معهد ليفانت للدراسات

غرب الفرات بيد الجيش التركي .. ماذا بعد جرابلس ؟

غرب الفرات بيد الجيش التركي .. ماذا بعد جرابلس ؟
سبتمبر 09
12:39 2016

بقيت مدينة جرابلس السورية تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية ثلاث سنوات، قبل أن يدخلها الجيش التركي منذ حوالي 3 أسابيع مع قوة من الفصائل المسلحة السورية المعارضة التي تدعمها أنقرة، في أول توغل كبير للقوات الخاصة التركية منذ عملية شباط 2015 التي نقل خلالها ضريح سليمان شاه جد مؤسس الإمبراطورية العثمانية.

تكثر الأسباب والأهداف والطموحات التركية من وراء هذه العملية، بين المعلن والمخفي، وبحسب التصريحات التركية فإن هدف العملية التي أطلق عليها اسم "درع الفرات" إزالة المخاطر الناجمة عن تنظيم "داعش" وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي تعتبره أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض حرباً دموية منذ أكثر ثلاثة عقود ضد الدولة التركية في جنوب شرقي البلاد، وكان الأتراك قد طالبوا المقاتلين الأكراد في سورية بالعودة إلى شرق نهر الفرات، بعد سيطرتهم على منبج الواقعة غرب الفرات، وتقول تركيا منذ وقت طويل إن وجود الأكراد في غرب الفرات "خط أحمر" لن تقبل بتجاوزه.
 

ربما كان التوغل في جرابلس هو الشق الأسهل، فبدعم من دبابات وطائرات وقوات خاصة تركية تمكنت فصائل المعارضة المكونة من مقاتلين عرب وتركمان، تحت راية الجيش السوري الحر الفضفاضة، من طرد التنظيم من جرابلس في غضون ساعات، لكن التقدم غرباً وتأمين شريط حدودي طوله 90 كيلومتراً تسيطر عليه الدولة الإسلامية، وترى أنقرة أنه يمكن أن يكون منطقة عازلة محتملة، قد لايكون بالمهمة السهلة مع مقاتلين يبلغ عددهم نحو 1500 فقط، وهو مايفسر الحديث مؤخراً عن طلب تركيا من الفصائل المسلحة التي تقاتل جنوب حلب الانسحاب من هناك لصالح دعم عمليتها العسكرية في الشمال.
 

كان لواشنطن وهي شريكة تركيا في حلف شمال الأطلسي موقف لافت من عملية "درع الفرات"، وقد حثت أنقرة على تجنب المواجهة مع القوات المتحالفة مع الأكراد وأن تمضي بدلاً من ذلك في تركيزها على المعركة المشتركة ضد الدولة الإسلامية، وهي اليوم تتحرك على أكثر من صعيد لمنع مواجهة كبيرة بين القوات الكردية من جهة والقوات التركية والفصائل المساندة لها من جهة أخرى. 
 

الولايات المتحدة تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية السورية أقوى حليف لها ضد تنظيم "داعش"، لكن في المقابل ترى تركيا ترى أنهم جماعة إرهابية، وتشعر بالقلق من أن يشجع تقدمهم في شمال سورية تمرداً كردياً في الداخل التركي، وقالت إنها ليست في حاجة إلى من يحدد لها الجماعات الإرهابية التي تقاتلها.
 

بعد جرابلس تتجه أنظار أنقرة نحو مدينة الباب الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية، بالقدر الذي تتجه فيه أنظارها نحو منبج التي تبعد عن جرابلس حوالي 30 كيلو متراً وتطالب تركيا بخروج الوحدات الكردية منها، ويبدو أن السيطرة على الباب في الجنوب ستكون أمراً بالغ الأهمية للجماعتين .
 

وعلى الرغم من القلق الذي حمله بيان وزارة الخارجية الأميركية تجاه الاشتباكات الحاصلة جنوب مدينة جرابلس، لا يبدو أن أنقرة تتجه نحو التمهّل في عمليّتها العسكرية عقب السيطرة على المدينة والريف المحيط بها، بل على العكس، تشي التطورات الميدانية الأخيرة بأن القوات التركية ستتقدم بتسارع نحو مدينة منبج، بعدما فرضت سيطرتها على جميع القرى المتاخمة لنهر الساجور (من الجهة الشمالية)، إضافة إلى تقدمها شرق بلدة الراعي بموازاة الحدود، في محاولة لوصل محوري الهجوم وعزل الحدود التركية في المنطقة بين جرابلس شرقاً وأعزاز غرباً.
 

وفي ظل "تحفظ" واشنطن عن الاشتباكات وإعلانها عدم التدخل في دعم أي طرف من أطرافها، قد تكون قوات "سورية الديمقراطية" بزعامة الأكراد في الأيام القليلة المقبلة في مواجهة غير متكافئة مع قوات مدعومة بالمدفعية والمقاتلات التركية، بعدما كثّفت القوات الجوية التركية من استهدافاتها، في ظل انكفاء الغطاء الجوي لالتحالف الأمريكي، ومطالبتها الوحدات الكردية بالانسحاب إلى شرق نهر الفرات.
 

وكانت تركيا قد ضغطت مراراً من أجل إقامة "منطقة عازلة" داخل سورية، لكن الفكرة لم تلق آذاناً صاغية لدى أعضاء حلف شمال الأطلسي الذين يرون أن خطوة مثل هذه تتطلب تدخلاً لفترة طويلة وغير مضمونة النتائج، وقد قال جيمس ستافريديس، وهو القائد الأعلى السابق لحلف شمال الأطلسي عميد كلية فليتشر بجامعة توفتس "من أجل إقامة منطقة عازلة سيتعين على تركيا أن تحتفظ بقوة كبيرة على الجانب السوري من الحدود"، وذكر أن مثل هذه الاستراتيجية تبدو غير مرجحة على الفور، لكنه أضاف أنه لا يمكن استبعادها على المدى البعيد، وقال إنه "سيكون أمام تركيا مجموعة من الخيارات الصعبة بعد أن دخلت في عمليات عسكرية جدية في سوريا".
 

أخيراً ما زالت أحاديث تدور وتفيد بأنّ الدور التركي غير بعيد عن دائرة التفاهمات الروسية الأميركية. وعلى هذا الأساس، فإن الحديث عن فرض تركيا "منطقة آمنة" في جرابلس ومحيطها قد يبقى ضمن هذا السيناريو خطوة محدودة، الهدف منها لجم الاندفاعة الكردية، بعد تحرير منبج من قبل قوات "سورية الديموقراطية"، ومنع الأكراد من فرض أمر واقع في الشمال السوري، يعزز طموحاتهم الفدرالية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة