معهد ليفانت للدراسات

مجالس رجال الأعمال السوريين ودعم اقتصاد الحرب

فبراير 24
11:37 2015

خلال العامين 2009 و2010 كان الاقتصاد السوري يسير في اتجاه اقتصاد السوق الاجتماعي، "الاقتصاد الليبرالي" وسوق العمل المفتوح الذي يعتمد على الكفاءات والمنافسة الحقيقية، وكانت المعادلة وقتها تقوم على مبدأ "البقاء للأقوى" والمقصود هنا بقاء الصناعي أو التاجر ومن خلفهما المنتج في السوق وتعزيز وجوده في سوق تنافسية عادلة تحكمها قوى السوق كالعرض والطلب والسعر، وبالاستفادة من الدعم الحكومي المتمثل بمكافحة الإغراق وتخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية الداخلة في الصناعة.

ترافق ذلك مع خطط وحملات للترويج لسورية كبيئة استثمارية في دول العالم، كان هناك من يعمل في الأروقة ووراء الكواليس لجذب مستثمرين إلى البلد الواعد والبيئة الخصبة للاستثمارات في كل المجالات..

كان هناك رجال أعمال ومستثمرين سوريين كبار لهم علاقاتهم ولهم نفوذهم في الداخل والخارج، رغبت الحكومة وقتها بالاستفادة منهم عبر تشكيل مجالس لرجال الأعمال السوريين مع نظرائهم حول العالم، ولم يكن وقتها هناك استثناء لأي دولة من الصين إلى الولايات المتحدة، مروراً بالسعودية واليابان وماليزيا ومصر، كنا بين اليوم والآخر نسمع عن انطلاق رسمي لأعمال مجلس رجال الأعمال الفلاني وكان يحضره نخبة من رجال الأعمال من سورية والدولة المعنية.. كان ذلك على أمل أن تصبح سورية دولة استثمارات عالمية وهذا ما حصل فعلاً ولو على نطاق محدود، وفي قطاعات محددة.

وكان هناك نوع من الصراع على ترؤس هذه المجالس تبعاً لنفوذ رجل الأعمال وعلاقاته بالدولة الأخرى وحجم نشاطاه وقدرته على تكلم لغتها ومعارفه، ما أدخل هذا النشاط ضمن ما بات يعرف بـ"البورظة" في زمن السوق الليبرالي المفتوح، لأن هذه المجالس أصبحت لاحقاً "برستيج" ومنصب على بزنس كارد رجل الأعمال لا أكثر.. ويرى مراقبون أن تأسيس هذه المجالس لم يكن على أسس علمية ومخططات مدروسة فكثير من الدول لم يكن فيها مجالس أعمال مقابلة بل كان هناك شركات علاقات عامة تروج للبلد اقتصادياً ما جعل رجال الأعمال السوريين يتعاملون مع شركات وليس جهات حكومية رسمية.

مع بداية 2011 وبدأ العقوبات الاقتصادية على سورية على خلفية الأحداث والضرر الذي طال الاقتصاد السوري دخل رجال الأعمال ومجالسهم في "ثلاجة" وتجمدت نشاطاتهم واختفوا عن الشاشات ولم يعد لهم أي وجود في الإعلام ! ما الذي حصل؟ كان يعوّل كثيراً على هذه المجالس في سد الثغرات مقارنة بما كان يقال خلال حفلات الافتتاح الرسمية من قبل المؤسسين ورؤساء المجالس، والعمل على استئناف النشاط الاقتصادي لكن ما حصل العكس تماماً فأمام العقوبات الأوروبية والأميركية والمقاطعة العالمية لسورية يصبح النقاش حول الوجهة غير ذي جدوى "وكدق الماء" فلا أحد يغامر بأمواله ويتعامل مع شريك سوري معاقب دولياً، بل وانقطعت سبل التواصل بين السوريين من مستثمرين ونظرائهم حول العالم والسبب كما يقول رجل أعمال في دمشق هو العقوبات الغربية على سورية.

فغادر رجال الأعمال ومعهم رؤوس أموالهم إلى دول الجوار وحجتهم أن "رأس المال جبان" وبحثاً عن ملاذات آمنة للاستثمار، ما ضيّق الخناق على الاقتصاد السوري وزاد الضغوطات على الليرة السورية التي لا تزال تعاني وتنزف. هجرة رؤوس الأموال هذه أدت إلى تشويه في بنية الاقتصاد وتشويه قاعدة العرض والطلب في الأسواق المحلية، وكذلك بالنسبة للصادرات.

التحرك الرسمي وقتذاك كان على مستوى السعي لاستبدال رجالات المجالس هذه وحل تلك "غير الفاعلة" وخاصة تلك مع الدول الأوروبية التي قاطعت سورية وأبقت على المجالس مع أصدقاء الحكومة كالصين وبلاروسيا وإيران وروسيا وأرمينيا من مبدأ أن "المصلحة السورية ".

فأصدر وزير الاقتصاد السوري قراراً يقضي بحل مجالس رجال الأعمال السورية المشتركة المشكلة بموجب قرار الوزارة رقم /3023/ تاريخ 16-12-2009، "وإعادة تشكيل هذه المجالس مستقبلا في ضوء توجهات العلاقات التجارية الخارجية لسورية ووفق أسس ومعايير موضوعية يجب توافرها في رجال الأعمال المرشحين لعضوية هذه المجالس". 

وكانت النظرة الحكومية بعد ذلك تتلخص في ضرورة "جذب الاستثمارات الخارجية وتمويل المشاريع المشتركة وتحفيز العمل التجاري والاقتصادي وأن تحقيق هذه الأهداف يشكل تحدياً كبيراً على الجميع تجاوزه ووضع المصالح الشخصية التي سادت في أعمال بعض المجالس السابقة جانباً لعقد صفقة هنا أو هناك لتكون مصلحة سورية أولاً وإعادتها لما كانت عليه فوق أي اعتبار".‏ وذهبت وزارة الاقتصاد إلى تشكيل مجلس إدارة لمجالس رجال الأعمال في سبيل مأسسة العمل وجعل منظماً وإدارياً تماشياً مع متطلبات المرحلة الراهنة وحاجة سورية للإعمار . على أن يتألف مجلس إدارة مجالس رجال الأعمال، من وزير الاقتصاد رئيساً، ومعاون الوزير نائباً للرئيس وعضوية كل من رؤساء اتحادات غرف التجارة، الصناعة، الزراعة، السياحة، الملاحة البحرية السورية، اتحاد المصدرين.

مجالس رجال الأعمال السابقة في سورية وعددها 50 تقريباً اختزلت إلى 5 بعد قرار حكومي جديد يقضي بتشكيل مجالس الأعمال السورية المشتركة مع جمهورية روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية الصين الشعبية وجمهورية بيلاروسيا وجمهورية أوكرانيا وجمهورية أرمينيا، لكن من الضروري وضع خطط عمل لهذه المجالس والتماس مدى جدية الطرف الآخر بالاستثمار في سورية خلال هذه الفترة، الحرب لم تضع أوزارها بعد، ما جدوى هذه المجالس إذا كان الطرف الآخر غير متحمس؟ ولا بد أيضاً من اللعب على وتر الحاجات السورية لمرحلة إعادة الإعمار والاستفادة من تجارب هذه الدول في مجالات العقارات والنفط والطاقة والبنية التحتية وتدريب وتأهيل عمالة سورية لامتصاص أرقام البطالة التي ارتفعت وقاربت 49% خلال 2014.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة