معهد ليفانت للدراسات

لبنان .. استقالة وزراء الكتائب والابتزاز السياسي

لبنان .. استقالة وزراء الكتائب والابتزاز السياسي
يوليو 10
17:44 2016

يعتبر لبنان البلد الوحيد في الشرق العربي الذي يرأسه شخص مسيحي، ولكن حتى هذه الميزة الفريدة في بلاد الأرز تكاد تخبو نتيجة الخلافات بين الأفرقاء اللبنانيين من جهة، وبين الزعماء المسيحيين من جهة ثانية، فالكل يعتبر نفسه أنه الصوت المسيحي الأقوى والأقدر على تمثيل المسيحيين على كرسي بعبدا.

 

في ظل شغور رئاسي طويل نتيجة عدم التوافق الإقليمي والداخلي والدولي على انتخاب رئيس جديد للبنان، أصبحت الحكومة هي المكان الذي يستطيع من خلالها الخصوم المسحيين إظهار مدى غيرتهم على الصوت المسيحي وحمايته، ابتداءً من وزراء التيار العوني مروراً بالمردة وانتهاءً بوزراء الكتائب الذين وفي توقيت غير مفهوم على الإطلاق أعلن رئيس حزبهم سامي الجميل استقالتهم من حكومة تمام سلام "متهماً إياها بعدم المبالاة تجاه حل قضايا عدة"، مضيفاً: "الحكومة أصبحت اليوم متفلتة ومضرة ووجودها أسوأ من عدمها، ونحن لم يبق لدينا أي مبرر للبقاء فيها"، وتحولت من رمز استمرارية الدولة إلى رمز اهتراء ما تبقى من الدولة".

 

لاشك أن الوضع المتوتر في لبنان والفراغ الرئاسي أثر بشكل كبير على أداء مؤسسات الدولة وجعلها تعمل وفق أهواء القائمين عليها بعيداً عن المؤسسات والقانون النافذ، ولكن لماذا اختار الجميل استقالة وزراء حزبه من حكومة سلام في هذا التوقيت، هل هو نوع من الابتزاز السياسي الذي عودنا عليه القادة اللبنانيين، أم أنه بالفعل صحوة ضمير حقيقية للمحافظة على ما تبقى من صوت مسيحي في شرق عربي أنهكه الإرهاب الأسود ومؤامرات الأشقاء والأعداء، وهل للإنجاز الذي تحقق في الانتخابات البلدية دوراً في الدفع نحو مزيد من المؤيدين خلف قيادته الشابة.
 

بالعودة إلى الاستقالة فهي بدلاً من أن تؤدي أهدافها على الطرف الآخر كما متوقع فقد ارتدت على الكتائب نفسه، فالوزير سجعان قزي الذي يدير وزارة العمل رفض الامتثال لقرار الحزب واعتبر الاستقالة في هذا التوقيت غير مفيدة وستضيع على الكتائبيين أولاً والمسحيين ثانياً واللبنانيين الكثير، ولن تزيد إلا التوتر والانقسام بين هذه المكونات، والفائز بلاشك هو الفراغ فاختار البقاء، فما كان قيادة حزب الكتائب إلا أن أعلنت عن فصل الوزير قزي وطرده من الحزب، ما وتر الأجواء داخل الكتائب نفسه.
 

المحللين اعتبروا أن الكتائب قام بـ"دعسة" ناقصة على الصعيد الحكومي، خاصة أن عمر هذه الحكومة قد يطول لفترة زمنية بسبب عدم وضوح الرؤية من مجمل الملفات خاصة على صعيد الاستحقاق الرئاسي وقانون الانتخاب، فهل اختار الكتائب الابتعاد في اللحظة لأسباب مدروسة ومحسوبة جيدا أو انه ترك الساحة الحكومية حيث كان بإمكانه التأثير وانجاز بعض المهمات مما لو كان في الخارج.
 

فالاستقالة برأيهم لا يتعدى كونها مزايدة في الشارع المسيحي لرفع أسهم الحزب وقفزة في الهواء لن تقدم ولن تؤخّر، والواضح أن العين تتركّز في هذه المرحلة على تحقيق مكاسب على المستوى الشعبي"، وأن "ما تقدّم به الجميل من تبريرات حول سبب هذه الاستقالة وطريقة طرحها لم يقنع قاعدة واسعة من الجمهور الكتائبي".
 

فيما رأى رئيس الحكومة تمام سلام أن استقالة وزيري الاقتصاد آلان حكيم، والعمل سجعان قزي، خطأ، مشدداً على أن الخطوة ليست في محلها خاصة في الظروف الدقيقة والصعبة التي تمر بها البلاد.
 

إلا أن البعض يعتبر أن خطوة الكتائب هدفها تحريك الجمود الحاصل في البلد بشكل عام وبالأخص في ملف الاستحقاق الرئاسي، باعتبار أنها قد تشكل نوعاً من التصعيد أو التنبيه لكل من بدأ بـ"التأقلم" مع حالة الشغور في كرسي الرئاسة في قصر بعبدا، وهنا قد يسأل سائل، لو كانت هذه هي إحدى خلفيات القرار الكتائبي بالاستقالة هل فعلا سيحقق هذه الغاية أم أن الأمر لن يكون له التأثير الكبير على الافرقاء في الداخل والخارج، والدليل بقاء كل شيء على حاله دون أي تغيير في الأداء الحكومي والرسمي اللبناني.
 

ولكن قدامى الحزب يرون أن الحاجة إليه داخل الحكومة أهم من خارجها في هذه المرحلة انطلاقا من الاعتبار الذي يفيد بان الدفاع عن أي قضية من الداخل أفضل من الخارج ما لم يكن هذا المدافع في موقع المعارضة الكلية، وهذه ليست حال الكتائب علما أن الحزب يقود معاركه النيابية مثلا وهو من داخل المجلس وكذلك على طاولة الحوار وهو يثبت حضوره أكثر فأكثر قياسا إلى رئاسة شابة للحزب تخوض أولى تجاربها على كل هذه الصعد.
 

لذلك بدت المبررات التي عرضت للاستقالة غير كافية أو شافية علما انه قد تكون هناك أسباب غير معلنة لكن توقيت إعلان الاستقالة سواء صحت أم لا لم يكن مناسبا بالنظر إلى ضرورة أن تحدث الصدمة التي أرادها رئيس الكتائب.
 

في النهاية مهما كانت الأسباب والدوافع التي دفعت بوزراء الكتائب إلى الاستقالة، فهذا حقهم الدستوري والقانوني ولا يمكن لأحد أن يقلل من قيمته، لاسيما وأن الحزب له تاريخ كبير وعريق في لبنان، وقد أثبتت الانتخابات البلدية الأخيرة وزنه وحضوره، ولكن هل بالفعل هذا القرار سيعيد الزخم للصوت المسيحي الشرقي وخصوصاً في هذا التوقيت الدقيق من عمر لبنان والمنطقة، وبالتالي فإن هناك الكثير من الأمور التي لم تتكشف بعد عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الاستقالة، والقادمات فقط ستظهر ذلك.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة