معهد ليفانت للدراسات

فرنسا «التائهة» على دروب دمشق

ديسمبر 04
10:08 2014

بعض ما يكشفه الصحافيان الفرنسيان كريستيان شونو وجورج مالبرونو في كتاب «دروب دمشق… الملف الأسود للعلاقة الفرنسية ـ السورية»، يرقى إلى مستوى الفضائح السياسية، لا سيما ما يتعلق بـ«الخفة» التي تعاطت فيها باريس مع الأزمة السورية.
الكتاب «التحقيق» يستند إلى مقابلات مع مسؤولين فرنسيين وسوريين وعلى وثائق ومراسلات دبلوماسية. ويسلط العمل الضوء على الوجه الخفي لعلاقات باريس بدمشق منذ اربعين سنة بما عرفته من «توتر، وأشهر عسل ومصالحة وطلاق»، قبل أن تصل الآن إلى «حقد» تجذر منذ عام 2011.

كما كادت الطائرات الفرنسية تقصف سورية عام 2013 لولا تراجع الرئيس الأميركي باراك أوباما في اللحظات الأخيرة ليحرم نظيره الفرنسي فرانسوا هولاند من متعة الضغط على الزناد لـ«تأديب» النظام على استخدام السلاح الكيماوي. فكل شيء كان جاهزاً، حتى اسم العملية، وتم تحديد نحو «عشرين هدفاً» سورياً من بينها «مراكز قيادة ومقار للسلطة». وما يكشفه الكتاب هو أن «البحرية الفرنسية التي كانت تستعد للمشاركة بضرب سورية اكتشفت ان البوارج الروسية في وضعية هجومية على كامل الشواطئ السورية وليس فقط في طرطوس»، وبالتالي خطر اسقاط طائرات فرنسية كان احتمالا قوياً. ولإقناع الرأي العام المعارض بغالبية 86% منه للتدخل طلب الرئيس فرنسوا هولاند نشر تقرير استخباراتي حول الكيماوي السوري، وهنا يكشف الكتاب أن «الإليزيه» تلاعب بالتقرير، اذ كان التقرير يتضمن احتمال ان يكون «اطلاق نار كلاسيكي للجيش السوري اصاب مختبرات كيماوية سرية للمتمردين»، لكن ببساطة سحب هذا الجزء من التقرير، ليبقى منسجماً مع «الخط السياسي» للإليزيه. وإذ تنفي باريس امتلاك مجموعات معارضة مواد كيماوية، يؤكد رئيس مكتب الأمم المتحدة السابق في دمشق مختار لماني أن: «مجموعة من المعارضة أدخلت عبر اعزاز (شمال حلب) مكونات كيماوية»، وأن المعارضة استخدمت مواد كيماوية في خان العسل في حلب في نيسان/ ابريل 2013.

 

 


بدأ تدخل باريس في الازمة السورية باكراً بأشكال مختلفة. ففي 2012 كان هناك «مرتزقة فرنسيون» في باب عمرو في حمص، وعندما اصيبت مراسلة «لو فيغارو» ايديث بوفييه، اتصل برنار سكوارسيني رئيس الاستخبارات الداخلية بنظيره علي مملوك وحصل على وقف لإطلاق النار لاخراجها في سيارة الهلال الأحمر إلا أنها رفضت الصعود إلى السيارة، وقالت إنها لا تثق بالهلال الأحمر. وفي الاثناء كان جهاز الاستخبارات الخارجية يعمل لاخراجها عبر لبنان بمساعدة اطراف لبنانية وأُجري ذلك بمساعدة الجيش الحر واستخدام انفاق عبر القصير. وتبيّن أن الصحافية لم تكن بمفردها وأن الغاية كانت اخراج مرتزقة فرنسيين يساندون مقاتلي المعارضة ضمن ما يعرف بكتيبة ابو بكر. وبالمناسبة ايديث بوفييه كانت كتبت في «لو فيغارو» بتاريخ 23/12/2011 عن «الليبيين الذين يساندون الثوار السوريين»، وتحدثت خاصة عن وجود مقربين من الاسلامي الليبي عبد الحكيم بلحاج.

الحكومة للاستخبارات: يجب التحرك لإسقاط النظام

قصة اخراج الصحافية، التي استغلها ساركوزي لإعلان إغلاق السفارة الفرنسية من دون ابلاغ السفير اريك شوفالييه، تكشف عن «صراع اجهزة» بين الاستخبارات الداخلية والخارجية رغم ان الجهازين كانا مقتنعين بأن النظام لن يسقط سريعاً، إلا أن «الاستخبارات الداخلية لاحظت سريعاً يد السلفيين والجهاديين بينما استمرت الاستخبارات الخارجية بمسايرة السلطات في باريس وشيطنة النظام». وينقل الكتاب شهادة أحد العاملين في الاستخبارات الخارجية: «منذ البداية كانت تقارير عملائنا على الارض تؤكد ان النظام صلب ولا بديل ذي صدقية له، لكن في باريس كانت ادارتنا تتلقي تعليمات من الحكومة انه يجب التحرك وكان علينا تقديم خطة لاسقاط بشار، وتهيئة ظهور معارضة تتمتع بصدقية ومن دون الوقوع في الفوضى. فهذا تناقض والمهمة غير محبذة لأن عملنا التحليل وليس التحرك».
لم يقتصر اختلاف التقدير على الاجهزة الامنية وبين الأمنيين والسياسيين. فسفير فرنسا في دمشق اريك شوفالييه غرّد بداية الأزمة خارج سرب وزيره الان جوبيه، وتجرأ على ارسال تقارير تقول إن النظام صلب ولن يسقط بسرعة، فاستدعي على عجل إلى اجتماع في باريس، ترأسه مدير مكتب الوزير هيرفيه لادسو، لعدد من الدبلوماسيين وتحول إلى «مشاجرة» وبخاصة بين مستشار الرئيس نيكولا ساركوزي للشرق الاوسط نيكولا غاليي والسفير الآتي من دمشق «غير المحبوب» في الخارجية. لم يأت غاليي إلى الاجتماع للمناقشة بل بمهمة، وهي ابلاغ كل من يهمه الأمر وخصوصاً شوفالييه: أن «النظام سيسقط لأنه يجب أن يسقط»، وعندما احتد الجدال وأصر شوفالييه على حججه وبأنه رجل الميدان، أجابه غاليي: «لا تهمنا معلوماتك». فهم شوفالييه أن الحفاظ على منصبه يتطلب التزامه السرب وأنه غير مسموح لأحد في الخارجية التعبير عن رأي مخالف.
جزء أساسي من معلومات الخارجية الفرنسية كان مصدرها المعارضة. بداية راهنت باريس بشكل خاص على الثنائي برهان غليون وبسمة قضماني القريبين منها، و«قضماني كانت تجد آذاناً صاغية في الخارجية، وكانت تأتي مع اصدقائها لتخبرنا عن قريب يستعد للتخلي عن النظام وعن عمّ يستعد للانشقاق. اللقاءات معهم (المعارضين) اصبحت امراً لا يصدق، لكن رغم ذلك كنا نصدقهم»، يتذكر اليوم احد الدبلوماسيين.

بوتين للأسد: أمن سوريا من أمن روسيا

يتطرق الكتاب إلى اهتمام فرنسا المبكر بالاسلام السياسي، إذ اقنع بعض الدبلوماسيين، وعلى رأسهم باتريس باولي (رئيس قسم الشرق الاوسط في الخارجية والسفير الحالي في بيروت)، وزيرهم الان جوبيه بضرورة اعطاء فرصة للاخوان المسلمين في تونس ومصر. وفي الكواليس يشار إلى سورية ايضاً. كما ينقل الكتاب عن السفراء أن «باتريس باولي كان ابرز المشجعين للاسلام السياسي الممول من قطر حليفتنا الاولى في الشرق الاوسط». ويذكر أن باولي ودبلوماسي آخر هو لودفيك بويي التقيا سراً لمرات عدة في جنيف بقادة اسلاميين من اكثر من دولة عربية في اطار لقاءات نظمتها منظمة الحوار الانساني، وتمت هذه اللقاءات قبل بداية ما يسمى الربيع العربي. وبعد ثلاث سنوات اكتفى جوبيه بالقول لاحد مؤلفي الكتاب: «لقد اسأنا تقدير قدرة النظام على البقاء واخطأنا ايضاً بشأن المعارضة عندما نرى انقساماتها اليوم». أما في سورية فأعد الاسلاميون الارضية المناسبة للعسكرة لأنهم كانوا على قناعة بأن الغرب سيأتي لمساعدتهم كما فعل في ليبيا. وفي هذا السياق ينقل المؤلفان عن نائب رئيس الوزراء السوري الاسبق عبدالله الدردري: «سمعت بأذني في بداية الحراك تنصتاً على اتصالات من السعودية يقولون فيها لأتباعهم في سورية: نريد دماً».

لم تخطئ فرنسا التقدير فقط في ما يتعلق بالوضع الداخلي السوري بل بمدى صلابة الموقف الروسي. وهنا يستشهد المؤلفان مرة جديدة بالدردري إذ ينقلان عنه: «كيف يمكن أن تخطئوا ايها الفرنسيون، فقد شاركت في ثلاث زيارات للرئيس بشار الاسد إلى موسكو وفي كل مرة كان بوتين يبدأ حديثه بالقول لبشار إن أمن سوريا من أمن روسيا وإن مخازن أسلحتنا هي مخازنكم». كما رفضت باريس مشاركة ايران في مؤتمر لحل الأزمة، وهو ما كررته دبلوماسية فرنسية خلال عشاء على شرف مختار لماني في بيروت، فرد عليها الدبلوماسي الأممي: «لا حل في سورية من دون ايران لكن يمكن التوصل إلى حل من دون فرنسا».
بعد كل فشل الرهانات الفرنسية وتحول الاهتمام الى مسألة الجهاديين وصلت الدبلوماسية إلى طريق مسدودة يعبر عنها المؤلفان باستعارة عنوان فيلم نادين لبكي «هلأ لوين». ويتطرقان إلى محاولة فتح قناة اتصال امنية مع دمشق عام 2013، وكان الرد السوري: لا تعاون أمنياً من دون سياسة، أي فتح السفارة.

هواتف شيراك المباشرة

وإذ يبدو منطقياً التركيز على الشق المتعلق بالسياسة الحالية، إلا أن الكتاب يكشف أيضاً خفايا متعلقة بفترات سابقة، ودائماً كان لبنان نقطة الخلاف الاساسية، في ملف أسود يبدأ باغتيال السفير الفرنسي في لبنان لوي دولامار عام 1981 وتبادل الرسائل الدموية. إذ اعطى فرانسوا ميتران إذناً لاستخباراته بـ«التصفية الجسدية» لأعداء فرنسا، ونفذت الأجهزة الفرنسية الأمر بتصفية الفاعلين المتهمين بقتل السفير. فقد كان من الصعب اجراء اي تحقيق في لبنان لكن بعد يومين من الاغتيال اتصل «صديق لفرنسا» هو بشير الجميل بأحد الدبلوماسيين الفرنسيين وطلب منه زيارته فوراً في مكتبه، وهناك قدمه لرئيس جهاز الاستخبارات في القوات ايلي حبيقة وقال للدبلوماسي: «سيعطيكم (ايلي) اسماء من نفذ عملية اغتيال السفير دولامار»، فأبلغه حبيقة بأن المنفذين «اثنين من الشيعة ينتميان إلى الصاعقة، ميليشيا تعمل لمصلحة الاستخبارات السورية في لبنان». وبعد شهرين ونصف الشهر من اغتيال السفير نفذ عملاء للاستخبارات الفرنسية تفجير الأزبكية في دمشق في29 تشرين الثاني 1981، الذي راح ضحيته 175 شخصاً من السوريين. وزاد التوتر السوري ـ الفرنسي مع تفجير مقر مجلة «الوطن العربي» المناهضة لسورية في باريس عام 1982، وفي اليوم نفسه استدعت باريس سفيرها من دمشق. وبعد سلسلة تفجيرات فضّل ميتران الواقعية السياسية وزار دمشق عام 1984، ليفتح صفحة جديدة مع دمشق. أما جاك شيراك فكان يحب الاتصال المباشر ووضع خطاً هاتفياً مباشراً بين الاليزيه ومكتب الرئيس السوري حافظ الأسد، وبعد وصول الرئيس بشار الاسد الى السلطة كان يتلقى اتصالاً من شيراك كل يوم جمعة. كما وضع خطاً مباشراً في قصر قريطم لدى صديقه رفيق الحريري (وبقي الهاتف بعد الاغتيال بتصرف نجله سعد). وحده الرئيس اميل لحود رفض وضع خط مباشر مع الاليزيه في بعبدا، اذ قال لحود لأحد المؤلفين: إنه خلال قمة الفرانكفونية في كندا 1999، قال شيراك: «بإمكاننا عبر هذا الخط التحدث بعيداً من تنصت جيرانك السوريين، وأجبته بأن ليس لدي ما أخفيه تحت الطاولة ولا حاجة إلى خط خاص».
الهواتف المباشرة كانت في عز شهر العسل السوري ـ الفرنسي قبل أن يحدث الطلاق، ويتحول شيراك إلى ألد اعداء النظام بعد اغتيال الحريري عام 2005.

جريدة الأخبارسامر سعد
2-12-2014

 

 

تقارير ذات صلة