معهد ليفانت للدراسات

مالذي يجري في فيينا ؟ 2/2

مالذي يجري في فيينا ؟ 2/2
نوفمبر 18
18:26 2015

بعد اصدار بيان فيينا الذي توافقت عليه 17 دولة تباينت ردود الفعل :

سورية الدولة رحبت بالبيان ونقل التلفزيون السوري الرسمي عن المعلم قوله إنه يقرّ بأهمية البيان الذي أصدرته القوى العالمية , وجاء تصريح المعلم بعد زيارة ديمستورا للمشاورات مع دمشق و الذي ختم زيارته بالدعوة إلى وقف جديد لإطلاق النار، للبناء على الجهود الدبلوماسية المبذولة في فيينا .

بعد دمشق زار ديمستورا موسكو والتقى لافروف , ثم التقى المبعوث الدولي رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية خالد خوجة والوفد المرافق له في جنيف .

ويعمل المبعوث الأممي على مستويين، الأول من خلال مجموعة الاتصال الموسعة التي تشمل الأطراف الفاعلة غير السورية لوضع التفاهمات الأخيرة في صيغتها التفصيلية، لا سيما البندين السابع والثامن من بيان فيينا، والمستوى الثاني ينحصر بين السوريين أنفسهم، عبر مجموعة اتصال خاصة بهم لتحديد قواعد التسوية قبل اجتماعهم فيما يمكن تسميته "المؤتمر الوطني السوري العام".

وبدا واضحاً من مشاورات دي ميستورا، أن العواصم الدولية والإقليمية تتسارع لوضع تفاهمات قبيل اجتماع فيينا المقرر في 13 نوفمبر وتمحورت النقاشات حول ثلاثة قضايا:

1- تحديد هوية قوى المعارضة السياسية التي سيناط بها مفاوضة الحكومة السورية، وفي هذا الصدد تحاول موسكو توسيع دائرة القوى المعارضة من خلال دعم القوى التي تطلق عليها موسكو اسم "المعارضة المعتدلة" تمييزا عن تلك التي ترفض التفاوض قبيل تحديد نتائج المفاوضات مسبقا (الائتلاف) .

2- عملية فرز للفصائل المسلحة، بين تلك التي يمكن أن توصف بالمعتدلة وتلك التي يجب أن توضع في قائمة الإرهاب، وهي خطوة مهمة تصر عليها موسكو وإلى حد ما واشنطن قبيل إطلاق عملية التسوية، وإذا كانت جميع الأطراف تتفق على اعتبار "داعش" منظمة إرهابية، فإنهم يختلفون في ما عداها، وتجلى ذلك الخلاف حول "جبهة النصرة"، ففي حين طالبت موسكو بوضعها على قائمة الإرهاب كما فعلت واشنطن، رفضت أنقرة والدوحة والرياض ذلك .

3- تحديد مدة المرحلة الانتقالية التي مازالت موضع خلاف بين فرقاء فيينا، بين من يطالب بأن لا تتجاوز مدتها 6 أشهر، من يطالب بأكثر من ذلك كي يتم إنضاج الشروط الميدانية والسياسية قبيل إجراء الانتخابات.

لكن تصريح دمشق حول المرحلة الانتقالية أعاد الأمور إلى مربعها الأول، فقد قال فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري بعد يومين من زيارة دي ميستورا لدمشق "نتحدث عن حوار وطني في سوريا وحكومة موسعة وعملية دستورية ولا نتحدث نهائيا عما يسمى بفترة انتقالية، هذه الفكرة موجودة فقط في أذهان من لا يعيشون على أرض الواقع , المهم هو ما أكد عليه الشعب السوري وهو أنه لا بديل في القيادة عن الأسد".

دمشق وداعموها يعتبرون كل من يحارب الجيش السوري يجب وضعه في قائمة المنظمات الإرهابية، لا سيما الفصائل الإسلامية القوية (أحرار الشام، جيش الإسلام، جبهة النصرة)، أما "الجيش الحر" فيبقى محل تباين بين دمشق وطهران من جهة وموسكو من جهة ثانية على الأقل في المرحلة الراهنة .

أما السعودية الداعم الرئيسي لـ "جيش الإسلام"، وتركيا وقطر الداعمان الرئيسان لـ "أحرار الشام"، فيرفضون وضع هذين الفصيلين ضمن لائحة الإرهاب، في وقت تدعو السعودية إلى وضع قوات "حزب الله" والقوات الأخرى التي جلبتها إيران إلى سوريا ضمن قائمة الإرهاب، لكن يبدو أن الجهد السعودي في تعويم "جيش الإسلام" لن يلقى نجاحا بسبب قصفه المدنيين في دمشق وما قام به مؤخر من استخدام مدنيين كدروع بشرية، كما لن تلقى جهودها في وضع القوى غير السورية التي تقاتل مع دمشق في قائمة الإرهاب بسبب الرفض الروسي الصارم والأمريكي اللين.

أما "أحرار الشام" فوضعها يختلف وإن لم يحسم بعد بسبب المخاوف الأمريكية من ارتباطاتها السابقة مع القاعدة، على الرغم من التحولات الأيديولوجية التي أصابت التنظيم مؤخرا والانفتاح على الغرب.

ويأتي الموقف التركي ليزيد صعوبة عمليات الفرز، حيث تصر أنقرة على وضع "وحدات حماية الشعب الكردي" ضمن قائمة الإرهاب بسبب ارتباطه بحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو ما ترفضه واشنطن وموسكو معا.

وأمام هذه الصعوبات بدأت واشنطن وموسكو مؤخرا عملية تدوير الزوايا، فعمدت واشنطن إلى إنشاء تشكيلات عسكرية خارج معادلة ثنائية النظام، معارضة (قوات سوريا الديمقراطية، جيش سوريا الجديد)، في حين عمدت موسكو في الآونة الأخيرة إلى الانفتاح على "وحدات حماية الشعب الكردي" ومن الواضح أن الولايات المتحدة وروسيا، تهدفان من هذه الخطوة إلى إعادة تشكيل ائتلافات عسكرية خارج المنظومة التركية والسعودية والقطرية.

بعد مشاورات في 14 نوفمبر بفيينا أيضاً عقد لافروف وكيري وديمستورا مؤتمراً صحفياً مشتركاً وقال لافروف:  اتفقنا على الخطوات الأساسية لإطلاق حوار سياسي قبل يناير/ كانون الثاني المقبل وأكدنا أن مستقبل سوريا سيحدده السوريون بأنفسهم، وهذا ينطبق على مصير الرئيس السوري بشار الأسد , عملية الحوار السياسي سيديرها السوريون بأنفسهم، و الاتفاقات في فيينا تتماشى مع مقررات جنيف 1, كما اتفقنا على تفعيل الجهود لتقديم المساعدات للسوريين وحل مشكلة اللاجئين.

وكشف لافروف عن توجه روسيا للأردن للمساعدة في وضع قائمة موحدة بالمنظمات الإرهابية ورفعها لمجلس الأمن للتصديق عليها، مشيرا إلى تأسيس مركز إعلامي روسي في عمان لدعم جهود روسيا في مكافحة الإرهاب.

وجاء في نص الوثيقة الصادرة عن لقاء فيينا أن المجتمعين اتفقوا على ضرورة البدء بعملية الانتقال السياسي وفق اتفاق جنيف -1 ووقف إطلاق النار خلال 6 أشهر، دون أن يشمل الوقف تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" والجماعات الإرهابية الأخرى.

وهذه هي المرة الأولى التي يتوصل فيها المجتمع الدولي إلى اتفاق حول إطار زمني لحل الأزمة السورية، يتضمن خارطة طريق لإقرار وقف إطلاق نار شامل مدعوما بقرار دولي، من دون أن يشمل الوقف "داعش" و "جبهة النصرة".

ومن المقرر أن يعقد ممثلو الحكومة السورية وممثلو المعارضة مفاوضاتهم بحلول كانون الثاني / يناير المقبل، لتحديد شكل ومضمون الحكومة التي تتألف من طرفي الأزمة، وفي حين حددت الحكومة السورية أسماء وفدها المفاوض، ينتظر أن تحدد المعارضة وفدها المفاوض، وهي نقطة خلاف ما زالت قائمة.

وفي محاولة لتأكيد أهمية ودور الائتلاف في أية مفاوضات سياسية، عقد وزراء خارجية السعودية وقطر وتركيا اجتماعا موسعا مع رئيس الائتلاف الوطني السوري خالد خوجة والوفد المرافق له، في حين لا تفضل دول أخرى أن يهيمن الائتلاف على المعارضة.

بكل الأحوال، شكل اجتماع فيينا خطوة متقدمة مقارنة بالاجتماع السابق، فثمة جدول زمني هنا لمرحلة انتقالية، وثمة قرار دولي مرتقب من مجلس الأمن حول وقف إطلاق النار، ويبدو أن الرؤية الروسية هي التي انتصرت في الأخير، حيث قبل المجتمعون أن تمتد المرحلة الانتقالية إلى سنة ونصف، بعدما كانت السعودية وبعض الدول يصرون على أن تكون مدتها 6 أشهر فقط.

 

لكن، ومع هذا التقدم الملحوظ، توجد ثلاث عقبات رئيسية لا بد من تذليلها:

1ـ عقدة الأسد، حيث الخلاف ما زال قائما بين دول تدعو إلى تنحيه مع بدء المرحلة الانتقالية، كي يتم التركيز على محاربة الإرهاب، وتمثل فرنسا وبريطانيا وتركيا والسعودية وقطر هذا الاتجاه، وبين روسيا وإيران ومصر والإمارات إلى حد ما، يصرون على أن يكون مصير الأسد في نهاية المرحلة الانتقالية، وهو الرأي الذي تؤيده واشنطن، ويبدو أنه سيصبح الصيغة المتوافق عليها.

2ـ تصنيف الفصائل العسكرية في قائمة التنظيمات الإرهابية، إذ استمر الانقسام السابق على حاله، وعلى خلاف "داعش" التي يتفق الجميع على أنها منظمة إرهابية، انقسم الفرقاء حول الفصائل الأخرى لا سيما الفصيلين الأقوى "جبهة النصرة" و"أحرار الشام".

هذا الخلاف تم تأجيله إلى حين قيام الأردن الذي كلف بمهمة وضع قائمة موحدة بأسماء "المنظمات الإرهابية" يتم رفعها لاحقا إلى مجلس الأمن الدولي للمصادقة عليها. 

3ـ وقف إطلاق النار، وهي المسألة الأعقد نظرا لكثرة الفصائل المتواجدة على الأرض، ولصعوبة تحديد خطوط التماس في بعض المناطق، الأمر الذي يجعل من المستحيل تحديد من خرق وقف إطلاق النار، حيث يمكن لأي طرف خرق النار واتهما غيره، دون القدرة على التحقق من ذلك.

وهناك مشكلة أخرى، وتشكل امتحانا صعبا للدول الإقليمية الداعمة للمعارضة، إذ أن وقف إطلاق النار سيكون بضمانة الدول الداعمة للأطراف المتحاربة بحسب ما أعلن الوزير كيري، فهل تنجح هذه الدول في ضبط الفصائل المدعومة منها؟ وفي حال نجحت، ماذا عن عشرات القوى الصغيرة المنتشرة في معظم أنحاء سوريا، وغير منضوية ضمن قوى كبيرة ومعروفة؟

كل هذه الاسئلة تنتظر اجابات ربما تجيب عنها المشاورات واللقاءات القادمة فالحراك السياسي بدأ بقوّة بعد تفجيرات باريس الاخيرة وتفشي خطر الارهاب المنتشر من تنظيم الدولة وغيره نحو اوروبا .


 

معهد ليفانت للدراسات –  من مصادر متعددة أهمّها روسيا اليوم

 

تقارير ذات صلة