معهد ليفانت للدراسات

عين العرب.. صورة للأزمة الكردية

أكتوبر 09
13:16 2014

   بدت معارك "عين العربّ (كوباني) مشهداً ينقل الصراع في سورية نحو إطار مختلف، فرغم أنها ليست أكبر المدن التي تضم سوريين أكراد، لكنها تشكل نقطة الانتقال باتجاه "الموضوع الكردي" وانعكاساته داخل المنطقة عموماً، فأهمية المعارك لم تكن في أنها ستحدد مستقبل الصراع الدائر، بل في أنها ستحدد مستقبل الحدود الشمالية والشمالية الشرقية لسورية، ورغم أن التركيز يتجه نحو "الدور التركي" إلا أن السوريين الأكراد هم عمق أزمة هذه المنطقة، وفي المقابل فإن الحركة السكانية التي شهدتها "عين العرب" ستؤثر مستقبلاً على طريقة التعامل مع التوزع الكردي في جغرافية بلاد الشام عموماً.

 منتصف الطريق

    تبعد "عين العرب" حوالي 160 كم عن مدينة حلب، وهي تشكل المدخل باتجاه مناطق السوريين الأكراد غرب نهر الفرات، وظهرت تاريخياً من تداخل قريتين (كانيه عربان وكانيه مرشد)، ورغم انتشار الآثار التي تعود للعهدين الآرامي والآشوري حولها، لكنها لم تأخذ موقعاً حقيقياً إلا في مرحلة الانتداب الفرنسي، وذلك مع إعادة ترسيم الحدود بشكل نهائي مع تركيا "الأتاتوركية"، فغدت بوابة حدودية أساسية ومعبراً لأكراد تركيا باتجاه سورية، فجغرافيتها شكلت مركز الانطلاق والانتشار للأكراد خلال مراحل نشوء الدولة الإقليمية في بلاد الشام، فشكلت منتصف الطريق باتجاه الشرق والغرب، وهو ما أكسبها قيمتها الرمزية الحالية، خصوصاً أنها انخرطت أيضاً في الصراع ما بين الأكراد والدولة التركية في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي قبل أن يتم اعتقال عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني.

   عملياً شهدت "عين العرب" اهتماماً فرنسياً واضحاً كونها نقطة الاتصال مع تركيا خلال مرحلة الانتداب التي شهت تحولاً ديموغرافياً كان الأكراد العامل الرئيسي فيه، فأصبحت مدينة بداية عهد الاستقلال يتبع لها ما يقارب 440 قرية، ووفق بعض لمصادر فإن سكان هذة المنطقة يقارب 300 ألف نسمة. وينقل تطور "عين العرب" خلال القرن الماضي صورة لأزمتها الحالية، فعندما يتم الحديث اليوم عن 140 ألف لاجئ نتيجة المعارك مع داعش، فإن هذا الرقم لا يشكل فقط حالة إنسانية بل يتخلله عاملان:

  • الأول أن معظم قاطني "عين العرب" من السوريين الأكراد يملكون علاقات قديمة مع الأكراد على الجانب الآخر في تركيا، وهي ليست علاقات تجارية بل يمكن وصفها بـ"التجربة التاريخية"، لأنها شهدت مرحلة الاقتسام التاريخي وتصفية الحلم الكردي بإنشاء دولة بعد معاهدة سيفر، فهناك عائلات انقسمت على أطراف الحدود، وهناك تجارب سياسية خاضها سكان تلك المناطق خلال نشاط حزب العمال الكردستاني.
  • الثاني هو الخلل الديموغرافي الذي يمكن أن يحدثه اللاجئون على الجانب التركي؛ كون معظمهم من الأكراد، علماً أن الحكومات التركية المتعاقبة أجهدت نفسها بخلق عملية فصل تام مع السوريين الأكراد، بل وأكثر من ذلك فإن التهجير المتدرج عبر الحدود استمر لعقود، وخلق حالة سياسية خاصة في سورية بقيت عالقة منذ عام 1962.

   إن إطلاق اسم "كوباني" على عين عرب يعبر عن تحولات "الأزمة الكردية" في سورية، حيث لا يوجد جذر في اللغة الكردية حول هذا الاسم، وهو انتشر مع الحركة السكانية التي شهدتها المدينة، وكانت انعكاسا لرؤية الدولة التركية ومقارباتها للحالة القومية منذ تأسيس أتاتورك للجمهورية وحتى اليوم، وما يدفع لقراءة هذا الأمر أن السوريين الأكراد فيها ينحدرون من جملة قبائل توحدت باسم "اتحاد قبائل برازي"، في المقابل فإن قبائل البرازي تتواجد في سورية قبل هذا التاريخ، وتصل إلى الوسط السوري في مدينة حماه، وهذا التداخل شكل فارقاً رئيسياً فيها، ففي الوقت الذي انتشرت فيه الأحزاب الكردية في سوريا منذ عام 1957 على سياق الأحزاب الكردية في العراق، فإن سكان عين العرب وجدوا في "حزب العمال الكردستاني"، وهو نموذج تركي للأحزاب الكردية، مجالاً سياسياً لنشاطهم، وهو ما يفسر حدّية الصراع الحالي والاتهامات الموجهة لتركية بتمويل تنظيم داعش.

معارك اليوم والأمس

   رغم الهدوء لعقود على الحدود الشمالية والشمالية الشرقية لسورية، لكن هذا الأمر لم يعكس ارتياحاً أو حتى استقراراً على المستوى السكاني على الأقل، فالمنطقة بذاتها تحمل احتكاكاً على مستوى التنوع الثقافي والاثني، ومعارك اليوم تشكل الذروة في هذا الموضوع بعد عقود من إعادة التوزع السكاني الذي بدأته تركيا في مرحلة التأسيس عبر تهجير القرى السريانية، فهي خلقت حزاماً سكانيا يساعدها في عمليات الفرز، وكان الأكراد أحد العناصر الأساسية في هذه العملية، والمعارك التي بدأت في 18 من شهر أيلول 2014 بين "داعش" وعناصر "حماية الشعب الكردي YPD" لن يشكل خارطة سكنية جديدة بقدر كونه محاولة للتحكم التركي بالاحتمالات المختلفة، فوجود عدو واحد واضح المعالم مثل داعش هو أفضل بالنسبة لتركيا من اختلاط الأوراق مع عدو محتمل مثل السوريين الأكراد، وهذا الأمر أدّى عملياً إلى إغلاق الحدود أمام ما يقارب من 200 ألف مواطن هربوا من مناطق القتال في عين العرب، لكن هذا الإغلاق كان مستحيلاً نظراً لوضع المدينة المتاخم للحدود التركية، إضافة لوجود عمق كردي داخل تركيا.

   في المقابل وعلى الطرف السوري فإن المعركة تظهر بوجه "إيديولوجي"، حيث يصطدم مشروع "دولة الخلافة" بـ"الإدارة الذاتية" التي أنشأها السوريين الأكراد في تلك المنطقة، وهي إدارة مناوئة للحكومة التركية وعلاقتها بالسلطة في دمشق ملتبسة كونها لا تعلن عن مشروع إسقاط النظام، ولا تفرض بشكل مطلق الدولة السورية على غرار باقي الفصائل المسلحة في سورية، وعند هذه النقطة تتوافق أهداف "داعش" مع أهداف الحكومة التركية، فالطرفان يسعيان لإحداث تحول في الديموغرافيا كمقدمة لخلق تحولات سياسية، مع ملاحظة ثلاث أمور أساسية:

  • لا يحمل مشروع حزب العدالة والتنمية نفس النظرة التركية السابقة للأكراد، فهو يعتبرهم هامشاً أساسياً لهذا المشروع، وهذا الهامش ليس تعايشاً بل انسجاماً مع مشروع شرق أوسطي "فوق قومي" بالنسبة لبلاد الشام وانطلاقاً من تركيا التي تسعى للبقاء على تمايز واضح بالنسبة لقوميتها.
  • إن مشروع العدالة والتنمية يعرف أن الموضوع الكردي هو بوابة للعلاقات الإقليمية وخصوصاً مع إيران، فاقتسام الأدوار لا يمكن أن يستقيم دون استيعاب هذه الأزمة وفق أدوار متباينة.
  • رمزية عين العرب بالنسبة للأكراد مرتبطة بحزب العمال الكردستاني تحديداً، وهو ما يجعل تركيا مربكة تجاه "التحالف الدوليّ ضد داعش الذي يقوم بخلق التحولات الكانية المطلوبة وتصفية المشاريع السياسية القائمة بما فيها الإدارة الذاتية.

   مستقبل "عين العرب" لن يحدد مسار الحدث في سورية، ولن يدفع داعش إلى عمق بلاد الشام، لكنه عامل إضافي سيوجد تداعيات مختلفة، فهي ليست المدينة التي تحوي التجمع الأكبر للسوريين الأكراد لكنها في المقابل تملك بوابة هامة لرسم مستقبل بلاد الشام من الشمال، فهي مجرد نموذج في عملية التحكم بالأزمة السورية، احتمال التدخل التركي هو ليس خياراً على المستوى السياسي، بل محاولة جادة للتأثير بمسار التحولات الديموغرافية التي بدأت في القرن العشرين ويبدو أنها لم تنته بعد، لأن على ايقاعها تظهر التحولات الأعمق داخل بلاد الشام عموماً.

* جميع الحقوق محفوظة – راجع شروط الاستخدام – معهد ليفانت للدراسات .

 

تقارير ذات صلة