معهد ليفانت للدراسات

لبنان : انتخاب الرئيس المسيحي الأخير في الشرق .. معلّقاً

لبنان : انتخاب الرئيس المسيحي الأخير في الشرق .. معلّقاً
أبريل 24
10:16 2016

في الأخبار الأخيرة أنّ الرئيس السيراليوني ارنست كوروما ألغى زيارته التي كانت مقرراً إلى لبنان، وقرر إيفاد نائبه فيكتور فو، لافتتاح قنصلية سيراليون في لبنان، والسبب عدم وجود رئيس لبناني يستقبله.. فمازال الكرسي الرئاسي شاغراً منذ سنتين !

 

بانتظار حصول توافق ما إقليمي أو دولي يحلُّ هذه الأزمة، لم تُثمر الجلسة الـ38 لانتخاب رئيس للجمهورية في 18 نيسان 2016، والتي أرجأها رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى 10 أيار المقبل في انتخاب الرئيس الثالث عشر للجمهورية.

 

في لبنان ورغم الحديث دوماً عن الديمقراطية وشعارات الاستقلال التي تنادي بها القوى المختلفة، إلا أن حل أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو خدمية مهما كبرت أو صغرت يحتاج إلى إيعاز من الخارج "إقليمي- دولي".

 

هذا الأمر يراه الكثير من السياسيين اللبنانيين أمراً عادياً ولا يتعارض مع السيادة التي ينشدونها، فالكيان اللبناني ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن يخضع للعبة التدخلات والابتزاز من الخارج تحت حجج وذرائع حماية الأقليات في طوائفه الثمانية عشر.

 

يعدُّ منصب الرئيس في لبنان شكلياً إلى حد ما، وخصوصاً بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في هذا البلد الصغير وقسّم الرئاسات بين المكونات الرئيسية الثلاثة "السنّة- الشّيعة- الموارنة" ، ولكن من جهة أخرى يحمل رمزية كبرى كون الشخص الذي يشغل هذا المنصب هو الرئيس المسيحي الأخير في الشرق.

بالعودة إلى الشغور  في الكرسي الرئاسي فإنه الثالث تاريخياً، فالأول كان بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل عام 1988، ولم ينتهي إلا بعد التدخل العسكري السوري عام 1990، الذي جاء ليكرّس اتفاق الطائف، فانتخب الرئيس إلياس الهراوي،

 

أما الشغور الثاني كان في نهاية ولاية الرئيس إميل لحود عام 2007 وانتهى بانتخاب الرئيس ميشيل سليمان الذي أنهى ولايته في أيار 2014 دون أن يتمكن الفرقاء اللبنانيون حتى الآن من انتخاب رئيس يخلفه.

 

لقد شكل الانقسام العامودي في المشهد السياسي اللبناني عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري "8-14" آذار، معضلة كبيرة في حل أزمة انتخاب الرئيس ومن سيكون فكل طرف يريد الرئيس من حصّته مع انقسام المجتمع الماروني سياسيّاً ..

 

فريق 8 آذار يعتبر أن الرئيس يجب أن يكون من الكتلة المسيحية الأقوى والأكبر تمثيلاً للمسحيين والتي يمثلها اليوم العماد ميشيل عون زعيم تكتل التغيير والإصلاح الكتلة المسيحية الأكبر في البرلمان، أسوة بالتمثيل الشيعي والسني..

 

فيما يرفض فريق 14 آذار هذا الطرح بأن يكون الرئيس من فريق الثامن آذار ويصر على أن يكون الرئيس توافقياً مقبولاً من الطرفين، وهذا أيضاً رفضته الثامن من آذار كون الرئيس السابق ميشال سليمان انتخب على أساس الوسطية ولكن في نهاية فترته الرئاسية انحاز لفريق الرابع عشر على حساب فريق الثامن من آذار .

 

مؤخراً حصل خرق على صعيد الترشيحات الحاصلة لمنصب الرئاسة أدى إلى قلب التحالفات، ففي خطوة مفاجئة أعلن رئيس تيار القوات اللبنانية الدكتور سيمر جعجع المحسوب على قوى الرابع عشر من آذار بتبني ترشيح الجنرال ميشيل عون خصمه السابق، فيما تبنى رئيس تيار المستقبل سعد الحريري ترشيح النائب سليمان فرنجية رئيس تيار المردة وهو محسوب على قوى الثامن من آذار مما أدى نشوء مشكلة بين المكونين المسحيين الرئيسين في فريق 8 آذار وبالتحديد حول أحقية عون أو فرنجية باستمرار بالترشح.

 

على الصعيد الإقليمي يرى السياسيون اللبنانيون أنه في ظل الحرب المعلنة بين طهران والرياض فلا فرصة لانتخاب رئيس في الأمد المنظور إلا إذا حصل توافق ما بين الجانبين في الملفات العالقة بالمنطقة ولبنان إحداها، فيكون انتخاب الرئيس اللبناني كبادرة حسن نيّة بين الطرفين، ولكن لغاية اللحظة تنحو الأمور إلى مزيد من التصعيد بين الطرفين وخصوصاً بعد الحملة التي تشنّها الرياض على حزب الله اللبناني الحليف الأول لطهران في لبنان وتجريمه بالإرهاب.

 

أما دولياً فقد سعت قوى كبرى لتحريك الملف الرئاسي الراكد وقد كانت زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى بيروت مؤخراً في هذا الإطار، ولكن حتى هولاند حاول تبني وجهة نظر فريق دون أخر فرفض لقاء الجنرال  ميشيل عون.

 

كما كانت هناك مبادرة روسية قام بها مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، ولاسيما بعد التدخل الروسي في سورية، فاستضافت موسكو أطرافاً لبنانية في محاولة لتقريب وجهات النظر، والتي كان آخرها استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لسعد الحريري رئيس تيار المستقبل، ولكن حتى الآن ماتزال الأمور على حالها.

 

الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتمتع بنفوذ كبير في لبنان يبدو أنها تركت مصير اختيار رئيس جديد للبنان لحلفائها الإقليمين وبالتحديد السعودية، وهي تؤكد دائماً على استمرار الحكومة اللبنانية في عملها وضمان وحدة الجيش اللبناني للحفاظ على الأمن الأهلي وعدم تفلّت الحدود الشمالية مع إسرائيل.

أخيراً يبدو أن ملف الرئاسة اللبنانية سيبقى معلقاً في المدى المنظور بانتظار إنجاز تسويات كبرى على مستوى الإقليم والعالم، وما على اللبنانيين إلا انتظار أن تقرر الدول الكبرى تقرير مصير رئيسهم الثالث عشر.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة