معهد ليفانت للدراسات

لبنان 2014 .. إدمان التوافق

لبنان 2014 .. إدمان التوافق
ديسمبر 28
19:09 2014

في 25 آذار عام 2014 دخلت لبنان في فراغ دستوري بعد أن عجز مجلس نوابها عن انتخاب رئيس جديد؛ بعد نهاية ولاية الرئيس ميشيل سليمان، فخمس اجتماعات للمجلس لم تكن كافية من أجل اكتمال النصاب للانتخاب، وغادر الرئيس سليمان دون أن يسلم منصبه لرئيس جديد، وإذا كان الفراغ الدستوري هو الحدث الأبرز في لبنان فإنه في المقابل لم يؤثر على صيغ التوافق، وبقيت الحكومة مستمرة فيما مدد مجبس النواب لنفسه كي لا تقع البلاد في مطب فراغ تشريعي، وعدم وجود رئيس قابله كثافة تحرك دبلوماسي لمنع انهيار التوافق اللبناني في ظروف الإرهاب الذي ضرب مدينة طرابلس وجرود عرسال، وأدخل لبنان في عمق الحرب الدائرة في سورية.

رئاسة وأزمة أقليمية

كان من الصعب إيجاد توافق على رئيس جديد، فمنذ أكثر من عقدين يظهر الرئيس اللبناني نتيجة توازنين أساسيين: الأول إقليمي وهو ما اشتهر على تسميته بالاتفاق السوري – السعودي، فالرئيس يظهر عبر قنوات حلفاء الدولتين، والتوازن الثاني داخلي من خلال الترتيب المسبق لكافة التركيبة السياسية القادمة، لكن الرئيس ميشيل سليمان جاء على قاعدة مختلفة، لكنه استمر بفعل التوازن السوري – السعودي.

عملياً فإنه منذ عام 2007 كان ميشيل سليمان المرشح "التوافقي" لـ"الموالاة والمعارضة" اللبنانيتين، لكن انتخابه تأخر حتى عام 2008 نتيجة الخلاف حول الحصص الحكومية والتعديلات الدستورية بشأن قانون الانتخاب، وبعكس معظم الرؤوساء السابقين فإن تسوية الأمور المتعلقة بانتخابه جرت في العاصمة القطرية الدوحة، ولم تكن دمشق أو الرياض جزءاً مباشراً من هذا الاتفاق الذي جرى في 21 أيار 2008، لكن دمشق كانت راضية عن اتفاق الدوحة نظراً لعلاقة التنسيق العالية مع قطر في تلك المرحلة.

بقي الرئيس سليمان أسير هذا التوازن المختلف، فعلاقته مع الرياض كانت عبر "تيار المستقبل"، بينما وجد نفسه في مسار حرج مع بداية الأزمة السورية وانهيار العلاقات السورية – القطرية، فالحضور السياسي الأقوى خلال مراحل حكمه كانت لحلفاء العواصم الإقليمية، وفي النهاية ترك منصبه في ذروة المعاناة من واقع الإرهاب الذي بدأ ينتشر في لبنان، فمواقفه السياسية حاولت عدم خرق التوافق اللبناني، ومع رحيله بقيت التيارات اللبنانية تحافظ على هذا الأمر رغم الخلافات القوية بينها، وكان التحرك السياسي الفرنسي والأمريكي يحاول إبعاد لبنان عن دائرة الخطر في ظل غياب رئيس منتخب، لكن هذا النشاط لم يستطع الوصول إلى نقطة واضحة بشأن الرئيس الجديد، والواضح أن غياب سليمان تبعته ضغوط دولية على معظم القوى السياسية من أجل عدم انهيار التوافقات التي تحفظ حداً أدنى من بقاء الدولة اللبنانية.

الارهاب من طرابلس إلى عرسال

كان العنف صورة متوقعة في لبنان، فحدودها مع سورية شكلت قواعد دعم لوجستي لكل المجموعات المسلحة من حمص إلى منطقة الزبداني في القلمون، وعندما استطاع الجيش السوري استرجاع معظم مناطق القلمون أصبحت طرابلس وعرسال قواعد أساسية للمسلحين، فظاهرة الارهاب كانت ضمن التداعيات التي يترقبها الجميع، وكانت المشكلة في مواجهته مع عدم وجود غطاء سياسي للجيش من أجل التعامل مع هذه الظاهرة بكل تفرعاتها.

لم يكن غياب موقع الرئاسة اللبناني عاملاً وحيداً في الارتبكاك بمواجهة الإرهاب، بل الخلاف بين القوى اللبنانية حول الموضوع السوري، فبعض النواب كان يرى في المنشقين والمسلحين ثواراً، بينما يراهم آخرون كإرهابيين ومتطرفين، والطرف المتعاطف معهم بقي يحمل حزب الله مسؤولية ما يحدث، نظراً لدخوله في الصراع الدائر في سورية، أما حزب الله فأصبحت مواقفه أكثر وضوحا حيث أعلن على لسان أمينه العام، السيد حسن نصر الله، مسؤولية المملكة العربية السعودية عن تطور ظاهرة التطرف.

كان الجيش اللبناني خلال عام 2014 ضحية التوافق اللبناني، فهو لم يكن قادراً على الاستفادة من "الهبة الإيرانية" في تسليحه وتدريبه، في المقابل فإن الرصيد السعودي المقدم لدعم الجيش مازال حتى نهاية العام معلقاً ضمن صفقة فرنسية لم تنته بعد، فيما أدت المعارك إلى خطف جنود لبنانيين وإعدام بعضهم دون القدرة على توصل إلى صيغة تنهي هذه المأساة، فالوساطة اللبنانية التي استطاعت الإفراج عن راهبات دير معلولا المختطفين من قبل جبهة النصرة خلال عام 2014، كانت عاجزة عن التحرك لبنانياً لإنقاذ الجنود المختطفين في جرود عرسال.

وعندما يمضي عام 2014 فإن الحدث السياسي سيبقى مشدوداً لزيارتين أساسيتين شهدتهما نهاية العام: الأولى زيارة ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي إلى بيروت، والثانية لرئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، وكلا الزيارتين جاءتا ضمن فراغ سياسي وخطوط مغلقة في إيجاد حلول واضحة لأزمتي الإرهاب والفراغ الدستوري، وبالتأكيد فإن لبنان لم يكن قادراً في الماضي عن الإفلات من التأثيرات الإقليمية على سياسته، وعلى الأخص التأثير السوري، لكنه اليوم يواجه ترابطاً في مسألة الحرب في سورية، فانعكاساتها لن تكون فقط على توافقات الأفرقاء اللبنانيين، بل ستؤثر أيضاً على طبيعة التوازنات الهشة التي نشأت منذ الطائف 1989وصولاً إلى اتفاق الدوحة 2008، وأخيراً الأزمة السورية التي باتت تحكم الكثير من مفاصل لبنان.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة