معهد ليفانت للدراسات

فصائل المقاومة الفلسطينية وسورية .. ارث تاريخي متبدّل

فصائل المقاومة الفلسطينية وسورية .. ارث تاريخي متبدّل
ديسمبر 31
11:25 2015

في التاسع عشر من شهر تشرين الثاني 1935 طوقت القوات البريطانية الشيخ عز الدين القسام ابن مدينة جبلة السورية الذي ترك بلاده وجاء إلى فلسطين لقتال البريطانيين واليهود ومجموعته وطالبته بالاستسلام، رفض القسام ذلك واشتبك مع تلك القوات، في معركة غير متكافئة لمدة ست ساعات أدت في نهايتها إلى استشهاده، استشهاد القسام  كان له الأثر الكبير في اندلاع ما يطلق عليه "الثورة الفلسطينية الكبرى" عام 1936.

 

ظلت سورية تعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المحورية في إستراتيجيتها الوحدوية العربية وكانت تعلن عن إصرارها على تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة بالكامل فقدمت الدعم للمنظمات الفلسطينية خاصة منظمة التحرير الفلسطينية وتالياً حركات حماس والجهاد الإسلاميتان في صراعها مع إسرائيل‏.

 

العلاقات السورية الفلسطينية شابها الكثير من المد والجزر، ولكن دمشق لم تغلق بابها نهائياً في وجه الفلسطينين على الرغم من اختلافها مع الكثير من الفصائل، بل كانت العلاقة تحكمها التطورات الإقليمية والصراع المستمر مع إسرائيل والولاءات للفصائل نفسها ما بين يسارية وإسلامية وغيرها، إضافة إلى تفضيلات قدمتها دمشق للاجئين لم تقدمها أي دولة عربية أخرى، جعلت منهم متساوين مع السوريين في كل الواجبات والحقوق.

 

‏مع إعلان عن تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية انتقلت العلاقة ما بين دمشق والمقاومين الفلسطينين إلى مرحلة جديدة فالمنظمة هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني والسيطرة أو التحكم بسياساتها كان ومازال الهدف الأول لأي عاصمة عربية أو إقليمية، حيث ظل التأرجح والتقلب بين التحالف والتعارض هو السمة الأساسية للعلاقات بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية فمنذ بداية الستينات سادت علاقة من الصداقة والتقارب بين الرئيس ياسر عرفات والرئيس حافظ الأسد وكانت منظمة فتح وقتها صغيرة وكان الأسد الأب قد تولى أكبر المناصب في الجيش السوري وقدم الكثير من المساعدات لعرفات وزوده ورجاله بالسلاح حتى أن عرفات صرح آنذاك أن سوريا هي الوطن الثاني للفلسطينيين‏.‏

 

بدأت الأزمات تعترض طريق هذه العلاقة منذ عام‏1966‏ عندما قتل ضابط سوري من أصل فلسطيني هو يوسف عرابي ـ قيل أنه كان يعمل مع الجيش السوري من أجل التخلص من عرفات، وعقب اغتياله أصدر الأسد قرارا باعتقال عرفات و‏12‏ من أعضاء فتح‏،‏ بيد أن ذلك لم يلغ الدعم السوري للمقاومة الفلسطينية فعندما وقعت أحداث سبتمبر‏1970‏ بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية تدخلت القوات السورية بفرقة دبابات كاملة لتعزيز موقف المقاومة الفلسطينية‏.‏

 

تابعت دمشق دعمها للقضية الفلسطينية خاصة في السنوات الخمس الأولى من السبعينيات حيث كان لسوريا الدور الأكبر في الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني خلال مؤتمر القمة العربية‏1974،‏ إلا أن العلاقة عادت مرة أخرى للتوتر ففي عام‏1976‏ قام الجيش السوري بضرب وحدة عسكرية فلسطينية وبعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان قام السوريون بتنظيم ثورة ضد عرفات داخل منظمة فتح حيث تحالفت المقاومة الفلسطينية مع اليسار اللبناني بينما كان الدعم السوري للمقاومة الفلسطينية يهدف إلي الضغط علي اليمين اللبناني والضغط علي إسرائيل‏.‏

 

وكانت بداية القطيعة الحقيقية بين الطرفين في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان عام‏1982‏ وما تعرض له عرفات ورفاقه على يد القوات السورية،‏ وعلي الرغم من تفاقم الخلافات بين دمشق ومنظمة التحرير الفلسطينية والتي تصعدت إثر دعم المنظمة للغزو العراقي للكويت فقد أكد فاروق الشرع وزير الخارجية السوري في كلمته في مؤتمر مدريد‏1991‏ على دعم القضية الفلسطينية حيث أصر الشرع علي عدم التنازل عن متر واحد من مرتفعات الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس‏.‏

 

العلاقة المضطربة أو المتقلبة بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعدم الثقة بين الجانبين‏، وفي ظل أجواء عدم الثقة ورغبة القادة الفلسطينيين في التفرد بالقرار دون التشاور مع الأخوة، ومع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام 1991 وتأكيد سورية على تلازم المسارات العربية في المفاوضات مع إسرائيل، تفاجأت دمشق 1993 بتوقيع ياسر عرفات ‏اتفاق أوسلو للسلام الأمر الذي عمق عدم الثقة بين الطرفين حيث شعرت سورية أن عرفات قد وقع أوسلو من وراء ظهرها، أو بتعبير أخر أنه قد طعنها في الظهر وخانها، ودون أن يستشيرها أو أي طرف عربي أخر‏.‏

 

وكان من الطبيعي أن تعارض سورية وبشدة اتفاق أوسلو حيث تكلم الرئيس الراحل حافظ الأسد في أكثر من مرة "أن كل بند من اتفاق أوسلو يحتاج إلى اتفاقية"، ورغم ذلك واصلت سورية دعم فلسطين ودعم الفصائل التي رفضت الاتفاق والتي خرجت من منظمة التحرير الفلسطيني، وجعلت من هذه الفصائل فريق معارض ورافض لكل سياسات عرفات الذي ساءت علاقاته مع دمشق، التي زارها مرتين فقط بعد توقيع الاتفاق (أوسلو) الأولى عام‏1996‏ عقب تولي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء في إسرائيل والثانية في تشييع الرئيس الراحل حافظ الأسد‏.‏

 

وبعد تولي الرئيس بشار الأسد الحكم في سورية انفرجت العلاقة قليلاً مع السلطة الفلسطينية مع بروز العديد من المعطيات الإقليمية والدولية، أبرزها اندلاع الانتفاضة الفلسطينية "انتفاضة الأقصى الثانية" في أعقاب زيارة شارون المسجد الأقصى، حيث رأت دمشق في دعم الرئيس عرفات لهذه الانتفاضة وخصوصاً دعم العمل المسلح عبر "كتائب شهداء الأقصى" الجناح العسكري لحركة فتح، محاولة من الرئيس أبو عمار للتكفير ولو قليلاً على التنازلات التي قدمها في أوسلو، حيث شكلت وفاة الرئيس ياسر عرفات فرصة جديدة لتأكد دمشق دفاعها عن فلسطين وقياداتها عندما أعلن الرئيس بشار الأسد أن أبو عمار اغتالته إسرائيل بالسم في وقت سكتت فيه جميع القيادات العربية ، ودفع بالرئاسة الفلسطينية إلى فتح تحقيق رسمي في مسببات وفاة عرفات.

 

وفي عام  2003 ومع دخول القوات الأمريكية إلى بغداد جاء كولن باول إلى دمشق طالباً من الأسد مجموعة من الطلبات لتبقى سورية بعيدة عن المحاسبة الأمريكية، وكان من بينها إقفال مكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق والتي تعتبرها واشنطن معرقلة لأي حل سياسي كان ترتبه مع القيادات الفلسطينية في وقتها " عباس- دحلان" ، ولكن الأسد رفض، مؤكداً أن الفلسطينين لن يعودوا إلا إلى فلسطين.

 

ولأن العلاقات السورية الفلسطينية كانت تمر بحالات مد وجزر فدعمت دمشق حماس الإسلامية في مواجهة فتح ومن خلفها منظمة التحرير، ومنطق دمشق أنها تدعم حلف المقاومة التي تشكله مع إيران وحزب الله وحركة الجهاد الإسلامية، ورفض المفاوضات العبثية التي تجريها السلطة، حيث أيدت حماس فيما قامت به في غزة عقب رفض السلطة نتائج الانتخابات الفلسطينية 2007 وسيطرتها على القطاع بقوّة السلاح .

 

مع بداية الأحداث في سورية تلقت دمشق طعنة جديدة في الظهر من خالد مشعل قائد حماس على غرار طعنة عرفات للأب في توقيع أوسلو، وأعلن أن ما يجري في سورية ثورة مندداً بالقمع الذي تمارسه قوات الأمن السورية بحق المتظاهرين، الأمر الذي عدته دمشق خطأ لا يغتفر، مما دفع بالقيادة الحمساوية بمغادرة دمشق إلى الدوحة وإغلاق مكاتبها.

 

ذهبت بعدها العلاقات في منحى آخر تمثّل في عودة حركة فتح إلى دمشق بعد 34 سنة من القطعية مما يؤشر إلى اتفاق جديد بين السلطة الفلسطينية الممثلة برئيسها محمود عباس أبو مازن ودمشق، حيث ستكون أولى نتائجه انجاز اتفاق إخلاء مخيم اليرموك من المسلحين الذي سيطروا عليه عام 2012 تمهيداً لعودة المهجرين الفلسطينين إليه كأكبر عاصمة للشتات الفلسطيني في الخارج.


وفيما تبقى القيادة الحاكمة في سورية تدعم عدّة تنظيمات فلسيطينة مقاتلة على الأرض فإن القضية الفلسطينية ما تزال القضية التي تعدّها سورية قضيتها المركزية , ومازال الفلسطينيون في سورية يتمتعون بحقوق وواجبات المواطنين السوريين , والعلاقة أشبه بارث تاريخي متبدّل فرغم تغيّر مراكز القوة بين التنظيمات في المقاومة الفلسطينية عبر أكثر من نصف قرن يبقى هناك وضع خاص للقضية الفلسطينية لدى السوريين , كون فلسطين جزءاً من سورية الطبيعة والعلاقات الغير منتهية التي تربط الشعبين السوري والفلسطيني .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة