معهد ليفانت للدراسات

عودة العلاقات التركية الروسية .. ماذا ينتظر سورية ؟

عودة العلاقات التركية الروسية .. ماذا ينتظر سورية ؟
يوليو 22
19:31 2016

بعد أيام من تطبيع تركيا العلاقات مع روسيا، الحليف الاستراتيجي لسورية، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن حل الأزمة السورية ممكن، معتبراُ أن على الجميع أن يقدّم التضحيات اللازمة في هذا الخصوص، وأضاف أن "الحرب القائمة في سورية ستنتهي وتعود الأيام الجميلة مرة أخرى، وكذلك سيكون الأمر في كل من مصر والعراق"، دون أن تقديم تفاصيل إضافية ..

من البديهي أن تستدعي عودة العلاقات بين تركيا وروسيا التركيز على انعكاس ذلك على الملف السوري، سيما وأنه كان سبباً رئيسياً للخلاف بين موسكو وأنقرة، ولا يمكن النظر إلى التطور السريع في العلاقات الروسية التركية بمعزل عما يدور في الساحتين العالمية والإقليمية؛ حتى يتسنى معرفة ماذا تريد موسكو من أنقرة والعكس.
 

الإشارات الإيجابية التي أطلقها المسؤولون الأتراك تباعاً حيال أثر الحدث على مستقبل سورية والمنطقة، عكّرت صفوها تصريحات رأس السلطة في أنقرة رجب طيب أردوغان، فيما يبدو أنها رسالة طمأنة للمعارضة السورية، بالقول أن موقف بلاده من الملف السوري لن يتغير. قد يكون ذلك من باب تبادل الأدوار، ولايخفى على المراقبين تبدّل السياسة الخارجية التركية منذ مغادرة داوود أوغلو رئاسة الحكومة وتسلّم بن علي يلدريم، لتظهر وكأنها نهج جديد وانعطافة تركية في الكثير من الملفات بدءاً من إعادة العلاقات مع إسرائيل ثم روسيا، وصولاً إلى التصريح الأخير لرئيس الوزراء التركي، والذي قال فيه "نعتزم توسيع صداقاتنا في الداخل والخارج، ولقد بدأنا في فعل ذلك خارجياً، حيث أعدنا علاقاتنا مع إسرائيل وروسيا إلى طبيعتها، ومتأكد من عودتها مع سورية أيضاً".
 

موسكو أيضاً خرجت بتصريحات مشجعة في هذا الشأن، رغم اختلاف الآراء والتوجهات مع أنقرة حيال سورية، ومؤخراً قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، من العاصمة الأذرية إن "تطبيع العلاقات بين روسيا وتركيا سيساعد البلدين على إيجاد سبُل مشتركة ذات تأثير أكبر في حل الأزمة السورية، وكان واضحاً أكثر في الحديث عن مساعٍ مشتركة لحل الأزمة السورية بقوله "سنعمل على إجراء مفاوضات أكثر وضوحاً من أجل تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، والمجموعة الدولية لدعم سورية".
 

تصريحات المسؤولين الأتراك والروس جميعها تشير إلى نوع من التعاون القادم بين البلدين في سورية، وقد قالت أنقرة بُعيد عودة العلاقات إنها تريد التعاون مع موسكو في قتال تنظيم "داعش" في سورية، لكنها نفت أن تكون أشارت إلى إمكانية السماح لروسيا باستخدام قاعدة إنجيرليك الجوية التركية بالقرب من الحدود السورية، قابله ترحيب روسي بإعادة تبادل المعلومات مع الأتراك لقتال "داعش" في سورية.
 

موسكو التقطت باكراً إشارات من تركيا تفيد بوجود تغير ما في موقف أنقرة من الأزمة السورية، خاصة بعد تصريحات بن علي يلدريم المقرب من أردوغان، بعد أيام من توليه منصبه الشهر الماضي بأن "تركيا بحاجة إلى زيادة أصدقائها وتقليل أعدائها"، في اعتراف ضمني على ما يبدو بأن سياسات سلفه تسبب في تهميش بلده، وتركيا اليوم تبحث عن حلول كثيرة لمشاكلها في موسكو، فالرياح الإقليمية في سورية لا تسير كما تشتهيها السفن التركية، كما أن العواصف التي تضرب الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه جعلت أنقرة تفكر ملياً بجدوى التعويل على هذا الاتحاد.

 

أيضاً فإن موسكو تعلم جيداً أن تركيا قد تخفف موقفها من الأزمة السورية حتى في الملف المتعلق برحيل الرئيس بشار الأسد تحت ضغط مكاسب الأكراد في الأرض السورية، وبالتالي ستحاول روسيا الضغط على تركيا لإغلاق حدودها في وجه المجموعات الإرهابية التي تتخذ من تركيا منطلقاً لها.
 

جميع خيارات تركيا في سورية تندرج تحت الخيارات المرّة، فإذا رحل الرئيس الأسد، فهذا يعني أن سطوة الأكراد ستزداد في سورية، فسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية على أراضٍ في شمال سورية قد تساهم في تمرد حزب العمال الكردستاني الذي خاض صراعاً مسلحاً في جنوب شرق تركيا لمدة 30 عاماً، حيث لا تنفي الجماعتان الصلات التي تربطهما، فحزب العمال الكردستاني أسس وحدات حماية الشعب باعتبارها تنظيماً سورياً قبل 10 سنوات، ويتبنى الاثنان فكر عبد الله أوجلان الذي قاد حزب العمال منذ تأسيسه.
 

كما أن الخيار الأمريكي الذي كانت تراهن عليه أنقرة تبخر، خاصة بعد أن ركز التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وجهته لمحاربة تنظيم "داعش" دون التركيز على إسقاط نظام الحكم في سورية، وما زاد الطين بلّة بالنسبة لأنقرة أن واشنطن دعمت الأكراد لمحاربة "داعش"، الأمر الذي يدفع تركيا باتجاه موسكو، والمصالح الكثيرة ستدفعها أكثر فأكثر، وستقدم تنازلات في سورية بعد أن تقلص مجال المناورة، وتقارب أنقرة من موسكو أهم من تقاربها من واشنطن، فملفات الطاقة النووية والغاز تجمع بين تركيا وروسيا، حيث من المفترض أن تشيد روسيا محطة "أكويو" الكهروذرية في تركيا، ومشروع غاز "السيل التركي" الهادف لنقل الغاز الروسي إلى تركيا عبر قاع البحر الأسود، ومنها إلى أوروبا، وأيضاً قطاع السياحة المهم، كل ذلك وغيره أوراق مهمة سيستخدمها الروس لدفع الأتراك نحو استدارة كاملة أو شبه ذلك باتجاه دمشق.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة