معهد ليفانت للدراسات

لبنان .. سوق العمل المضطرب

لبنان .. سوق العمل المضطرب
سبتمبر 22
18:45 2014

رغم أن الأزمة السورية دفعت بأعداد كبيرة من اللاجئين باتجاه لبنان، وهو ما أثر سلباً على كافة مناحي الحياة في تلك البلد، لكن سوق العمل اللبناني لم تبدأ مشاكله مع العمالة السورية، وفي المقابل فإن التصور القادم لحل مثل هذه الأزمة لا يرتبط بعامل واحد فقط، فالعمالة الوافدة ستبقى موجودة وربما يكمن تنظيمها عبر قوانين "سوق العمل الأكبر" الذي تتم معالجتها ضمن كافة دول الجوار، فالمنظومات الاقتصادية مثل "السوق الأوروبية المشتركة" سابقاً، أو الاتحاد الأوروبي حالياً قامت بتقديم حلول أوسع تأخذ بعين الاعتبار أمرين: الأول هو طبيعة  حركة الأموال بين الدول، والثاني انسياب العمال من دولة إلى أخرى… فهل يمكن النظر اليوم إلى أسواق العمل في بلاد الشام وفق رؤية واحدة؟

لا يوجد تصورات حالية لمعالجة مسائل العمالة الوافدة، وعلى الأخص إلى لبنان الذي يملك حدوداً متشابكة مع سورية، ولديه اعتبارات سياسية واقتصادية تجعل من الصعب الحد من أزماته الاقتصادية، لكن في المقابل فإن "سوق العمل اللبناني" لديه خصائص مختلفة يمكن اعتبارها "جاذبة" للعاملين في المهن الدنيا، وربما يحتاج هذا السوق لرؤية أوسع من مجرد البحث عن حل وسط أزمة اللاجئين السوريين، حيث ترى بعض المصادر الاقتصادية أن حجم العمالة السورية يوازي الكتلة النقدية التي هاجرت إلى لبنان منذ بداية الأزمة، وربما يكمن الفارق في طبيعة استثمار رؤوس الأموال التي تدفقت للمصارف اللبنانية.

أزمة مزمنة

أزمة سوق العمل اللبنانية يعتبرها البعض "أزمة مزمنة، فارتفاع معدلات البطالة تتكرر بشكل دوري وفق الوضع الإقليمي العام، حيث شهدت لبنان على سبيل المثال ارتفاعا في معدلات البطالة عام 2008 مع الأزمة المالية العالمية التي أدت الى صرف لبنانيين عاملين في دول خليجية وأوروبية ودول شمال أفريقيا نتيجة الوضع الإقتصادي، إلى جانب أزمة الديون السيادية والإضطربات التي تصيب العالم العربي، يُضاف إلى ذلك الأضرار الناتجة عن استهداف قطاع الخدمات في حرب عام 2006، مما أدى لخفض الحد الأدنى للأجور وصرف قسم من الموظفين والعاملين.

7

عملياً فإن غياب الإحصاءات الرسمية العلمية حول سوق العمل يؤدي لعدم الوصول لنتائج دقيقة، فالإحصاءات الرسمية تتحدث عن نسبة البطالة تقدر بـ11،9% في حين أن وزارة العمل تُعطي رقما يصل إلى 16%. بينما تُشير مؤسّسة البحوث والاستشارات (CRI) إلى أن معدّل البطالة في لبنان يتراوح بين 10% و15.6%، في المقابل فإن منظمة الإسكوا (ـESCWA) تحدد الرقم بـ 16%. بينما تقدر منظمة العمل الدولية أن نسبة البطالة في لبنان تصل إلى  25%. وهذا الفارق في الأرقام يعود لاختلاف مناهج القياس المتبعة، لكن معظم الخبراء يضعون مدى لنسبة البطالة في لبنان تتراوح بين ـ18 الى 20 %، بينما يتراوح عدد العاملين بين 1,000,000 و1,200,000 منهم 750,000 مسجلين في الضمان (250,000 عامل في الدولة) و350,000 غير مسجلين في الضمان. ونسبة العاطلين عن العمل في صفوف اللبنانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و60 عاماً، أقل من غيرها، وتتراوح من 8 إلى10%، أما غير المتزوجين العاطلين عن العمل فإن نسبتهم تفوق الـ75%.

وفي لبنان أكثر من نصف العاطلين عن العمل يبحثون عن العمل لأول مرة، ما يعني أن سوق العمل يستوعب كل عام أعدادا كبيرة من الشباب القادمين إليه ولن دون فرص كافية لاستيعابهم، كما تختلف نسب العاطلين حسب الجنس فتبلغ بين الرجال (45%) وعند النساء (55%). أما جغرافيا فالبطالة تتطال المدينة أكثر من الريف، وذلك بسبب انخفاض منسوب الأجر الذي لا يكفي ساكني المدينة. كما أن البطالة ترتفع مع إرتفاع نسبة المستوى العلمي، ما يعني أن نوعية الاستثمار والمشاريع الاقتصادية لا ترقى إلى الانتاج التقني العالي.

8

1معدل النشاط الاقتصادي لدى الرجال والنساء بحسب الفئات العمرية

 

الأزمة السورية مجدداً

الجانب الأساسي للأزمة السورية في لبنان يمكن النظر في ظل إعتماد لبنان على سورية كمنفذ للتصدير والإستيراد، فالاضطرابات في سورية تؤثر على حركة الصادرات اللبنانية، حيث يذهب 60% من الصادرات اللبنانية الى الدول العربية عن طريق البر، وهذا الأمر يحد من حلول أزمة البطالة، ويضاف إلى ذلك تأثر قطاع السياحة فالكثير من السواح يقصدون لبنان ضمن زيارة موسّعة للمنطقة، وهذه التأثيرات تدفع لقراءة الوضع الاقتصادي اللبناني بشكل مختلف، وذلك استناداً إلى معطياته الداخلية الحالية، وإمكانيات تطويرها رغم ظروف المنطقة عموماً وسورية بشكل خاص.

إن الدراسات غير الرسمية تشير إلى أن 50.7% من اليد العاملة اللبنانية تعمل في قطاعات الخدمات، و20% في القطاع التجاري، بينما تسجل العمالة في لبنان خلال السنوات الأخيرة خسائر ملحوظة في الوظائف على مستوى قطاعي الزراعة والصناعة، في مقابل تنام ملحوظ للعمالة في قطاعي التجارة والخدمات، لكن في المقابل فإن العرض على العمل يتميز بارتفاع حصة التخصصات العلمية بين طلاب الجامعة، ولكن ضمن اطار جغرافي واسع من وجهة نظر الباحث عن عمل. فاليد العاملة لا يتم استيعابها فقط في السوق المحلية، وإنما تُصدر الى بلدان المنطقة وغيرها من الأقطاب الدولية التقليدية للهجرة، والدلالة على ذلك ارتفاع الميل نحو الهجرة.

5

العمالة حسب القطاع الاقتصادي

المشكلة الأساسية في سوق العمل اللبناني تكمن ما بين العرض والطلب في الكمية والهيكلية على حد سواء، وهي نتيجة عدم التوافق ما بين تزايد عرض اليد العاملة المتعلمة وبنية اقتصادية غير متطورة؛ تتكون أساساً من المؤسسات الصغيرة والصغيرة جدا (91%)، ومن الشركات التي توظف أقل من 4 عمال، وتتميز بالعمليات البسيطة المتكررة أساساً، وهذا يعني أن بدلاً من تصدير المنتجات والخدمات المتخصصة، يميل لبنان إلى تصدير اليد العاملة المتخصصة التي تولد عائدات قليلة لاقتصاده، باستثناء التحويلات المالية الضخمة التي يرسلها المهاجرون إلى أسرهم.

عملياً فإنه ووفق احصاءات 2011، أي قبل احتدام الأزمة السورية وظهور مشكلة اللاجئين، فإن المجموع السنوي للعرض في سوق العمل اللبناني (المتدفقين سنوياً إلى السوق طلباً للعمل) من مختلف المؤسسات الأكاديمية والمهنية (جامعات ومؤسسات ومدارس تقنية) يبلغ 61200 طالب عمل، فيما الطلب السنوي من جانب المؤسسات الناشئة حديثاً ومن جانب المؤسسات الموجودة يبلغ 25900 عامل، ومع حساب معدل الهجرة السنوية البالغ 13500 نسمة، فإن الهوة السنوية في سوق العمل (الفرق بين العرض والطلب) تبلغ 21800 وظيفة.

إن الأرقام السابقة تدفع باتجاه وضع رؤية اقتصادية حكومية مدعومة بالبينات الدقيقة، والتعامل مع هذه المسألة ضمن سياق يأخذ بعين الاعتبار اختلاط سوق العمل في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وذلك بغض النظر عن الأزمات التي تحيط بلبنان، فالخصائص الاقتصادية لهذا البلد متشابكة بشكل معقد مع كافة المكونات الاقتصادية ليلاد الشام عموماً.


* جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام .

تقارير ذات صلة