معهد ليفانت للدراسات

لبنان .. ونيران الحرب

لبنان .. ونيران الحرب
يناير 22
05:54 2015

فتحت "إسرائيل" احتمالات المواجهة بعد عمليتها في الجولان، ورغم التركيز الإعلامي على أسماء من سقطوا من حزب الله في هذه العملية، وعلى رأسهم جهاد مغنية، لكن أهمية ما جرى هي في الإصرار على المواجهة المباشرة وخارج الأرض اللبنانية؛ في المقابل فإن مستشاراً عسكرياً إيرانياً قضى أيضاً في هذه العملية؛ فآلية ما قامت به "إسرائيل" هو اغتيال مهما اختلف المراقبون على تسميته، كما أنه يتعامل بشكل متعمد مع عوامل الأزمة السورية، فهناك تعامل قوي أرادت به "إسرائيل" تغيير قواعدها في التعاطي مع الحدث السوري، ورغم أنها تواصلت مع المسلحين السوريين أكثر من مرة، إلا أنها تقوم الآن بمواجهة تعبر عن استراتيجية مختلفة.

لبنان وساحة المعركة

المأزق الأساسي للعملية "الإسرائيلية" يبدأ من محاولات استبدال الجبهات، فالمؤشرات الأساسية تنقلنا إلى وضع حزب الله ضمن مواجهة خارج بيئته الأساسية، ويمكننا هنا قراءة ثلاث أمور:

  • الأول: تفاصيل العملية هي تحذير لحزب الله بأن وجوده خارج جغرافيته الأساسية يمكن أن يعرضه للاختراق، فالدقة التي تمت بها العملية تؤكد على نشاط استخباراتي كان قادراً على عملية رصد دقيقية ومتابعة، فمنطقة الجولان وسورية عموماً تبدو مكشوفة بشكل أفضل وهو عامل ليس بصالح حزب الله.
  • الثاني: الانتقال إلى جبهة الجولان سيطوق سياسياً أي رد لحزب الله، فالاعتداء لم يكن على الأرض اللبنانية، مما يفتح جدلاً واسعاً بين القوى اللبنانية فيما لو قام الحزب بالرد من لبنان، أو حتى بفتح جبهة واسعة من الناقورة وصولاً إلى القنيطرة.
  • الثالث: العملية العسكرية تبدو مركبة لأنها تتعمد المواجهة المباشرة مع "تحالف" كامل، فهي جرت على الأرض السورية واستهدفت عناصر من حزب الله إضافة لمستشار عسكري إيراني، وهذا الأمر سيعقد الرد كونه يحتاج لتنسيق بين قوى التحالف، وضمن ظرف سياسي دولي وإقليمي يحاول تبديل الدور الإيراني من خلال المفاوضات الخاصة بملفها النووي.

عملياً ما يهم لبنان هو احتمالات الرد سواء من سورية أو لبنان، وفي كلا الحالتين لن تكون الجغرافية اللبنانية بعيدة عن التطورات القادمة، وإذا كانت مشاركة حزب الله في المعارك داخل سورية خلقت استقطابات متضاربة، وحملته بعض الأطراف مسؤولية دخول الإرهاب إلى لبنان، فإن من شأن معركة مع "إسرائيل" إعادة رسم التوازن السياسي، وربما نسف التوافقات المرحلية في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية والتمديد لمجلس النواب.

وإذا كان التصعيد "الإسرائيلي" يحمل مجازفة عبر فتح احتمالات جديدة، فإنه يضع الصراع ضمن خيار حدّي، فالرد لن يؤدي لتداعيات متتالية، بل ربما سيظهر كصراع إقليمي مباشر، وهو ما تريده "إسرائيل" لأنه سيطرح شروطاً سياسية جديدة؛ مختلفة عما ظهر في آخر حرب إقليمية عام 1973، كما أنه يخلق نظام علاقات مختلفة بشأن الصراع القائم في المنطقة، فالحرب الإقليمية في النهاية لن تكون اختباراً للوجود الإسرائيلي، بل رسماً لمنظومة العلاقات بعيداً عن التحالفات الحالية، وإيجاد مشروع مختلف ينقل الصراع باتجاه مسارات الإرهاب الذي يأكل منظومة الشرق الأوسط.

سورية في احتمالات الحرب الإقليمية

أظهرت تجربة حرب عام 1973 لسورية مخاطر الحرب الإقليمية، وأدركت دمشق حاجتها لأكثر من "حليف استراتيجي" يضمن لها التأثير في سير المعارك، وضمان التوازن الاستراتيجي في المنطقة ككل، والملاحظ أن تلك الحرب أثرت على السياسة السورية بمحورين:

الأول – البحث في المجال الجغرافي الأوسع للمعركة، فجبهة الجولان والضغط عليها لن يؤدي لنتائج عسكرية تنعكس سياسياً، وكان لا بد من توسيع مجال الصراع ليتخذ سياقاً آخر خارج حرب الجيوش، فالمسألة ليست فقط في تكلفة هذا النوع من الحروب بل أيضاً في عجزها عن تغيير التوازن الاستراتيجي بين سورية و "إسرائيل"، وهو ما دفع دمشق في نهاية السبعينات لطرح مسألة "التوازن الاستراتيجي" التي كانت تعني اعتماد قاعدة مختلفة بعد أن خسرت سورية الجبهة المصرية، وبعد أن أصبح "ردع إسرائيل" أساساً لأي تحرك في الصراع معها، وكان توازن العلاقات الإقليمية هو الأساس الذي تم الاستناد إليه، فأوجدت سورية جملة علاقات مختلفة مع إيران ولبنان (من خلال المقاومة)، وتجنبت المواجهة المباشرة مع "إسرائيل".

الثاني – تغير قواعد الاشتباك مع "إسرائيل"، فسورية رأت أن الصراع الجزئي مع أطراف عديدة سيؤدي في النهاية إلى إيجاد صراع مختلف بآلياته مع "إسرائيل"، وفي النهاية فإن هذا التغيير أدى إلى مأزق على مستوى الردع الإسرائيلي، فهو أدى إلى عجز عسكري في مواجهة التهديدات، فصحيح أن الفصائل العسكرية اللبنانية والفلسطينية لم تؤثر على الوجود الإسرائيلي، لكن التهديدات تبدو مستمرة وغير قابلة لحلول تعيد "إسرائيل" لمجدها الممتد منذ ظهورها وحتى أواسط الثمانينات مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وظهور المقاومة في لبنان.

وما يجري اليوم هو تبدل إقليمي كامل، فالمحاور القديمة تبدو على التحول، كما أن الشرط الدولي تبدل، فهل يمكن أن نتجه لحرب إقليمية مع رغبة سورية في نشوب هذا الأمر؟

بالتأكيد فإن الجيش السوري ليس في وضع يساعده على الدخول في مثل هذه الحرب، فوحداته موزعة على امتداد الجغرافية، وسورية مهددة من جهاتها الأربع، بينما تحوم "طائرات التحالف" فوق بقعة منها لضرب "داعش"، وتطور الحرب الإقليمية يستدعي مباشرة انهيار سلسلة العلاقات القائمة حالياً بين الدول الإقليمية، وعلى الأخص إيران وتركيا، ورد حزب الله مهما كان حذراً من الصعب عدم وضعه في إطار إقليمي عام، فهل يمكن الوصول لحلول في ظل هذا التعقيد في شرقي المتوسط؟

ما نشهده ربما سيحمل اضطراباً معاكساً، فطهران ودمشق وحزب الله تم استهدافهم بالعملية "الإسرائيلية"، وهذا الأمر سيخلق رهانات سياسية جديدة لهذا المحور، فـ"إسرائيل" عسكرياً قامت بعملية ليست جديدة من جانب الأهداف الذي حققتها، لكنها دعوة مباشرة للتحول نحو الحرب المباشرة، وبالتأكيد فإن الرد من حزب الله سينظر إلى إحداث تغيير سياسي وليس عسكري، كما أن طهران تسعى إلى مثل هذا التغيير من أجل تعزيز موقفها الإقليمي، وهو ما يدفع للاعتقاد أن أي عمل لحزب الله لن يكون وفق السياقات السابقة، فمراعاة الشرط السياسي لا تحتاج لزمن بل لخيارات جديدة، وهي خيارات تعتمد أساساً على العلاقات القائمة داخل "إسرائيل" وليس على احتمالات المواجهة العسكرية التقليدية، وهو أمر مفتوح يبدأ من إعادة بناء جبهة الجولان، وينتهي بطريقة التعامل مع الخيارات الفلسطينية عموماً.

هي معركة في النهاية وبوسائل تخرج عن النمط الاعتيادي، والتماس المباشر سيحدد مساراً للصراع مع "إسرائيل"، لكنه بالتأكيد لن يكون مساراً اعتيادياً فيما لو أراد حزب الله ودمشق وطهران تحقيق كسب استراتيجي كبير.

 

معهد ليفانت للدراسات – جميع الحقوق محفوظة – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة