالشيخ البوطي مثلاً , اتجاه آخر اعتبر الحراك ثورة حقيقيّة تستهدف الحكم الظالم ويجب دعمها والوقوف معها وهي فرصة تاريخيّة لاقامة حكم اسلامي والتخلّص من الأحزاب اليساريّة والتوجهات العلمانيّة وبالطبع دُفع بكثير من هؤلاء إلى الاعتقال قبل هروبهم أو التجائهم إلى المناطق الخارجة عن السيطرة , اتجاه ثالث فضّل النأي بنفسه تماماً خوفاً أو ضياعاً , منهم من بقي وجعل جلّ أحاديثه الدينيّة عن العبادات والأمور الدينيّة فقط وآخرون فضّلوا التوجه نحو دول الخليج والدول المحيطة صامتين .

 

لم تهمل الدولة المساجد أو تعمل على اغلاقها أو منع دروس الدين , على العكس أعادت الدعم المطلق لمن وقف معها من رجال الدين وزادت من الدعم المقدّم لهم وتمثيلهم وباتت حظوة بعض رجال الدين أكبر من حظوات بعض الضباط في الجيش , كما حاول الرئيس الأسد زيادة الاجتماعات مع الدعاة والداعيات وقامت وزارة الأوقاف بدعم أبحاث وكتب لدحض الفكر المتطرّف وعملت على تشكيل الفرق الدينيّة الشبابيّة ودمجها مع المنظمات الشعبية كاتحاد الطلبة لتقريب الأفكار وتبادل المسؤوليات .

 

اليوم وفي السنة الخامسة للأزمة وبعد انتشار أعداد كبيرة من الفصائل الاسلاميّة المسلحة وما عملت عليه جبهة النصرة وتنظيم الدولة الاسلامية من نشر للتطرّف الديني في مناطق المعارضة تحاول الحكومة في مناطقها الحفاظ على انتماءات دينيّة تقبل الآخر وتبتعد عن التطرّف والتكفير , لهذا تحاول بشتّى الطرق الحفاظ على ما تسمّيه الاسلام الشامي المعتدل .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة