معهد ليفانت للدراسات

فلسطين .. حركات وظواهر سلفية تتمدد ؟

فلسطين .. حركات وظواهر سلفية تتمدد ؟
ديسمبر 13
16:36 2015

دغدغ فوز حركة حماس التي تعد جزء من تنظيم الإخوان المسلمين العالمي في الانتخابات التشريعية 2006، الفصائل الإسلامية ذات الطابع السلفي المتواجدة في قطاع غزة والضفة الغربية على الظهور والإعلان عن تواجدها على الساحة الفلسطينية، رغم معارضة حماس لها ومحاولاتها الحثيثة للقضاء على أي فصيل ممكن أن ينافسها على الوجود والسلطة .

حماس خالفت كل التوقعات الإقليمية والدولية التي كانت تؤكد أن الحركة متجهة إلى إقامة إمارة إسلامية في غزة بعد الفوز بالانتخابات بل استمرت في المزج والموائمة بين النضال الوطني والتوجه الإسلامي، ووضعت ضوابط لعمل الفصائل في القطاع أبرزها: عدم المس بأجواء الأمن العام السائد في القطاع والإجماع الوطني حول قرار الحرب والتهدئة، مما دفع المجموعات ذات البعد السلفي إلى اتهامها بالعلمانية والردّة وملاحقة "المجاهدين الموحدين".. مما زاد المشهد توتراً بين الطرفين.

 

ساعد في انتشار الظاهرة السلفية الجهادية في قطاع غزة عدد من العوامل، لعل أهمها الظروف السياسية، حيث بدأ السلفيون يشيعون أن الانتخابات حرام، وتحكيم لغير شرع الله، ورضا بـ"الديمقراطية الكافرة"، كما كان لعلاقة حماس مع فتح في مراحل مختلفة كحكومة الوحدة، والصراع الميداني، واتفاق مكة، دور في استمرار الظاهرة بالتغلغل في أوساط عناصر حماس، حيث اتهمها السلفيون آنذاك بـ"فساد العقيدة وموالاة العلمانيين والتحاكم للقوانين الوضعية".

 

لعبت الأوضاع الاقتصادية أيضاً، دوراً في تنامي الظاهرة السلفية، بما في ذلك الحصار المفروض على غزة، وما صاحبه من ضغط واقع على سكانها، مما دفع بالبعض لاتهام حماس بالتسبب بالأزمة.

وعلى الرغم من محاولتها الاستفادة من زخم النجاحات التي حققها تنظيم الدولة الإسلامية داعش في العراق وسورية في أعقاب سيطرته على محافظة الموصل وإعلان دولة الخلافة، ما يزال حضور الجماعات الدينية المسلحة المحسوبة على السلفية الجهادية في الساحة الفلسطينية ضعيفاً محدود التأثير.

 

وقد ظهرت العديد من الحركات السلفية, الداعية لإقامة الإمارة الإسلامية، أبرزها، جيش الإسلام- كتائب التوحيد والجهاد، وأعلن موالاته لتنظيم القاعدة، وجيش الأمة- أهل السنة والجماعة، و"جلجلت" الاسم الشائع والدارج في أوساط الغزيين، لمجموعات من الشباب المتدين، التي بدأت تنشط في غزة منذ 2007، لكن وتيرتها ازدادت، واتسع فريق مناصريها، مع تفجيرها لمقاهي الإنترنت قبل أعوام.

 

وظهرت بيانات عدة لجماعات سلفية أخرى، باسم جماعة "كتائب سيوف الحق-جيش القاعدة"، ويتزعمها "أبو صهيب المقدسي"، وتنظيم باسم "جند الله"، و"الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين"، وجماعات أخرى لم يتم التحقق من وجودها ميدانياً، كـ"جحافل التوحيد والجهاد، جيش القدس الإسلامي، قاعدة جهاد ولاية فلسطين الإسلامية، فتح الإسلام، عصبة الأنصار، سيوف الحق"، ودعا القيادي الأبرز "أبو محمد المقدسي" تشكيلات السلفية الجهادية بكافة أنواعها بالتوحد تحت قيادة واحدة باسم جماعة "كتائب التوحيد والجهاد".

 

وشهد عام  2007 مواجهات بين المجموعات السلفية تنظيم "جيش الإسلام" بقيادة ممتاز دغمش والقوات الأمنية في غزة، وتصاعدت المواجهات سنة 2008 بعد توجيه ضربات قوية للتنظيم، أسفرت عن إطلاق سراح الصحفي ألن جونستون المختطف لدى التنظيم وعن مقتل عدد من أفراده، ليتم تحجيم قوته بصورة ملحوظة،

غير أن التصعيد الأبرز في العلاقة بين حماس وحكومتها وبين المجموعات المسلحة وقع في السنة التالية، حيث أعلن عبد اللطيف موسى في خطبة الجمعة يوم 14/8/2009 قيام إمارة إسلامية في غزة، وقتل موسى مع عدد من أتباعه في المواجهة مع القوات الأمنية، ما وجه ضربة قوية لتلك المجموعات التي تراجع حضورها بشكل واضح في السنوات اللاحقة.

 

غير أن تغييراً طرأ على موقف تلك المجموعات في الآونة الأخيرة يمكن رصده في نشاطها الميداني وخطابها الإعلامي، فعقب اعتقال الأجهزة الأمنية في غزة عدداً من أفرادها منتصف سنة 2015، لجأت لإطلاق عدد من الصواريخ عبر قطاع غزة باتجاه المستوطنات ، وهو ما رأت فيه أوساط سياسية فلسطينية محاولة لإحراج حركة حماس والضغط عليها لإطلاق سراح معتقلي تلك المجموعات عبر التهديد بجرّ القطاع إلى مواجهة جديدة مع اسرائيل ، في توقيت ترى كثير من الفصائل الفلسطينية أنه غير ملائم ولا يخدم المصلحة الفلسطينية.

 

رافق ذلك تنفيذ العديد من عمليات التفجير الليلية التي استهدفت مقاهي إنترنت وصالونات تجميل ومحال بيع أشرطة كاسيت، فضلاً عن استهداف بعض أفراد الأجهزة الأمنية في غزة، واستمرت تلك الحوادث لنحو شهرين. واتهمت الأجهزة الأمنية في القطاع أفراداً ومجموعات صغيرة بالمسؤولية عن التفجيرات، وشنت حملة واسعة شملت اعتقال العديد من المتهمين، ونجحت في إعادة الهدوء ووقف عمليات التفجير.

 

ومع انطلاق انتفاضة القدس، طرأ تطور ملحوظ في الخطاب الإعلامي للجماعات الدينية المسلحة، حيث أظهرت اهتماماً بالمواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، ووجهت رسائل إعلامية كان آخرها عدد من التسجيلات الصوتية التي تضمنت انتقادات شديدة اللهجة لحركتي فتح وحماس.

ودعا التنظيم عبر عدد من مكاتبه الإعلامية في العراق الفلسطينيين إلى التخلي عن فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس، وإلى الالتفاف حول "خلافة" البغدادي. وقال التنظيم في رسائله المسجلة: “اعلموا أنه لا فرق بين فتح وحماس، وكلّ عند مصالحه الشخصية وقّاف، وبعضهم عميل للصليبيين والصفويين كما تعلمون”. وأضاف: “حماس وفتح وجهان لعملة واحدة، وكفرهم واضح صريح بواح، عندنا من الله فيه برهان”.

 

أما في الضفة الغربية فكان حضور المجموعات الدينية المسلحة أضعف بسبب الإجراءات الأمنية المشددة والضغوط التي تمارسها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة بحق التوجهات الإسلامية ومظاهر العمل الإسلامي، ما أثر في قدرة تلك المجموعات على التأثير والحضور.

 

وفي شهر شباط 2015 نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن مصادر أمنية فلسطينية أن أجهزة أمن الضفة الغربية شنت حملة اعتقالات شملت عشرة شبان فلسطينيين، في أعقاب معلومات إسرائيلية عن وجود عناصر تنتمي لتنظيم الدولة الإسلامية، تخطط لمهاجمة أهداف فلسطينية وإسرائيلية، وفي حادثة أخرى قام مجهولون بكتابة شعارات مؤيدة لتنظيم الدولة في ميدان “الكساسبة” بمدينة البيرة وقاموا بطمس عبارة الشهيد معاذ الكساسبة بطلاء أسود، وكتبوا شعارات لتنظيم الدولة "باقية وتتمدد، الله أكبر".

 

ويلاحظ أن المجموعات الدينية المسلحة حرصت على تأكيد استقلاليتها وعدم تبعيتها أو ارتباطها تنظيمياً بأي جماعات خارجية، وأن الأمر يقتصر على الالتقاء في الفكر والتوجهات، لكن يبدو أن تغيراً ربما يكون طرأ على هذه السياسة في الآونة الأخيرة، حيث أصدر تنظيم جيش الإسلام بياناً في أيلول 2015 أعلن فيه مبايعته لزعيم تنظيم الدولة وارتباطه بفرعه في سيناء أنصار بيت المقدس، وتلا صدور البيان نفي من مسؤول التنظيم ممتاز دغمش لصحته.

 

و ينبغي التأكيد على أنه لا توجد دول أو ساحة محصنة ضد اختراق الفكر المتشدد، في ظل حضور الجماعات المتشددة في الإقليم، وتنامي ظاهرة العنف واستمرار حالة الفوضى في المنطقة، الأمر الذي يستدعي من الفاعلين وأصحاب القرار في الساحة الفلسطينية التنبه لذلك واتخاذ الإجراءات المناسبة التي من شأنها أن تجنّب الساحة الفلسطينية تكرار سيناريو ما حصل في ساحات عربية أخرى.

 


جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة