معهد ليفانت للدراسات

لبنان وفرص النفط الضائعة

لبنان وفرص النفط الضائعة
ديسمبر 27
19:25 2014

مضى عام تقريباً على المهلة التي حددتها الحكومة اللبنانية ممثلة بوزير الطاقة السابق جبران باسيل للشركات والتي انتهت في الأول من تشرين الثاني 2013 لكي تتقدم بعروضها وملفاتها لاستثمار قطاعي النفط والغاز في لبنان، حيث خرج باسيل قبلها وتحديداً يوم 15 شباط من نفس العام على حشد من ممثلي الشركات الكبرى والسفراء والدبلوماسيين في لبنان ليقول: "أن أول عملية تنقيب عن النفط والغاز في لبنان ستتم عام 2015 فيما ستكون مرحلة الإنتاج عام 2016" وأضاف الوزير" لبنان يعلن اليوم أنه أصبح بلداً يسير على طريق النفط والغاز".

وللعلم أن من بين الشركات العالمية التي تأهلت للمنافسة في جولة التراخيص الأولى في نيسان الماضي كل من "أناداركو وشيفرون وإكسون موبيل وإنبيكس وإيني ومايرسك وبتروبراس وريبسول وبتروناس وشتات أويل وتوتال وشل". 

اليوم نحن على أعتاب عام جديد يبشر لمرحلة مفصلية في تاريخ لبنان الاقتصادي وهو مرحلة دخول قطاعي النفط والغاز في الاستثمار، وأعين كبرى شركات العالم على هذا القطاع الحيوي والمركزي في الشرق الأوسط.

لكن هل فعلاً سيتم التنقيب عن النفط والغاز مع بداية العام القادم؟ هل كلام باسيل سيكون بمكانه وسط "العراقيل التشريعية" والجو السياسي المشحون في لبنان وعدم استقرار الأنشطة الاقتصادية التي تعيش على وقع الأزمة السورية، هل سيتحقق هذا مع هبوط أسعار النفط إلى حد "غير متوقع" بإصرار من منظمة "أوبك" وإلحاح في الحفاظ على مستويات إنتاج عند 30 مليون برميل يومياً، وتبشير وزير النفط السعودي ابراهيم النعيمي عندما قال "قد لا نرى مرة أخرى سعر النفط عند مستوى 100 دولار للبرميل وهو المستوى الذي كانت تفضله السعودية في السابق للأسعار".

عقبات بالجملة

أمام هذا الواقع يبرز سؤال يخطر في بال من يقرأ ويتابع أخبار وتحليلات قطاع النفط في لبنان، مفاده أنه إلى أي مدى تؤثر هذه العوامل السابقة في مستوى إقبال الشركات العالمية على البدء باستثمار حقيقي وفعلي لمكامن لبنان النفطية والغازية والمقدرة بنحو 440 مليون برميل نفط و15 تريليون قدم مكعبة غاز قبالة الساحل الشمالي. وللعلم والكلام للوزير باسيل "أن المسح السيزمي ثلاثي الأبعاد أظهر أن المياه الجنوبية تحتوي على 12 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي موزعة على مساحة ثلاثة آلاف كيلومتر مربع، وأن مكمنا واحدا فقط من تلك المكامن قد يوفر احتياجات محطات الكهرباء اللبنانية 99 عاماً!".

الظاهر حتى الآن أنّ لبنان تضرر كثيراً، وأن كلام الوزير السابق باسيل في بادئ هذا المقال بعيد التحقق أو مؤجل إلى إشعار آخر، كيف ذلك؟.

لقد كان للتشنج السياسي وعدم التوصل إلى اتفاقات بشأن انتخاب رئيس للجمهورية وقبلها المخاض العسير الذي مرت به البلد لولادة حكومة توافقية دور كبير في تأخير وعزوف المستثمرين عن لبنان ككل وعن قطاعي النفط والغاز بشكل خاص، وأدخل لبنان في فترة ركود سياسي اقتصادي معاً.. أضف إلى هذا الجانب مشكلة استصدار قوانين محفزة وجاذبة حيث أنّ هناك مرسومان سيحددان المناطق ونموذج اتفاق بخصوص التنقيب والإنتاج وهما بحاجة لللإقرار.


بعد أن وصل سعر برميل النفط الخام إلى حدود 60 دولار أميركي من 114 دولاراً خلال شهر واحد، وهو أخفض سعر وصل إليه منذ 2009 توقفت الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال عند هذا السعر ملياً، وحدّ ذلك من اندفاعها واستثمار المزيد من الأموال في أعمال الحفر والتنقيب في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وهذا ليس في صالح لبنان والمنطقة عموماً فبدأت هذه الشركات تركز على استثماراتها الحالية وتنميها للحصول على العائد المجدي على الاستثمار في ظل تدهور الأسعار، وأوقفت أي مشاريع للمستقبل القريب للغموض الذي يكتنف هذا القطاع حالياً.

لكننا بين الفينة والأخرى نطالع نتائج دراسات تقوم بها شركات عالمية لمكامن النفط اللبناني تحسباً للمستقبل واستعداداً من قبل هذه الشركات للإنقضاض عندما تسنح الفرصة، وذلك بعودة الأسعار لما كانت عليه 100 دولار للبرميل كحد أدنى، حيث تشير معلومات نشرتها صحيفة "الشرق الأوسط" إلى أن 29 شركة عالمية قد اشترت معلومات المسح السيزمي الذي أجرته شركة "سبكتروم النرويجية" قبالة السواحل اللبنانية بملايين الدولارات.

وأبدت كثير من الشركات اهتمامها بالتنقيب ومنها "كيرن إنرجي" البريطانية و"جينل إنرجي" المدرجة في لندن.

وبحسب المعلومات المتوفرة فإن مسحاً بالتقنية ثنائية الأبعاد شمل المنطقة الاقتصادية الخالصة بأكملها خلال السنوات الأخيرة والتي تبلغ مساحتها نحو 22700 كيلومتر مربع – أي أكثر من مثلي مساحة لبنان الإجمالية – أشار إلى وجود نحو 40 منطقة صالحة للتنقيب عن النفط والغاز.

وفي مقابل موجة التفاؤل هذه التي تبينها الأرقام والتحليلات لا بد من قراءة الموضوع من زاوية أخرى هي الزاوية التي تنظر منها شركات النفط والغاز العالمية والتي عينها على نفط لبنان.. هذه الشركات تنظر إلى واقع الاستقرار السياسي، وحجم الفساد، والمراسيم القوانين المشجعة والناظمة لعملها ولعلاقتها مع الحكومة اللبنانية ومدى موائمتها لتطلعات المستثمرين والمشغلين العالميين الباحثين عن الربحية عبر الدخول بمشاريع استثمارية ذات جدوى اقتصادية، ولا اعتقد أن هناك مشاريع أفضل من النفط والغاز في لبنان، لكنننا الآن أمام مرحلة مفصلية مرتبطة باستصدار المراسيم الناظمة قبل أن تحول هذه الشركات اهتماماتها المستقبلية في ضوء المستجدات وخاصة على صعيد الأسعار ووصول سعر البرميل إلى حد 60 دولار ومادون، فقد تجد الشركات أن استثماراً في حقول نفطية بعائد 60 دولار للبرميل أو أقل غير ذي جدوى، من يدري ربما يحصل هذا وما على لبنان وحكومته إلا أخذ الحيطة والحذر من ذلك!.

أخيراً.. ما قيل عن احتياطيات ومكامن نفط وغاز ضخمة في عرض البحر يبقى كلاماً ودراسات الجدوى تبقى حبراً على ورق ما لم يحصل خرقاً في الحياة السياسية يمهد الطريق لبيئة استثمار محفزة، لرئيس شركة "توتال" السابق كريستوف دو مارجوري بحسب صحيفة "الحياة" رأي خاص عندما كان يقال له ان حوض المتوسط من قبرص وإسرائيل هو نفسه، وان هناك مكامن واسعة من النفط، كان يرد قائلاً "إن هناك اماكن عديدة عملت فيها توتال حيث كانت استكشفت شركات في مناطق مجاورة لمناطق عمل توتال في اماكن والبعض لم يجد اي كميات واعدة في مناطق مجاورة، وان على الحكومة اللبنانية ان تسرع في عملها من اجل تلزيم المناقصات كي تستفيد من اهتمام هذه الشركات".

وعطفاً على كلام مارجوري نقول ما على الحكومة إلا الإسراع باستصدار قوانين مشجعة ومحفزة وإلزام الشركات بالمناقصات.. وذلك قبل وفات الأوان.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

تقارير ذات صلة