معهد ليفانت للدراسات

غارات التحالف على دير الزور .. طلقة في رأس التسوية؟

غارات التحالف على دير الزور .. طلقة في رأس التسوية؟
أكتوبر 13
20:55 2016

الهدنة التي كان يفترض أن تقود إلى إحياء التسوية السورية، تحولت إلى نقمة كان كثيرون يخشونها .. 300 خرق من جانب الفصائل المسلحة المعارضة لأيام التهدئة، عجّلت بنعيها، ثم جاءت غارات التحالف الدولي بقيادة واشنطن على دير الزور تتويجاً دموياً لدفن التفاهم الأميركي ـ الروسي، ويبدو أن جون كيري أعلن استسلامه لرؤية "صقور" الإدارة الأميركية بأن التعاون مع موسكو ودمشق ليس مستحباً، وذهب وزير الخارجية الأمريكي أبعد من ذلك عندما حمّل الجيش السوري مسؤولية الغارات على مواقع الجيش في دير الزور.
 

هاجمت طائرات تابعة لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هدفاً داخل مدينة دير الزور السورية في 17 أيلول الجاري، أسفرت عن مقتل 60-90 جندي سوري وجرح حوالي مائة آخرين، الأمر الذي خلق صيحة احتجاج وغضب من قبل دمشق وموسكو، بينما أثيرت تساؤلات كثيرة حول أهداف عملية القصف ونتائجها.
 

ورغم إعراب المسؤولين الأمريكيين ​​عن أسفهم لعملية القصف، إلا أن انعدام تفاصيل كاملة وواضحة من قبل واشنطن، جعل صورة الحادث غريبة وضبابية، تلتها جملة من التصريحات الروسية الأمريكية وتبادل الاتهامات بعرقلة اتفاق وقف الأعمال القتالية في سورية .. أكثر من ذلك لم يتم تجديد الهدنة الأسبوعية التي أعلنت عقب الاتفاق الروسي الأمريكي قبيل عيد الأضحى، لتصبح ميتة أو شبه ذلك.
 

المقر السوري المستهدف بالقصف كان جبل الثردة، الذي هو عبارة عن سلسلة من التلال التي تشكل نقاط أساسية للدفاع عن المطار، على بُعد أربعة كيلومترات شمالاً، وكذلك عن الجزء من المدينة الواقع تحت سيطرة الحكومة، مع العلم أن المطار والجزء الواقع تحت سيطرة الحكومة مطوق ومحاصر من قبل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، وبالتالي يُعتبر المطار الوسيلة الوحيدة لتزويد المدينة بالإمدادات – وخط الدفاع الأهم عنها.
 

أهمية جبل الثردة كخط للدفاع عن المطار والذي سقط بيد "داعش" عقب غارات التحالف هو مارجح فرضية أن تكون الضربة الأمريكية بقصد إخراج الجيش السوري من دير الزور فتصبح الجزيرة السورية خالية من أي تواجد للحكومة باستثناء بعض المواقع في مدينة الحسكة، وبالتالي يصبح لواشنطن الكلمة العليا هناك مع قوات الحماية الكردية وفصائل أخرى معارضة تدعمها، ويمكنها بعد طرد "داعش" عبر هذه القوات السيطرة على منابع النفط هناك والتحكم بها ومنع الحكومة السورية من الاستفادة منها ومن خيرات الجزيرة الزراعية، واستخدامها أيضاً كورقة بديلة عن حلب للتفاوض على مستقبل سورية، حيث باتت حلب قاب قوسين أو أدنى من وضع الجيش السوري يده عليها، إلا حدث حدثت مفاجئات غير متوقعة هناك.
 

وسائل الإعلام الأميركية كانت تحدثت قبل أيام فقط من حادثة دير الزور عن معارضة "البنتاغون" للاتفاق الأميركي الروسي، وخاصة التعاون العسكري مع روسيا، مادفع الكثيرين من المعنيين والمطلعين لكي ينظروا إلى حادثة دير الزور على أنها محاولة من قبل "البنتاغون" لإحباط الاتفاق الأميركي الروسي، فيما يبدو موضوع التعاون الأميركي الروسي العسكري هو القرار الأساس الذي يواجهه أوباما، الذي يظهر حتى الآن أنه مؤيد للتعاون لكن ليس بشكل علني وواضح، سواء أكان في سورية أم في ليبيا أو أوكرانيا، أنصاف الحلول التي يعتمدها أوباما لها تداعيات خطيرة، وفي أحسن الأحوال ستعرقل التسوية السورية، وتبقي على ملفات كبيرة عالقة ستكون بانتظار الرئيس الأمريكي المقبل، وقد كشف استهداف طيران التحالف الأمريكي للجنود السوريين الصعوبات التي يعاني منها البيت الأبيض بوضع استراتيجية متماسكة في الحرب السورية، كما أن للولايات المتحدة أهداف متناقضة في هذه الحرب، من هزيمة "داعش" إلى إزاحة الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم.
 

حادثة دير الزور سمحت للحكومة الروسية بأن تقول أن خلفية الحادثة هي الرفض الأميركي لمشاركة المعلومات الاستخباراتية، وسمحت كذلك للحكومة السورية بالقول أن واشنطن تحاول حماية "داعش"، كما عززت الضربات الأمريكية انعدام الثقة بين موسكو وواشنطن، ويمكن ملاحظة شدة اللهجة التي صبغت بيان الخارجية الروسية، عقب الغارات، حيث اتهم الطيارين الأميركيين بالتواطؤ مع تنظيم "داعش"، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا "إننا نصل إلى نتيجة مروعة حقا للعالم بأسره أن البيت الأبيض يدافع عن الدولة الإسلامية.. الآن لا يمكن أن يكون ذلك محلّ شك".
 

منذ الغارات الأمريكية على دير الزور حتى اليوم تنشط الجهات الفاعلة والمتصارعة لمحاولة إحياء الهدنة للمرة الثانية بعد أن أجهضتها الشكوك المتبادلة وعدم تنفيذ الأمريكيين للاتفاق الأخير مع الروس القاضي بفصل جبهة النصرة عن المعارضة المعتدلة والتعاون العسكري لاستهداف المجموعات المصنفة إرهابية أممياً في سورية، مقابل اتهام واشنطن لموسكو ودمشق بعدم تنفيذ الشق المتعلق بإدخال المساعدات الغذائية والطبية إلى مناطق المعارضة المحاصرة خاصة في حلب، علماً أن دمشق لم ترفض ذلك لكنها طالبت بإشرافها على تفتيش قوافل المساعدات، وهو ماترفضه واشنطن ويردده المبعوث الأممي إلى سورية ستافان دي ميستورا، فهل تأتي الاجتماعات المتلاحقة للأطراف الفاعلة بأخبار سارة للسوريين متعلقة بإعادة إحياء الهدنة والمضي نحو التسوية السياسية أم أن العودة إلى الخيار العسكري بات السبيل الوحيد لجميع الأطراف؟

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة