معهد ليفانت للدراسات

قطاع التعليم في سورية وفرص البقاء

يناير 13
19:24 2015

لم يعد بإمكان نصف مليون طالب سوري الالتحاق بالمدارس فقد حرمتهم ظروف الحرب طيلة السنوات الأربع الماضية التعليم، إذ تشير التقديرات الرسمية وفق معاون وزير التربية عبد الحكيم حماد إلى "أن نصف مليون طالب سوري تسربوا من المدارس في عام 2014 مقابل 4 ملايين طالب التحقوا بالمدارس".

ساعدت ظروف الحرب على تشويه رأس المال البشري وتضرر المؤسسات التعليمية والثقافية وتبدل حاجات وأولويات واهتمامات السكان، فباتت الحاجات الأساسية من ماء وغذاء وأمن أولويات لا بد من توفيرها لاستمرار الحياة، مقابل صعوبات في توفير استمرارية حقيقية لمنظومة التعليم في المناطق التي تشهد معارك، ما وضعنا أمام أرقام كبيرة لجهة عدد الأطفال المتسربين والمحرومين من التعليم، ولجهة تراجع سورية في مؤشرات التنمية البشرية.

يشير تقرير نشرته منظمة "يونيسيف" في حزيران 2013 حمل عنوان "الحصار- الأثر المدمر للأطفال"، إلى عدم قدرة حوالى 3 ملايين طفل في سورية والدول المجاورة، على الذهاب إلى المدارس بانتظام، وأوضح التقرير أنّ هذا الرقم يشكل قرابة نصف سكان سورية ممن هم في مرحلة الدراسة، وفي أيلول 2013، كشفت "يونيسيف" أن حوالي مليوني طفل سوري تتراوح أعمارهم بين 6 و15 سنة، باتوا خارج المدارس، بمعنى أن عدد الأطفال الذين لم يعودوا طلاباً زاد مليوناً خلال خمسة أشهر.

ومع استمرار أيام الصراع تكبر مأساة الطلاب السوريين الذين يغادرون بلدانهم ومكان سكناهم بحثاً عن أمان، وتكبر مأساة التعليم وتتدحرج ككرة الثلج رغم كل الجهود التي تبذل من جميع الاطراف لاحتواء هذه الظاهرة التي أدت إلى تراجع معدلات التحاق الأطفال بالمدارس بعدما كانت بحدود 97% وفق تقديرات منظمات الأمم المتحدة، اذاً نحن اليوم أمام معاناة بشقين مادي ومعنوي، مادية لجهة تضرر مؤسسات التعليم وتهدم الكثير منها بسبب المعارك أو تحول المؤسسات التعليمية إلى مراكز إيواء، ومعنوية مرتبطة بولادة جيل حرمته الأزمة من أهم حقوق كفلتها المعاهدات والمواثيق الدولية، وهو حق "التعليم" اي بروز جيل أمي.

وفي الحديث عن تقديرات خسائر قطاع التعليم وفق مؤشرات وأرقام وزارة التربية، فقد طالت الأضرار 4382 مدرسة في كافة المحافظات السورية، منها 1494 مدرسة متضررة لا تزال تستقبل الطلبة، و2888 مدرسة غير مستثمرة ضمن العملية التعليمية، و379 مدرسة مدمرة بالكامل، و1489 لا يمكن الوصول إلى موقعها الخطر، فيما خرج 510 مدارس عن الخدمة مؤقتاً لحين إصلاحها واستثمارها، وتستخدم 510 مدارس كمراكز إيواء للمتضررين، منها 319 مدرسة تستخدم للإيواء بشكل كامل، والباقي بشكل جزئي.

يقول الحماد: أنّ وزارة التربية تعمل على إصلاح العديد من الأبنية والمدارس المتضررة، بهدف متابعة العمل التربوي، حيث تم إصلاح 435 مدرسة في المحافظات، منها 74 مدرسة في دمشق، و104 في ريف دمشق، و48 في درعا، و74 في حماة، و40 في حمص، مشيراً إلى تضرر العديد من المدارس التي تم إصلاحها سابقاً بشكل متكرر، فيما تعمل 838 مدرسة حالياً في دمشق، وبدون توقف منذ بداية الأحداث.

فيما تقدر الأضرار التي أصابت القطاع التربوي بما يزيد عن 110 مليار ليرة سورية، ووصل عدد المدارس المتضررة أكثر من 3.465 مدرسة.

ارتفاع تكاليف التعليم

خلال سنوات الأزمة طال العملية التعليمية ضرر كبير، فقد تراجعت سورية على مؤشرات التنمية البشرية وكذلك ارتفعت تكاليف التعليم بسبب التضخم وارتفاع أسعار المنتجات الأساسية وسلة المستهلك، إذ تشير بيانات المكتب المركزي للإحصاء حول مؤشر أسعار المستهلكين في سورية بحسب الفئات الرئيسية لشهر آب 2013 وهي آخر إحصائية رسمية صادرة بهذا الشأن، إذ ارتفعت تكاليف التعليم والصحة بمعدل 74%، و61%، على التوالي. وبالرغم من عبء ارتفاع الأسعار على مختلف شرائح المجتمع السوري إلا أن الفقراء تحملوا الحصة الأكبر منه، فلجأ نسبة كبيرة من الآباء إلى إرسال أولادهم إلى العمل في أي مجال ومنعهم من الالتحاق بالمدارس لتأمين تكاليف المعيشة سواء داخل سورية أو في دول الجوار.

ووفق دراسة أخرى لمنظمة "يونيسف" صدرت في كانون الأول 2013، فقد انحدرت وتيرة التعليم بشكل حاد في السنوات الثلاث الماضية، إذ أجبِر نحو ثلاثة ملايين طفل على التوقّف عن التعليم بسبب الحرب التي دمّرت مدارسهم واضطرار عدد كبير من الأسر إلى مغادرة البلاد، وأن واحدة من بين كلّ خمس مدارس في سورية أصبحت غير صالحة للاستخدام، إما لأنها تعرّضت للضرر أو التدمير أو أصبحت ملجأ للنازحين داخلياً، في حين أن ما بين 500 ألف و600 ألف طفل سوري لا يتابعون دراستهم في البلدان التي تستضيف اللاجئين السوريّين.

 

هجرة العقول

النزيف البشري الذي تعرضت له سورية لم تمر به من قبل، الهجرة والنزوح الجماعي كانا سبباً في إفراغ البلد من نسبة كبيرة من الكفاءات والمتعلمين وأصحاب الخبرات والشهادات بسبب تدهور المستوى الأمني وتراجع مقومات العيش الرفاهية وتراجع مستويات المعيشة، فغادر نسبة من أساتذة الجامعات والمدرسين إلى دول الجوار إما بحثاً عن الأمان أو للبحث عن ظروف معيشية أفضل.. لكن الأرقام الرسمية تقلل من حجم هذه الظاهرة وتأثيرها على العملية التعليمية ككل، حيث ذكرت مصادر في رئاسة جامعة دمشق "أن نحو 10% من أساتذة الجامعة غادروا البلاد مفضّلين العروض التي حصلوا عليها من جامعات عربيّة".

ويمكن القول أن هجرة المعلمين سواء في الداخل أو الخارج، وتسرب الأطفال من المدارس وتضرر البنية التحتية اللازمة لقطاع التعليم بشقيه العام والخاص، عوامل ساعدت في تراجع سورية على مؤشرات كفاءة التعليم والمعدل الصافي للالتحاق بالمدارس بعدما كانت سورية تحتل مكاناً متقدماً بين بلدان العالم في كفاءة المنظومة التعليمية والوصول بالمدرسين إلى أقصى نقطة سكنية مأهولة في سورية عبر افتتاح مدارس ومراكز تعليمية.

يطالعنا تقرير "هدر الإنسانية" الصادر عن المركز السوري لبحوث السياسات بأن مقارنة المعدّل الصافي للالتحاق بالتعليم الأساسي بين سورية والدول الأخرى يضع سورية عام 2010 في المرتبة 21 من بين 136 بلداً، ولكن نتيجة النزاع المسلح وانهيار الأوضاع الاقتصادية يقدر التقرير تراجع سورية عام 2013 إلى المرتبة 135 من بين 136 بلداً، ومما لا شك فيه إن تدهور التعليم من شأنه أن يترك أثراً سلبياً كبيراً على جودة رأس المال البشري الذي يشكل بدوره أحد المصادر الرئيسة للتنمية البشرية والنمو الاقتصادي.

وبحسب التقرير فإن تراجعاً طرأ على مستوى التنمية البشرية في سورية فتراجع أربعة عقود إلى الوراء، إذ بلغ دليل التنمية البشرية 0.472 مع نهاية 2013 مقارنة بـ 0.646 عام 2010، لتنتقل سورية من مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المتوسطة قبل الأزمة إلى مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة، ما يعكس التدهور الحاد في أداء التعليم والصحة والدخل، وكذلك تخلخل التعليم في سورية نتيجة الأزمة مع وصول نسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الأساسي من إجمالي عدد الأطفال في هذ الفئة العمرية إلى 51.8% وتصل هذه النسبة إلى أكثر من 90% في الرقة وحلب وإلى 68% في ريف دمشق. وبلغ عدد المدارس التي خرجت من الخدمة 4000 مدرسة في نهاية 2013  وذلك نتيجة للتدمير المباشر الكلي أو الجزئي أو استخدامها كمراكز إيواء.

 

مركز ليفانت للدراسات – جميع الحقوق محفوظة – راجع شروط الاستخدام

 

تقارير ذات صلة