معهد ليفانت للدراسات

لبنان و “إسرائيل”: النزاع البحري

لبنان و “إسرائيل”: النزاع البحري
يونيو 20
12:43 2014

  لم يكن النزاع على المياه الإقليمية بين لبنان و"إسرائيل" قضية ساخنة قبل ظهور الغاز في حوض المتوسط، وبدء "إسرائيل" باستثماره، فانتقل الصراع من مسألة "أمن الجليل" الذي طرحته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى مسألة "أمن الطاقة" ومحاولة إيجاد منافذ لتصدير الغاز دون نشوب نزاع يعطل من وصول الغاز لأسواق الاستهلاك، فمسألة المياه الإقليمية أخذت خلال السنوات القليلة الماضية حيزا هاما من التحركات الدبلوماسية، وشهدت سعيا "إسرائيليا" لحل هذه القضية مستفيدة من الظرف الطارئ على المنطقة عموما بعد موجة ما سميّ "الربيع العربي".
الحدود القانونية
   إن الخلاف بين "إسرائيل" ولبنان بشأن المياه الإقليم ناجم عن مفاهيم مختلفة للمعايير المتبعة في ترسيم الحدود البحرية، فلبنان لم يباشر بالتنقيب عن الغاز الطبيعي بالقرب من شواطئها، لكنها وافقت على خط ملاحي مع جزيرة قبرص، وهناك تقترير عن خرائط أرسلت من قبل لبنان إلى الأمم المتحدة توضح رؤيتها حول موقع الحدود البحرية الإسرائيلية – اللبنانية، ومن جانبها تقوم "إسرائيل" بأمور مشابهة مع فارق أساسي أنا باشرت التنقيب وبدأت تبحث عن طريق لمد النابيب باتجاه تركيا وأوروبا، ولذلك فإن الجاب القانوني من هذا الأمر يتداخل مع الضرورات "الإسرائيلية" بشأن أنابيب الغاز، وهو ما يجعل الأمر أكثر تعقيدا من أي نزاع آخر حول المياه الإقليمية.
   عمليا فإن الخلافات الدولية حول حقوق الصيد والنفط البحري أدت إلى التوقيع على "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار" التي تسمح قيام "مناطق اقتصادية حصرية". وعلى وجه التحديد، يمكن أن تطالب الدول بحدود بحرية تمتد 200 ميلاً بحرياً من علامة المياه المنخفضة على سواحلها. وبالنسبة للدول التي تفصلها أقل من 400 ميل بحري تعرض الاتفاقية مبادئ إضافية لترسيم حدود بحرية متفق عليها. وتوصلت إسرائيل وقبرص لمثل هذه الاتفاقية، مما شجع القيام بالمزيد من التنقيبات التي أسفرت عن استكشاف كميات حديثة وكبيرة من الغاز في "المناطق الاقتصادية الحصرية" لـ"إسرائيل". وعلى الأرجح لدى قبرص أيضاً مخزون غاز كبير في "مناطقها الاقتصادية الحصرية".

lebissea01
رسم توضيحي 1مناطق الخلاف وتوزيع الحدود البحرية

  ويشكل مفهوم "الحدود" أو الخطوط المستقيمة التي تسير بمحاذاة الساحل المبدأ الرئيسي لـ"قانون البحار"، وفي حالة "إسرائيل" ولبنان فهذا المنهج يقدم حدوداً تمتد من الساحل عند 300 درجة تقريباً أو أقل بقليل من شمال الغرب. وقامت "إسرائيل بتقديم رؤيتها لهذا الترسيم عبر خريطة تصور عقود وتراخيص النفط الحكومية. ولكن كافة المشاكل الناشئة لم تمنع الحكومة اللبنانية من البحث في اتفاقية أولية بين لبنان وقبرص حول الحدود المائية، وبدأ هذا الأمر مبكرا عام  في عام 2006، ولكن هذا البحث عن اتفاقية أدى إلى حصر في خمسة كيلومترات واقعة بين الدول المتجاورة وهي لبنان وقبرص و"إسرائيل"، وسببها أن لبنان لا يقيم مفاوضات مع إسرائيل، وتدور المشكلة حول ما يسمى المياه الاقتصادية، أي المنطقة المشتركة بين الدول ما بعد المياه الإقليمية، ولكل دولة فيها حق بحسب مساحتها. من هنا تلتقي حدود لبنان الاقتصادية من جهة الجنوب مع قبرص وإسرائيل.

اتفاقيات ممهدة
   سمح الاتفاق القبرصي – "الإسرائيلي" لـ"إسرائيل" بالدخول الى لبنان، رغم أنها كانت سابقا كل تعتمد الحدود نفسها التي كان يعتمدها لبنان. فالاتفاق اللبناني – القبرصي يقول "إن النقطة الثلاثية لا تبتّ إلا بمفاوضات ثلاثية" (النقطة 23)، ونتيجة عدم وجود اتصالات ما بين لبنان و"إسرائيل" فإنه تم العودة إلى النقطة الأولى من الاتفاق التي فسرتها إسرائيل وفق رؤيتها فضمت إلى مياهها 860 كلم من المياه اللبنانية. 
في 10 تموز 2011 أقرت الحكومة الإسرائيلية ترسيم حدود "إسرائيل" البحرية الشمالية على الحدود مع لبنان كما وضعته وزارة الخارجية الإسرائيلية. وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي أڤيگدور ليبرمان أن إسرائيل ستعرض على الأمم المتحدة ترسيم ما تعتبره منطقتها الاقتصادية الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط التي توجد فيها حقول للغاز يطالب بها لبنان ايضا. ويأتي ذلك بعد تقديم لبنان للأمم المتحدة خرائطه لترسيم حدوده البحرية.
في تموز 2012 عقد السفير الإسرائيلي في قبرص ووزير الطاقة اللبناني جبران باسيل والرئيس القبرصي ديميتريس كريستوفياس، مؤتمر حول شؤون الطاقة نظمته جامعة نيقوسيا في قبرص. واعترضت لبنان بعد علمها بالاتفاق الموقع بين قبرص و"إسرائيل"، ومحاولة قضم الأخيرة 860 كلم مربعاً من المنطقة البحرية اللبنانية، ولكن لبنان استطاع الاحتفاظ ب500 كم من الحدود الأصلية المقدرة ب860 كم في مفاوضات جارية مع "إسرائيل"، وبقيت 360 كم في أيدي الإسرائيليين.
   تظهر الأزمة في أن الترسيم يسير بشكل منفصل بين لبنان وقبرص من جهة، وبين قبرص وإسرائيل من جهة أخرى حيث يعتبر لبنان أنه خسر مساحة من مياهه تبلغ خمسة كيلومترات نتيجة الاتفاق الإسرائيلي القبرصي، وصفتها مختلف المرجعيات اللبنانية بأنها كبيرة. وتقول لبنان أنه من المحتمل أن حقل تمار الواقع في الحوض المشرقي يمتد إلى المياه اللبنانية، في وقت . نفت "دلك للتنقيب"، أحد الشركاء في الكونسورتيوم الأمريكي الإسرائيلي، ذلك الادعاء. وحسب ادعاء عمير كوهن-دور، الإسرائيلي في القانون البحري، فإن حقلي غاز داليت وتمار يقعان في المنطقة الاقتصادية المحاذية لـ"إسرائيل"، ووفق مؤتمر قانون البحار من الأمم المتحدة عام 1982، فإن "إسرائيل" تملك حق استغلال الثروات الطبيعية في المنطقة الاقتصادية المحاذية لها، لكن "إسرائيل" على العكس من لبنان، لم توقع على هذا قانون.
   ويزداد الموقف تعقيدا إذا نظرنا إلى أن ترسيم الحدود البرية بين البلدين غير متفق عليه حتى اللحظة, فهناك الخط الأزرق بين الدولتين وهو لا يشكل ترسيما بقدر كونه منطقة فظ اشتباك بعد الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000 من الجنوب اللبناني، غير أن هذا الخلاف ربما يبقى الأسهل، لأن أي نزاعات على الأرض عند نقطة حدودية أقرب إلى الساحل، المعروفة باسم رأس الناقورة يمكن على الأرجح قياسها بالياردات، إن لم يكن بالأقدام، وهناك خط من الجزر المرجانية والصخرية الصغيرة تقع على مسافة عدة مئات من الياردات البحرية بين مدينة نهاريا في شمال "إسرائيل" ورأس الناقورة، ويرى بعض الخبراء أنه طبقاً لاتفاقيات "قانون البحار"، يمكن اعتبار مثل هذه الجزر الأساس الحدي لترسيم الحدود البحرية. وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا سوف يغير "المناطق الاقتصادية الحصرية" لإسرائيل حتى بصورة أبعد نحو الشمال الغربي إلى داخل ما تعتبره لبنان حالياً مياهها الإقليمية.

lebissea03 
رسم توضيحي 2حقول الغاز الإسرائيلية

من المستبعد أن تؤدي كافة الأزمات لإيقاف "إسرائيل" عن تطوير مخزونات الغاز الطبيعي التي اكتشفتها مؤخراً. كما أن حقلها الضخم "ليفياثان"  يقع في الكتلتين 349 و 350 جنوب ما يقال إنه الخط الذي تطالب به لبنان. وأما حقل "تامار" المعد للاستهلاك المحلي فيقع جنوباً أيضاً. وحيث إنه يُقدر حالياً بحوالي 750 مليار متر مكعب فإن إجمالي احتياطات "إسرائيل" من الغاز الطبيعي يمكن أن تكون ضعف هذا الرقم. ولا ترى "إسرائيل" احتمالا قريبا لنشوب أعمال عدائية صريحة حول الغاز البحري. 
   المشكلة التي يمكن أن تواجه "إسرائيل لاحقا هي التصدير، أو حتى مباشرة لبنان وسوريا باستثمار الغاز الموجود لديهم وتصديره، فمسألة الحدود البحرية ستتضح لاحقا من خلال الصراع على تمديد خطوط الطاقة التي يمكن أن تسير ضمن المياه الإقليمية لكل من لبنان وسورية، وأي حل آخر سيصبح مكلفا بالنسبة لـ"إسرائيل"، وهو ما يفتح الباب على صراهعات محتملة أو تسويات كبرى، على الأخص أن المنافس الروسي القوي وقع قعودا مع سورية للتنقيب مما يرفع احتمالات التشابك في هذه المسألة المستجدة على الصراعات في شرقي المتوسط.

تقارير ذات صلة