معهد ليفانت للدراسات

لبنان يستفيد من تراجع أسعار النفط

لبنان يستفيد من تراجع أسعار النفط
مايو 29
15:06 2015


تتراوح  الفاتورة الإجمالية للمشتقات النفطية للقطاعين العام والخاص في لبنان بين 14 و15% من الناتج المحلي القائم وسطياً، أي بقيمة تتراوح بين 6.5 مليار دولار و7 مليارات في السنوات الماضية. انخفضت العام الماضي إلى ما بين 8 و9% من هذا الناتج، ويتوقع أن يتواصل التراجع خلال العام الحالي إلى نحو 6% من الناتج، إذا أخذنا في الاعتبار بقاء مستويات الأسعار الراهنة من جهة، وتسجيل الناتج معدل نمو سنوياً بحدود 2%، وفق معظم التقديرات.


ولايزال الخبراء يصرون على توقعاتهم السابقة بانخفاض سعر برميل النفط إلى 30 دولاراً للبرميل ومن ثم استقراره عند 50 دولاراً، والأسباب كثيرة، أوّلها الفائض في المعروض العالمي الذي انعكس فائضاً أيضاً في المخزونات النفطية العالمية، ومع توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق بشأن الملف النووي فإنّ توقعات إغراق إيران الأسواق بالنفط باتت أكثر واقعية مع الرفع التدريجي للعقوبات المفروضة عليها والتي بدأت بالعقوبات التي فرضها فرض مجلس الأمن الدولي ضد إيران في ديسمبر/كانون الأول 2006.

ومن جهة أخرى أدى التباطؤ الاقتصادي إلى تراجع الطلب في أنحاء العالم، ولم تظهر أي دولة منتجة للنفط نيّة حقيقية في المبادرة إلى خفض الإنتاج، يضاف إلى كل ما سبق قوة الدولار التي تنعكس غالباً سلبياً على أسعار النفط، وتباطؤ النمو الاقتصادي في كل من أوروبا والصين، الأمر الذي قد يقود أسعار النفط إلى الهبوط بنسبة 50%.

ومع توقعات رفع أسعار الفائدة التي تدفع الدولار للارتفاع، فإنّ معادلة قوة الدولار وضعف سعر النفط سوف تتبلور أكثر.

أين لبنان في كل ما يحصل؟

مع انخفاض عجز موازنة لبنان بنحو 15% العام الماضي، فإنّ استمرار تراجع أسعار النفط سوف ينعكس ايجاباً على المالية العامة، وتبقى المخاوف من انعكاس تراجع المداخيل في الدول الخليجية بسبب انخفاض الأسعار على مستوى وحجم تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، ويعني ذلك تحسّناً في مالية الدولة وتراجع مستوى الوفر المالي في القطاع الخاص اللبناني.

كما توقع تقرير صادر عن "البنك الدولي" أن ينعكس انخفاض أسعار النفط ومشتقاته إيجاباً على لبنان وبخفض فاتورة العديد من الأكلاف فيه خصوصاً الفاتورة الكهربائية، كما سيعود بالنفع على المستهلكين ويعزز النمو.

ورأى التقرير أن ذلك أدَّى ذلك إلى نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي ربع السنوي (وفق قياس مؤشر البنك الدولي لحركة النشاط الاقتصادي "calculated Coincidence index" مسجلاً قراءة إيجابية في الربع الثاني لـ2014 بالمقارنة مع 2013.

وتذهب تقديرات "البنك الدولي" إلى أن النمو في 2014 سيزيد زيادةً طفيفة إلى 1.5 %مرتفعاً عن المعدل الذي تحقَّق في 2013 وهو 0.9%، ولكن من المتوقع أن يبقى النمو ضعيفا وألا يتجاوز 2% في 2015 وهو ما يقل كثيراً عن مستواه المرتفع في فترة ما قبل 2011، ومن أجل حفز النمو، أقرت الحكومة حزمة من إجراءات التحفيز قيمتها مليار دولار في صورة قروض مدعومة إلى القطاع الخاص، وسيُمكِّن هذا أرباب العمل الحر في لبنان من الحصول على تمويل ميسور ودخول السوق.

وتوقع أن يكون الأثر الكلي على اقتصاد لبنان إيجابياً ففي جانب المالية العامة، سيتحقَّق وفر كبير يأتي معظمه من انخفاض مدفوعات الحكومة لشركات الكهرباء، ومن المحتمل أن يشهد ميزان المدفوعات أثراً صافياً مؤاتياً لأن تراجع واردات الطاقة سيطغى أثره على نقصان تحويلات المغتربين، ويحيط الغموض بالأثر على القطاع الحقيقي، إذ إن انخفاض أسعار المنتجات البترولية سيعزز الاستهلاك الخاص من ناحية، لكن تراجع تحويلات المغتربين اللبنانيين في البلدان المنتجة للنفط قد يُضعِف هذا الاستهلاك من ناحية أخرى.

وبفضل انخفاض أسعار النفط، سيتحسَّن وضع المالية العامة للبنان الذي يتسم بأوجه ضعف هيكلية، ومن المُتوقَّع أن يزداد العجز الكلي لميزانية الحكومة المركزية إلى 10%من إجمالي الناتج المحلي في 2014 صعوداً من 9%من الإجمالي في 2013.

وبوجه عام، من المتوقع أن يكون لانخفاض أسعار النفط أثران يعوضّان بعضهما بعضاً على ميزان المدفوعات في لبنان. وعلى الرغم من تراجع أسعار المحروقات والنفط في الأسواق العالمية، إلا أن الانعكاسات على السوق المحلية من خدمات وكلفة عجز الكهرباء، المقدرة بحوالي 3000 مليار ليرة، لم تظهر حتى الآن، وهي يفترض أن تظهر من خلال إنجاز موازنة 2015 وتعديل الأرقام، حيث يفترض أن تنخفض كلفة العجز حوالي 1200 مليار ليرة على أساس سعر برميل النفط بحدود 50 دولاراً، بدلاً من 80 دولاراً وفقاً للموازنة السابقة.

وقدّر "الصندوق النقد الدولي" مكاسب لبنان من تراجع أسعار النفط بـ4% من الناتج المحلي، وتحسّن المالية العامة بـ 1.75% من الناتج. ونصح بـ"ادخار الوفورات الناتجة من تراجع كلفة الفاتورة النفطية لمواجهة أي تقلبات في الأسواق، وتأمين المصادر لتعزيز الإنفاق على النمو، وتقليص الدين العام"، كما رأى أن انخفاض سعر النفط يحقق "شروطاً جيدة لمتابعة إدخال إصلاحات ضريبية".

واعتبر وزير المال الأسبق جهاد أزعور في حديث لصحيفة "الحياة"، أن تراجع النفط على فاتورة استيراد النفط في لبنان "سيظهر تدريجاً نظراً إلى نوعية عقود الاستيراد الطويلة الأجل"، وتوقع أن "يبرز تأثير هذا الانخفاض على المالية العامة بتوفير ما بين 700 مليون دولار وبليون سنوياً في حال استمرت الأسعار متدنية"، مستبعداً في هذا المجال "ارتفاعها مجدداً خلال العام الحالي استناداً إلى التوقعات، خصوصاً أنها لم تتأثر حتى الآن بأخطار المشاكل الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة".

ومما لاشك به فإن معظم الدول المستوردة للنفط إن لم يكن كلها، استفادت من انخفاض سعر النفط بنسبة تزيد على 50% منذ منتصف العام المنصرم، كما ستزداد هذه المنافع المحققة، كلما طالت الفترة التي ستبقى فيها الأسعار مستقرة على مستوياتها الجديدة.

 

 جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة