معهد ليفانت للدراسات

ما بعد حلب .. موازين القوة تتغير

ما بعد حلب .. موازين القوة تتغير
يناير 27
07:41 2017

حمل الشهر الأخير من العام 2016 تحولّاً استراتيجياً مهماً على صعيد الحرب الدائرة في سورية منذ مايقارب الست سنوات، فكانت سيطرة الجيش السوري على مدينة حلب، والتي شكلت ضربة موجعة لفصائل المعارضة المسلحة، ومن خلفها المعارضة السياسية في الخارج، تزامن ذلك مع تغيير محتمل في الديبلوماسية الأمريكية تجاه الأزمة السورية.
 

بعد سيطرة فصائل المعارضة على الأحياء الشرقية لحلب منذ صيف 2012، انتهت المعركة اليوم بموافقة هذه الفصائل الرحيل بعد هزيمتها إلى منطقة إدلب، والسماح للسكان المدنيين الموجودين في منطقة سيطرتها بالانتقال إلى مكان آخر قد يكون غرب حلب، الذي تتحكم فيه قوات الجيش السوري، أو البقاء في بيوتهم حتى يتم إعادة إعمار المدينة.
 

بعد سيطرة الجيش السوري بمساندة الحلفاء على مدينة حلب بالكامل ومناطق أخرى على طول الميدان المشتعل، ورغم نجاح تنظيم الدولة الإسلامية في السيطرة مجدداً على مدينة تدمر الأثرية، لم تعد الفصائل المعارضة تسيطر سوى على 15 في المئة من الأراضي السورية، وأصبحت مناطق الرقة وإدلب والباب آخر المناطق ذات الأهمية النسبية التي لا تزال خارج سيطرة الحكومة السورية.
 

البعض اعتبر أن هزيمة المعارضة في حلب مؤشر بنهاية الحرب، بينما يرى آخرون العكس، ويمكن ملاحظة أن غالبية وسائل الإعلام في الغرب، وربما بسبب الشعور بالإحباط حاولت نفي أهمية انتصار الجيش السوري شرق حلب.
 

لدى الحكومة في دمشق كل الأسباب كي تكون راضية عن نجاحها في حلب، الذي يمنحها دفعة معنوية ويحرم المعارضة من الأمل بالانتصار في الحرب .. بدون أمل وبدون مساعدة حقيقية من الخارج، فإن فرصة معسكر المعارضة في تغيير الوضع في ميدان المعركة، آخذة في الزوال، رغم أن الأزمة لا زالت بعيدة نسبياً عن نهايتها.
 

من أهم ما ترتب على استعادة حلب، ليس الانتصار العسكري على المعارضة فحسب، بل الأهم أنها كسرت إرادات إقليمية تركية وسعودية، وغربية أمريكية وفرنسية، ويعني ذلك باللغة الاستراتيجية أن ما كانت تراهن عليه الدول المعادية لدمشق من قيود يمكن أن تؤدي إلى تضييق هامش حركة الجيش السوري وحلفائه، قد تقلص بنسبة كبيرة عما كان عليه.
 

أحيطت معركة حلب في مراحلها الأخيرة، بزوبعة أو عاصفة إعلامية في الغرب لتصويره كمذبحة للمدنيين وتقاعس للغرب في التدخل، ولكن تلك الحملة لم تحصل على نتائج مهمة بل دفعت بعض المحللين وفي الغرب إلى كشف جزء من الحقائق المغيبة.
 

في الواقع قد تفتح السيطرة على مدينة حلب الطريق أمام القوات الحكومية لاستعادة محافظة إدلب التي يسيطر عليها، وبشكل شبه كامل، ائتلاف فصائل إسلامية في مقدمتها جبهة فتح الشام – جبهة النصرة سابقاً- ومع انتظار ماستؤول إليه مفاوضات أستانا، فإن الاتفاق بين الحكومة والمعارضة، سيجعل الضغط العسكري كله يتحرك في اتجاهين، الأول صوب الجزيرة في الرقة ودير الزور حيث تنظيم الدولة الإسلامية، والثاني صوب إدلب، حيث جبهة فتح الشام، فالتنظيمين المذكورين موضوعين على قائمة المجتمع الدولي كمنظمات إرهابية، وتم استثناءهما وعزلهما من مفاوضات الحل السياسي للأزمة السورية.
 

استعادة الحكومة السورية سيطرتها على حلب، تزامن مع وصول دونالد ترامب إلى كرسي الرئاسة في واشنطن، وكان قال أكثر من مرة إن أولويته تكمن في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بدلاً من الإطاحة بالرئيس الأسد، وقد تنامت مخاوف المعارضة بشأن خطط ترامب إزاء سورية، والذي قال إن لديه "أفكاراً قوية بشأن سورية" دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل، مكتفيا بالإشارة إلى أنه تحدث مرتين مع الرئيس الروسي منذ فوزه بالانتخابات الرئاسية حول تعاون بلديهما في قضايا الشرق الأوسط، وهو تصريح من شأنه أن يصب في مصلحة دمشق وموسكو، ويطمئنهما حول مسار الحرب في سورية.
 

لاشك أن ما بعد سيطرة الجيش السوري على حلب، ليس كما قبلها، إذا ما أُخذ بالاعتبار المتغيرات الإقليمية والدولية المرافقة للحدث، وقدرة موسكو على تشكيل محور روسي تركي إيراني، لإنهاء النزاع في سورية، وتهميش الدور الغربي، الأوروبي على وجه التحديد، فيما الدور الأمريكي مترنح الآن بانتظار خطوات ترامب وتجاوب روسيا معها.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة