معهد ليفانت للدراسات

عشائر الأردن .. وخطر داعش

سبتمبر 03
08:14 2014

تختلف الأردن كدولة في تركيبتها السياسية عن باقي بلاد الشام، فالتكوين العشائري ليس مكوناً اجتماعياً فقط، بل هو جزء من التوازن الذي أتاح قيامها منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن عام 1921 ثم قيام المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946، ورغم وجود الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، إلا أن علاقة البنية القبلية مع الملكية تبدو "عضوية"، وتستند إلى تحالف ظهر أيام الشريف حسين خلال الثورة العربية ضد العثمانيين، وأصبح اليوم شبكة مصالح اجتماعية قوية تحافظ على ثقافة داعمة للعلاقة المتبادلة بين الملكية والبنية العشائرية، ويثير هذا الأمر اليوم جملة أسئلة مع انتشار تنظيم داعش في العراق وسورية، واقترابه من الحدود الأردنية، فهل يستطيع هذا التنظيم اختراق البنية العشائرية الأردنية؟

إمكانيات تمدد داعش

بعد سقوط محافظة نينوى في العراق وانتشار داعش جنوباً باتجاه مثلث الحدود العراقي – السوري – الأردني، بدأ الحديث عما يمكن أن يسببه هذا التنظيم في الأردن، على الأخص مع انتشار التنظيمات السلفية في عدد من مناطقها وعلى الأخص محافظة "معان" قي الجنوب الشرقي من المملكة، وتنحصر السيناريوهات بهذا الخصوص بأمرين:

السيناريو الأول الانتشار العسكري باتجاه الحدود الأردنية، واختراقها بنفس الطريقة التي تقوم بها داعش باحتلال المناطق في العراق وسورية، ولكن مثل هذا السيناريو يبدو صعباً وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية المكشوفة لهذه المناطق، رغم أن داعش انتشرت في مناطق مفتوحة في كل من سورية والعراق، ولكن الفرق الأساسي هنا هي المسافة الواسعة التي يجب تجاوزها، وإمكانية كشف التحركات على الأخص مع وجود طائرات بدون طيار (درون) أمريكية في سماء المنطقة ككل.

فالقيام بهجوم على الحدود الأردنية، تدخل فيه اعتبارات إضافية مرتبطة بقدرة تنظيم داعش على الاستفادة من الصحراء والبادية الأردنيتين، فهما بعيدتان عن مصادر الطاقة، ومن الصعب إيجاد مناطق تجمع أو مدنية يمكن للتنظيم الاستفادة منها، والمسافة بين الرويشد على الحدود الأردنية والرطبة العراقية لا تقل عن 200 كيلو متر، وهي صخور بركانية تحد من قدرة آليات داعش على التحرك، ويعطي أفضلية للحكومة الأردنية في أي مواجهة قادمة.

السيناريو الثاني هو تمدد داعش عبر الخلايا الموجودة في الأردن، أو مبايعة بعض العشائر الأردنية للتنظيم وعلى الأخص في مدينة معان التي تشهد توترات عشائرية، كما أن التيار السلفي الأردني منخرط سلفا بالصراع في سورية وفي العراق أيضاً، فهذا التيار يتمتع بحضور سياسي وفكري في صفوف بعض العشائر الأردنية، ووفق التقديرات فهناك ما بين 5 آلاف إلى 10 آلاف من أتباع التيار السلفي ينتمون للجناح الجهادي التكفيري، كما يقدر عدد المقاتلين الأردنيين بالخارج ضمن صفوف ما يسمى بالجهاديين.

والسيناريو الثاني هو ما يقلق الجهات الرسمية الأردنية والأطراف الإقليمية وعلى الأخص السعودية، فالقوة العشائرية اليوم في الأردن رغم أنها ماتزال تشكل كتلة في تحالفها مع سلطة الملك، لكن هذا التحالف يخضع لاعتبارات مختلفة كلياً عن أربعينيات القرن الماضي، فأفراد العشائر يتعاملون اليوم مع مصالح اقتصادية أكثر وضوحاً، وامتدادهم باتجاه شمال الأردن أضعف بكثير من علاقاتهم مع الجنوب داخل المملكة السعودية، كما أن العامل الفلسطيني يؤثر بوضوح على الخيارات السياسية لأبناء العشائر.

"معان" هي الأخطر

تبدو محافظة "معان" المكان الأكثر اشتعالاً في الأردن منذ ثمانينات القرن الماضي، فالتوتر في داخلها يدخل دائماً ضمن دوامات عنف متكررة، وفي المقابل فإن التيار السلفي وجد ضالّته في تلك المحافظة، ورغم محاولة الحكومات الأردنية المتكررة كسر الواقع القائم، وعلى الأخص إنشاء جامعة الحسين للتأثير على التكوين السكاني، لكن واقع هذه المحافظة لم يتبدل، وهناك باحثين أردنيين يعتبرون أن كافة الاجراءات الحكومية كانت لأهداف أمنية؛ هدفها النهائي استخدام تلك المحافظة للتأثير على مختلف الأزمات في المنطقة وبتحديد قضية الإرهاب.

عملياً فإن جغرافية محافظة معان تحدد الكثير من ملامح تأثرها بالأزمات الدائرة حالياً، فهي تضم "وادي موسى" و "الشوبك" و "بادية معان" وأخيراً مدينة معان وهي مركز المحافظة، وتضم هذه المنطقة تركيبة السكانية تلخصها المدينة التي تضم القسم الحجازي المدينة، ويضم مجموعة العشائر القادمة من الجزيرة العربية عموماً ومن منطقة الحجاز تحديداً، ويغلب على هذا القسم الطابع الحجازي في العادات ومظاهر الحياة والاهتمامات الاجتماعية والنشاطات التجارية، أما القسم الشامي فيقع شرق المدينة وفيه العشائر القادمة من بلاد الشام عموماً، ويغلب الطابع الريفي والتجاري على هذا القسم ويمتاز بهجرة نسبة منه خارج مدينة معان إلى العاصمة، أما القسم الأوسط فيضم خليط من من مناطق مختلفة كالكرك والضفة الغربية وغزة وغيرها .

لعبت هذه التركيبة السكانية، إضافة للموقع الجغرافي دوراً واضحاً في جعل تلك المدينة مع المحافظة بيئة مؤثر في الحدث الأردني عموماً، فقبائل معان التي استقبلت الشريف حسين أوائل القرن الماضي، هي نفسها التي تتذمر من خلال أجيالها الجديدة على الكثير من السياسات، وهي أيضا تمضي لدعم التيار السلفي الأردني، وتذهب بعض الدراسات الخاصة بالمدينة أن القضية في هذه المدينة هي أمنية بامتياز، فالتنمية والتهميش كانت على الدوام قرارات أمنية، ويبدو هذا الأمر واضحاً في فإقامة جامعة الحسين في معان لتغيير التركيبة السكانية للمدينة، وتحويل اهتمامات أبناء المدينة الى قضايا جديدة.

كما أن التحليلات التي تستند إلى أن التوتر في سببه الفقر والبطالة والتهميش؛ تحاول الابتعاد عن تحديد المناطق داخل هذه المحافظة الكبيرة، فالنِسب الرسمية وغير الرسمية المرتفعة لمعدلات الفقر والبطالة تتحدث عن معان المحافظة وتحديداً المناطق البعيدة عن المركز وهي بادية معان، والواضح أن تشجيع التيار السلفي الجهادي منذ ثمانينات القرن الماضي كي ينتشر في تلك المحافظة، كان الهدف منه أوراق تم استخدامها في أفغانستان والعراق وتستخدم اليوم في سوريا، والهدف منها إيجاد موطئ قدم في تلك البؤر الساخنة يمكن من خلاله المتابعة والتواصل والتأثير في الأحداث والمستجدات في تلك المناطق .

الظروف السابقة لمدينة معان يمكن أن تدخل على خط الأحداث، فمن الممكن استخدام بيئة المدينة من قبل داعش لفرض واقع جديد، ورغم أن معظم السلفية الجهادية الأردنية تميل إلى "جبهة النصرة"، إلا أن صورة تنظيم داعش تأخذ اليوم مساحة لا بأس بها لدي شريحة من شباب المدينة التي رفقت أعلام هذا التنظيم في أكثر من مناسبة، وفي المقابل فإن قرب المدينة من الحدود السعودية وتداخل عشائرها مع القبائل الحجازية يرفع من احتمالات تطور الأوضاع فيها باتجاه مختلف عن كافة التوقعات.

إن الرهان اليوم بشأن الأردن يستند على قدرة مؤسساتها في التعامل مع التركيبة القبلية، إضافة لنوعية التحالفات التي تقيمها دولياً وإقليمياً، ولكن في نفس الوقت فإن خطورة الوضع تبدو في التأثيرات المختلفة والمفتوحة التي تراكمت منذ ثمانينات القرن الماضي مع دول الخليج، فالرهان على التحالفات الداخلية، وهي عشائرية بالدرجة الأولى، لا يمنح الأردن طوق نجاة من التحولات الإقليمية في العراق والشام، وهو ما يفتح الباب على تحولات يمكن أن تشهدها سواء استطاعت داعش اختراق الأردن أو بقيت بعيدة عنها.

 

تقارير ذات صلة