معهد ليفانت للدراسات

لبنان .. النسبية معطلة والستين صامد

لبنان .. النسبية معطلة والستين صامد
سبتمبر 25
19:00 2016

شكل اتفاق الطائف "1989" انعطافة في تاريخ لبنان الحديث من حيث نقل الحكم في بلد الأرز إلى شكل جديد مبني على أساس المحاصصة الطائفية بين الطوائف الرئيسية الكبرى فذهبت رئاسة الجمهورية إلى المسحيين الموارنة، ورئاسة الوزراء إلى المسلمين السنة، ومجلس النواب للمسلمين الشيعة، وبهذه العملية تم تهميش العمل السياسي الذي عماده الأحزاب العلمانية والوطنية والقومية وباتت الطائفة هي المحرك الأساس لأي نشاط سياسي مهما صغر أو كبر.

 

ولأن القانون الانتخابي هو المدخل لأي نظام سياسي، فقد كان القانون يصاغ وفق ما تراه القوى السياسية المسيطرة "الحريري- بري- جنبلاط" في ظل الوجود العسكري السوري آنذاك، فتم تعديل القانون عدة مرات قبل خروج القوات السورية في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري 2005، بعدها ونتيجة الانقسام العامودي بين فريقين 8و14 آذار ووصول المشاكل بينهما إلى مواجهات مسلحة في بيروت في السابع من أيار تم إقرار قانون الستين عام 2008 تنفيذاً لاتّفاق الدوحة الشهير وأجريت انتخابات البرلمانية عام 2009 على أساسه وتشكيل حكومة جديدة، ومنذ ذاك التاريخ ما تزال الجهود معطلة لإقرار قانون يحل مكانه بسبب الخلاف الكبير بين المكونات السياسية على الاتفاق على قانون جديد.
 

فبعد التمديد للمجلس في عام 2013، عاد الحديث عن تعديل قانون الانتخاب إلى الواجهة بصفته المدخل لأي حل، فشكلت اللجان ولا تزال تُشكل، داخل مجلس النواب وخارجه، وبعد سنوات من البحث لم تتغير مواقف الأحزاب من القانون الانتخابي، فتيار المستقبل يرفض النظام النسبي متذرعاً بمعضلة السلاح غير الشرعي وهو يعتبر أن حزب الله يستطيع تغيير مجرى الانتخابات في المناطق التي يسيطر عليها، ويشير المستقبل الذي تحالف مع حزب الله بانتخابات 2005 إلى أن القانون المختلط الذي ينتج 68 نائبا حسب النظام الأكثري و60 نائبا حسب النظام النسبي وبتقسيم "مرسوم" للدوائر، هو الحل الأفضل.
 

أما بالنسبة إلى "التيار الوطني الحر" الذي حارب بداية دفاعاً عن اقتراح القانون الأرثوذكسي، يطالب اليوم بقانون على أساس النظام النسبي يؤدي إلى مناصفة فعلية لا شكلية، ولكن المشكلة بنظره أن إقرار أي قانون جديد يحتاج لإرادة صادقة من القوى السياسية. ورغم تحالف التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، فإن القانون الانتخابي لا يزال نقطة خلاف بينهما، فألاهم بالنسبة إلى القوات هو التمثيل الوطني، ويعتبرون أن النسبية لا تشكل قيمة مطلقة فهي ستؤدي زحلقة القوى السياسية الموجودة وتمهيد الطريق أمام المتطرفين.
 

ولكن النسبية المطلقة المرفوضة من التيار الأزرق (المستقبل) والقوات اللبنانية تشكل مادة دسمة في بحث أي إصلاح انتخابي، ويرفع لواء هذا الطرح حركة أمل، وحزب الله، إضافة لفئة كبيرة من جمعيات المجتمع المدني التي تطالب بقانون انتخابي نسبي يساهم بتغيير ولو بسيط في تركيبة السلطة.
 

كل ذلك رغم اعتبار البعض منهم بأن النظام النسبي سيخدم نفس الموجودين في السلطة اليوم، وأن الإصلاح لا يكون بإضافة بند أو أكثر على قانون الانتخاب بل يطال كل ما له علاقة بالانتخابات وعلى رأسهم الإعلام. وللتذكير فإن الإعلام يسمى بالسلطة الرابعة نظرا لتأثيره الكبير على الجمهور. من هنا، يفترض بالإعلام أن يكون السبّاق بشرح أنواع القوانين الانتخابية للمواطنين، والضغط على المشرّعين لأجل فرض إصلاحات أساسية في أي قانون انتخاب متطور، فالإصلاح بشق أساسي منه يطال الإعلام نفسه لجهة الإعلان والإعلام الانتخابيين.
 

لكن في لبنان المنقسم عامودياً وأفقياً بفعل الدين والسياسة والمال، حاد الإعلام عن رسالته وأصبح تابعا لحزب ورأسمالي وطائفة , يهدف السياسيون من أي قانون انتخابي إلى الحفاظ على مواقعهم ومعرفة النتيجة الانتخابية المتوقعة لأي اقتراح، فالهدف هو الحفاظ على الكرسي بذريعة الطائفة والمذهب، فينشر الطائفيون عبر منابرهم الإعلامية رائحة الخوف من الآخر ليشدوا عضد الناخبين ولا يعود للقوانين الانتخابية معنى، فمن ينتخب عندها هو تعصب المواطن لا عقله.
 

وعليه فإن هناك قناعة لدى كافة القوى والأحزاب اللبنانية على اختلاف مشاربها وانتماءاتها السياسية والدنية والعرقية بضرورة إقرار قانون انتخاب عصري يحدث نقلة نوعية في الساحة السياسية ويغير في بنية النظام السياسي الذي يحكم منذ انتهاء الحرب الأهلية وتطبيق اتفاق الطائف الشهير، ولكن كل فريق وحزب يسعى لإقرار قانون على مقاسه وخصوصاً القوى الكبرى للمحافظة على السلطة وبالتالي الاستمرار في تقاسم غنائم الفساد المستشري في جسد الدولة اللبنانية والتي باتت اليوم عاجزة عن تعيين أي موظف مهما كبر أو صغر إلا برضاء الطائفة ومباركتها.
 

وبالتالي فإن لبنان الذي يعد بلداً متنوعاً بطوائفه وأحزابه وإعلامه وديمقراطيته الفريدة في منطقة الشرق الأوسط اليوم مهدد بانهيار نظامه السياسي إذا ما استمرت القيادات في ممارسة سياسة الرفض لأي مقترح بإقرار قانون انتخابي عصري ينهي حالة الفراغ الرئاسي والفشل الحكومي المتحكم بكل مفاصل الحياة السياسة اللبنانية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة