معهد ليفانت للدراسات

لماذا تراجع الجيش السوري في الرقة ؟

لماذا تراجع الجيش السوري في الرقة ؟
يوليو 17
11:15 2016

مطلع الشهر الماضي تحركت قوات من الجيش السوري وقوى أخرى مؤازرة، على رأسها "صقور الصحراء" وخبراء روس، باتجاه مدينة الطبقة، غربي الرقة، في هجوم عسكري بدعم جوي روسي، استمر حوالي عشرين يوماً.

لمدينة الطبقة أهمية عسكرية وموقع مهم، جعل منها أولوية في تحرك الجيش نحو الهدف الكبير وهو تحرير مدينة الرقة وريفها بالكامل، وتبعد الطبقة حوالي 50 كيلومتراً غربي مدينة الرقة وتشكل نقطة عبور رئيسية على ضفاف نهر الفرات، ويوجد بالقرب منها مطار عسكري وسجن تحت سيطرة "داعش".
 

تمكنت القوات المهاجمة من دخول محافظة الرقة للمرة الأولى منذ عامين، التي سيطر عليها تنظيم "داعش" عام 2014، والتقدم جنوب الطبقة، لكن وخلال مدة لم تتجاوز الـ 24 ساعة، تراجع الجيش السوري والقوات الحليفة عشرات الكيلومترات وخرج من محافظة الرقة بعد التقدم إلى مسافة قريبة جداً من مطار الطبقة العسكري وصلت حد الـ 7 كيلو متر، الأمر الذي طرح الكثير من التساؤلات، ووضع أكثر من إشارة استفهام حول ما جرى.
 

المرصد السوري لحقوق الإنسان، والذي يديره المعارض رامي عبد الرحمن من لندن، بأن تنظيم "داعش" شنّ هجوماً عنيفاً مضاداً، بعدما استقدم 300 مقاتل من مدينة الرقة إلى الطبقة إثر تقدم القوات الحكومية إلى مسافة 7 كيلومترات من مطار الطبقة العسكري، وتمكن التنظيم المتشدد من إجبارهم على التراجع لمسافة 20 كيلومتراً قبل أن يجبرهم على الانسحاب إلى خارج المحافظة، بحسب المرصد.
 

مصادر ميدانية تحدثت عن استخدام "داعش" نحو عشر سيارات مفخخة في الهجوم المضاد لاستعادة المناطق التي خسرها، لكن اللافت كان عدم حصول تدخل جوّي روسي لمساندة الجيش السوري في كسر هجوم "داعش" المضاد، بحسب معلومات لم تنفها روسيا أو تؤكدها، والأمر الذي أثار الاستغراب أكثر هو أن موسكو نفسها أرادت المعركة التي انطلقت بطلب منها، خاصة بعد أن كان الأميركيون قد طلبوا من قوات "سورية الديمقراطية" الاستعداد لهذه المعركة غير أن تبدلاً حصل لدى الأميركيين نقل المعركة من الرقة إلى منبج – ريف حلب الشمالي، أعقبه تراجع روسي أيضاً في مساندة معركة الرقة.
 

بالربط بين معركتي الرقة ومنبج، يمكن ملاحظة أن الرقة أكثر أهمية بالنسبة لـ"داعش"، فهي المعقل الأساسي للتنظيم المصنف دولياً بالإرهابي، وصلة الوصل بمعقله الثاني على الجانب الآخر من الحدود في الموصل العراقية، وعليه فإن التنظيم سيستميت في الدفاع عن الرقة ويسحب الدعم العسكري من منبج الأقل الأهمية وتحمّل خسارتها في المواجهة مع قوات "سورية الديمقراطية" المدعومة أمريكياً لصالح الحفاظ على الرقة وعدم خسارتها في المواجهة مع الجيش السوري المدعوم من روسيا، ولذلك فإن التنظيم سيستخدم كل ثقله العسكري في الرقة وهو ماسيحمّل الجيش السوري وحلفاءه أعباء وخسائر كبيرة في معركتهم، في مقابل معركة سهلة الربح للقوى المدعومة أمريكياً في منبج، وهو مالن يكون في صالح الطرف الآخر، فهو بذلك يقدم خدمة لواشنطن، لا يقدمها عدو لعدوه، وعليه من الممكن أن يكون ماحدث هو قرار مدروس بإيقاف الهجوم والانسحاب وتأجيل حملة ستدفع "داعش" للتفرغ للأمريكي في منبج.
 

"صقور الصحراء" أصدرت بياناُ حول الانسحاب قالت فيه إن "الوصول إلى مثلث الرصافة كشف العديد من النقاط التي كانت مجهولة بالنسبة للصقور"، هذه النقاط تتمثل في اعتماد "داعش" على المناورة السريعة بمجموعات صغيرة تضرب مؤخرة القوات وتزرع العبوات على جانبي الطريق وتشغل رأس حربة الجيش المهاجم بالتفكير الدائم بطريق الإمداد الوحيد وكيفية الإبقاء عليه بعيداً عن نيران التنظيم وانغماسييه.
 

هجمات المجموعات الانتحارية تكررت في أكثر من نقطة وغالباً ماكان الجيش يصد المجموعة المهاجمة، لكن هذا الأمر لم يمنع "داعش" من متابعة اعتماد هذا الأسلوب إلى جانب الموجات الانتحارية باستخدام العربات والسيارات المفخخة التي كانت تقتحم الخواصر الرخوة الممتدة من تلة سيرياتيل حتى مثلث الرصافة.
 

تبرر "الصقور" التراجع الأخير بأنه ليس بهذه السوداوية، "المساحات الشاسعة في الصحراء سهلة القضم مقارنة بالمناطق السكنية أو الجبلية كما في ريف اللاذقية"، وتتوعد بأن التحركات المقبلة ستختلف عما شهدته الجبهة خلال الهجوم السابق، من استقدام للتعزيزات ولعتاد جديد يتناسب مع طبيعة قتال "داعش" إضافة إلى تغطية جيدة وحماية لنقاط المؤخرة وجانبي الطريق.
 

لقد استطاع الجيش وحلفاءه اختراق "داعش" في عقر داره للمرة الأولى، وأصبح على اطلاع على تكتيكات العدو وطريقة إدارة الميدان لتحقيق الهدف الأساس، مدينة الطبقة وضفة الفرات، فمتى يعلن الجيش السوري هجومه الجديد لاستعادة الرقة وريفها ؟.
 

يسيطر تنظيم "داعش" على كامل محافظة الرقة باستثناء مدينتي تل أبيض وعين عيسى، اللتين تسيطر عليهما قوات "سورية الديمقراطية" التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية أبرز مكوناتها.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة