معهد ليفانت للدراسات

في الطريق من دمشق إلى تدمر

في الطريق من دمشق إلى تدمر
مايو 15
18:00 2016

باتجاه أوتستراد حمص هناك طريقين رئيسيين للخروج من دمشق الأول مغلق بفعل القنص على جوانب الطريق من قبل فصيل معارض وهو من ناحية عدرا والآخر الذي يطيل الطريق عدّة كيلو مترات يخرج من مدينة التل التي تنقسم فعليّاً بين جهتي سيطرة بين الحكومة والمعارضة من فصائل ثورية وجبهة النصرة  .

في وسط البادية السورية استعاد الجيشُ السوري بدعم حلفاءه الحاضرة الأثرية تدمر , ذلك بشكل كامل في 27 / آذار 2016 , المدينة التي تتبع ادراياً لمحافظة حمص أكبرُ المحافظات السورية مساحة لامتدادها في البادية السوريّة باتت تحت سيطرة الحكومة بعد أقلّ من سنة على فقدانها على يد تنظيم الدولة الاسلاميّة .

في الطريق شبه الخالي إلى تدمر لايمكنُ احصاءُ نقاط التفتيش العسكرية والقطعات العسكرية , ثمّة جنودٌ سوريون لم يروا أهاليهم منذ أشهر يرابطون هُنا , تخطئ كلّ التقارير الاعلامية معظمهم ليسوا من أبناء الساحل السوري فقط , بل هم من مختلف المدن والقرى , تعيدُ هذه الحقيقة ادعاءات المعارضة أن الجيش بات أقلويّاً إلى نقطة الصفر .

في الحديث إلى هؤلاء الجنود يخبرونك أنهم موجودون هُنا وفي كل الأماكن المطلوبة لأجل سورية التي فقدوها , يحبّون الأسد ويهتفون بحياته ولايتأخروا عن رفع صوره بالبذلة العسكرية فوق نقاطهم .

"نحن هُنا لأجل أهالينا وبلدنا ومادام الأسد داعماً لهذا التوجه فنحن جنوده " يقولُ أحدهم .

 

تطالعك شعارات "الله أكبر" على أعلام كبيرة في الطريق , تحسبُ أنها آثار لسيطرة تنظيم الدولة سابقاً , لكنّها معسكراتٌ للمجموعات الاسلاميّة الشيعيّة التي تقاتل إلى جانب الجيش السوري والتي تتوزع من العراق وصولاً لأفغانستان  .

 

المدينة التي تبعد عن دمشق قرابة  215 كم , تبدو منازلها بحالة سيئة , كثير من المنازل مدمّرة , أخرى محروقة وأخرى منهوبة , شعارات الدولة الاسلامية لم تعد السائدة , العلم السوري يخيم على المشهد وشعاراتُ الدولة الاسلامية باتت فعلاً ماضياً في هذا المكان , يتولّى الجنود الروس تفتيش النقاط الرئيسيّة بزيّهم الصحراوي , يبدو التنسيق بينهم وبين الجيش السوري عالياً , لكلّ مهمّته .

 

لم يعدُ السكان بعد , الخدمات الأساسية قيد التوفير , وزارة السياحة السورية تعدُ باعادة تسيير الرحلات اليوميّة إلى المدينة لحين تجهيز المنشآت السياحية التقليدية واعادة افتتاح المتحف , يتولّى جنودٌ روس مهمّة التفتيش بعد أن أزالت مجموعاتهم الالغام المزروعة في المدينة , كأنّهم في حالة تحدٍّ لاستمرار السيطرة على المكان الذي كان لهم دور كبير في استعادته .

 

يحاول تنظيم الدولة الاسلامية استعادة المبادرة بالهجوم والسيطرة على الطريق الواصل بين حمص وتدمر قرب مطار التيفور العسكري , يعود الجيش السوري وحلفاؤه للرد والاحتفاظ بخطوط تماس واضحة .

 

في وسط الحاضرة الأثرية لايبدو الدمار هائلاً كما سربت التقارير الاعلامية في أوقات سابقة , يبدو قوس النصر مهدّماً معبدي بعل شمين وبل صارا ركاماً ، بالإضافة إلى تدمير عدد من المدافن البرجية في المدينة, تقول مديريّة الآثار والمتاحف السوريّة أنّها بحاجة 5 سنوات لترميم الاضرار , يعدُ متحف الارميتاج الروسي باستعداده للترميم بطلب من اليونسكو التي أعلنت عن نيتها التوجه إلى الارميتاج بطلب المساعدة في قضية ترميم تدمر.

 

تحاول الحكومة السوريّة الانتشاء بالانتصار مع الحلفاء ,المدينة كرمز للحضارة , تُجمع الفرق الموسيقيّة السوريّة لتؤدّي معزوفاتها على المسرح الروماني في المدينة والذي يعود للنصف الأول من القرن الميلادي الثاني , الجمهور من الاعلاميين وناشطي المجتمع المدني , المعزوفات مدروسةٌ بعناية لتواكب عيد الشهداء في سورية .

بين الحضور أهالي جنود قضوا في الدفاع عن المدينة , في زاوية المسرح صورةٌ وحيدة لخالد الأسعد عالم الآثار السوري الذي أعدمه تنظيم الدولة الاسلاميّة وعلّقه على عمود ووضع رأسه أسفل قدميه مع لائحة اتهامات أبرزها أنّه مدير للآثار وله صلات مع الحكومة السورية وموال لها .

 

قبل ذلك بيوم أقيم في نفس المدرج حفل أوركسترا مسرح "مارينسكي" الروسي وسط حضور رسمي وشعبي، وتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المشاركين في الحفل عبر اتصال تلفزيوني و قال في حديثه "هذه المبادرة رمز للشكر والذكرى والرجاء وهي تعبر عن الشكر لجميع أولئك الذين يحاربون الإرهاب ويضحون بحياتهم كما أنها تأتي تخليدا لذكرى جميع ضحايا الإرهاب بغض النظر عن الأماكن والتواقيت التي وقعت فيها هذه الجرائم ضد الإنسانية"

 

حماية المدينة مكلفة , تسعى الحكومة لمدّ نفوذها بعد طرد تنظيم الدولة الاسلامية منها , عودة السكان الذين كانت تقدر أعدادهم ب60 ألف بطيئة ومازالت تحتاج وقتاً أطول خاصة مع استمرار التنظيم بمحاولاته لاعادة السيطرة على أجزاء من المدينة التي شغل احتلال تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" لها الرأي العام العالمي وربّما كان ذلك سبباً رئيسيّاً في الاصرار على استرجاعها والاحتفاء بذلك بطرق مختلفة .

 

 


جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة