معهد ليفانت للدراسات

لاريجاني بين دمشق وبيروت

ديسمبر 23
19:28 2014

بدأ تحرك علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيراني، من دمشق وانتهى في بغداد مروراً بالعاصمة بيروت، وهذا المسار بذاته يحمل مؤشرات حول طبيعة السياسة الإيرانية، فالجولة جاءت بعد زيارة ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، وتصاعد الحديث عن حوار سوري في موسكو إضافة لمشروع الحوار بين القوى اللبنانية، دبلوماسية "الاختراق" السياسي أصبحت أكثر وضوحا لكل من موسكو وطهران، في وقت تبدو العمليات العسكرية للتحالف الغربي مراوِحة دون القدرة على خلق حسم حقيقي، فهل تنجح العاصمتان بتأسيس خط سياسي موازٍ للتحرك العسكري؟ لا يبدو الجواب واضحاً لكن الاصرار الإيراني والروسي يؤكد على أن المواجهة القائمة على طول الخط من بغداد إلى جرود القلمون لن تحسم قريباً.

المسار الاستراتيجي

لاريجاني الذي يشغل اليوم موقعاً خارج إطار صنع القرار الإيراني المباشر؛ يعرف تماماً طبيعة التحالفات التي يمكن أن تحكم المنطقة في حال انهيار الدولة السورية، أو حتى دخول لبنان في صراع مذهبي نتيجة انتشار المجموعات المسلحة على حدوده، في المقابل فإن موقع لاريجاني السابق، كبير المفاوضين في الملف النووي، سيضعه أمام تحديد خيارات واضحة تشمل:

  • تأثير أي تطور داخل الأزمة السورية على ترتيبات الاتفاق النهائي بينها وبين الدول الغربية، علماً أن تأجيل المفاوضات يبدو في بعض جوانبه مرتبط بتحالفات إيران وبدورها داخل دول المنطقة.

  • قدرة أي حل سياسي سواء في لبنان أو سورية على منح أوراق ثقة إضافية لقدرة طهران على لعب أدوار لا تستطيع باقي الدول الإقليمية التعامل معها.

  • يعرف لاريجاني أن الخط الاستراتيجي باتجاه دمشق لا يضمن فقط قوة للمفاوض الإيراني، لكنه يعتبر ضرورة فيما لو أرادت إيران تكريس قوة إقليمية رغم كافة الضغوط التي تتعرض لها.

وعندما يبدأ لاريجاني جولته من دمشق فذلك لأنها على تماس مع كافة الأزمات، وهي المنفذ الأخير باتجاه شواطئ المتوسط، والرهان الواضح الذي قدمه يرتبط ببنية الدولة، فالمسألة بالنسبة لإيران تتعلق باستراتيجية "ضمان الظروف" لإبقاء ملفها النووي ضمن دائرة السلامة؛ الأمر الذي يتطلب توازناً دقيقاً في علاقات طهران مع دمشق التي تبدو رغم أزمتها أكثر العواصم التي زارها لاريجاني قدرة على المساعدة في خلق توازنات جديدة.

رهانات في الحرب الاقتصادية

المشهد المختلف في زيارة لاريجاني كان حرب أسعار النفط، فوسط خسائر متوقعة داخل الاقتصاد الإيراني، يبدو الحراك السياسي خارج تلك الحسابات، فالمسألة هنا لا تتعلق بالتسريبات التي تحدثت عن خطوط ائتمانية فتحتها إيران لدمشق، بل أيضاً عن الآلية السياسية التي تحاول تجاوز الحرب الاقتصادية باتجاه آخر، حيث تبدو مسألة إلحاق الخسائر بالاقتصاد الإيراني تحدٍ لرسم خيارات جديدة بالنسبة للولايات المتحدة، ووضع خطوط لمساحة الدور الإقليمي لإيران باتجاه شرق العراق فقط، بينما تفترض طهران أن ضمانات دورها تتجاوز أي خطوط مرسومة مسبقاً، ويمكن ملاحظة أمرين أساسيين:

  • أولاً: تدرك طهران أن حرب أسعار النفط تثير تأثيراً مزدوجاً بالنسبة للأدوار الإقليمية، فهي ستدفع الناتج المحلي الإجمالي لتركيا صعوداً كونها مستهلك أساسي وتتفوق بناتجها عن كافة دول المنطقة، وفي المقابل فإنه سيستهلك من المخزون الأساسي للسعودية القادرة على تحمل أعباء هذه الحرب، بينما ستعاني باقي دول الخليج، فحرب الأسعار موجهة أساساً لتعويم الأدوار الإقليمية وإعادة رسمها من جديد.

المسألة بالنسبة لطهران تنطلق من الحذر حول نوعية الأدوار الإقليمية، فإذا كان الرابح الرئيس هو تركيا، فإنها لا تريد لعلاقاتها مع أنقرة أن تشكل ضغطاً جديداً، فهي تعتبرها منفذاً أساسياً في حال استمرار العقوبات الأمريكية على وجه التحديد، فمسألة المساومة على دورها في سورية ولبنان غير قابلة للنقاش، وهو ما يدفعها لدراسة خياراتها ضمن شبكة علاقاتها الإقليمية وعلى الأخص تركيا التي ستبقى ولفترة غير قصيرة قادرة على التحكم ببعض مفاصل الأزمة السورية.

  • ثانياً: ستستنفذ الأزمة السورية وسط حرب أسعار النفط كافة الأدوار، فهي أزمة تستهلك المال نتيجة الحرب، ووسط انهيار سعر برميل النفط فإن التوقعات تميل إجمالاً إلى أنّ آلة المعركة ستدخل في مرحلة التباطئ.

لكن الرهان على مسألة "الركود الاقتصادي" من أجل النفاذ للأزمة السورية يتطلب شروطاً أخرى، فهو يحتاج أساساً إلى جبهات سياسية قادرة على التحول باتجاه التفاوض السريع؛ الأمر الذي دفع روسيا ومن بعده إيران إلى تحريك العجلة السياسية، في وقت لا تملك فيه الولايات المتحدة مثل هذه الجبهة نتيجة الخلافات داخل الائتلاف السوري المعارض، بل هي على العكس تسعى لتأسيس جبهة عسكرية من خلال برنامج تدريب من المتوقع ان يبدأ مع بداية العام الجديد.

جولة لاريجاني بين دمشق وبيروت هي أكثر من إعلان سياسي عن استمرار الخط السابق لتلك العواصم، لأنه يبدو تأسيساً جديداً وسط تناقضات رسمتها الأزمة السورية مشكلة خارطة علاقات من الصعب التحكم بها، فإيران تستكمل الخطوط السياسية التي ستساعدها في النهاية على تحديد موقعها داخل الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الأزمة السورية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة