معهد ليفانت للدراسات

طوق حلب .. تجاوز الخطوط الأمريكية الحمراء

طوق حلب .. تجاوز الخطوط الأمريكية الحمراء
أغسطس 27
13:29 2016

شن الجيش السوري وحلفاؤه مؤخراً عملية عسكرية شمال حلب، سيطر خلالها على الكاستيلو ومعامل الليرمون والكراجات والمولات، في تحرك مدروس بدقة اتبعه عناصر الجيش خلال عملية التقدم، اعتمد فيه الجيش سياسة قضم المناطق، حيث بدأت القوات بالتحرك خارج المدينة انطلاقاً من منطقة حندرات مروراً بمزارع الملاح وصولاً إلى مجمع وطريق الكاستيلو الذي يعتبر الطريق الوحيد لإمداد فصائل المعارضة المسلحة داخل أحياء مدينة حلب الشرقية، متمكناً بذلك من حصار هذه الأحياء، وفرض طوق عسكري حولها، يمنع عنها جميع أنواع الدعم اللوجستي القادم من الريف.

التطور الميداني شمال حلب، لايمكن حصره بالحسابات الميدانية في ربح أو خسارة منطقة معينة، بل يظهر أنه قرار استراتيجي بقطع الطريق على المراهنين على احتلال العاصمة الاقتصادية لسورية، ودفن حسابات هؤلاء في إنشاء منطقة في الشمال بإدارة تركيا وأصدقاءها الإقليميين والغربيين، ولخطورة خطوة الجيش السوري العسكرية على الفصائل المسلحة والداعمين لها، أعلنت المعارضة المسلحة متمثلة بغرفتي عمليات "جيش الفتح" و"فتح حلب" عن بدء معركة انطلاقاً من جنوب المدينة لفك الطوق عن الأحياء المحاصرة.
 

الهجمات الجديدة كان عرّابها هذه المرة السعودي عبد الله المحيسني الذي قام بتوزيع تسجيل مصور له وهو يقوم بإلقاء خطبة بعدد من المسلحين لشحذ همتهم، معلناً بدء عملية عسكرية أطلق عليها اسم "غزوة حلب". المحيسني، وخلال خطبته، ركز على العمليات الانتحارية، مذكراً بـ "الحوريات" اللواتي "ينتظرن الشهداء في الجنة"، متوغلاً في وصفهن بشكل دقيق "لو بصقتْ في البحر لأصــبح حلواً.. 72 حورية تنتــظرك.."، ومعلناً في الوقت ذاته عزمه "تحريــر حلب بشكل كامل خلال أسبوع".
 

واستعان المحيسني بذكريات معارك إدلب قبل نحو عام ونصف العام، عندما شنت الفصائل المسلحة هجوماً عنيفاً على إدلب وتمكنت من السيطرة عليها، وفعلاً خاضت مسلحو المعارضة أكثر من جولة سيطروا خلالها على الكليات العسكرية (التسليح – الفنية الجوية– المدفعية) ونقاط أخرى، واستطاعوا فتح ثغرة باتجاه الأحياء الشرقية، سرعان ما أعاد الجيش السوري سدّها في عملية مضادة، متقدماً باتجاه الكليات لمحاولة استعادتها.
 

قبل أيام من عمليات الجيش السوري وحلفائه لإكمال الطوق حول الأحياء الشرقية، قال الأمين العام لحزب الله في لبنان السيد حسن نصرالله أن "المطلوب من الجميع أن يستعد، لأن المعركة الحقيقية الاستراتيجية الكبرى هي معركة حلب .. وهي ضرورية لإفشال مشروع إقليمي ودولي يستهدف إسقاط هذا البلد (سورية) عبر استقدام المقاتلين الأجانب إليه"، وهو مايفسر القرار الاستراتيجي بفتح هذه المعركة التي كانت الموضوعة ضمن الخطوط الحمراء الأميركية.
 

وفي حال تم تعزيز الطوق حول الأحياء الشرقية لحلب وتثبيته، فهذا يعني أن المعركة الأصعب بدأت تميل كفتها لمصلحة الجيش السوري وحلفائه .. عملياً تصبح أحياء المدينة الشرقية مطوّقة، بما فيها من آلاف المسلحين وعشرات غرف العمليات، والمناطق التي سيطر عليها الجيش وحلفاؤه كانت الممر الوحيد للإمداد من الريفين الغربي والجنوبي لحلب، وخلفهما إدلب وتركيا.
 

لم يكن تطويق مدينة حلب لقمة سائغة في يوم من الأيام. على مدى سنوات، كان الجيش السوري كلّما تقدّم خطوة لقطع طريق الكاستيلّو، تسارع الفصائل المسلحة إلى التقاط أنفاسها وتعويض خسائرها، شمالي حلب
.

بعد فكّ الحصار عن نبّل والزهراء وقطع الجيش وحلفائه لشريان أساسي يصل حلب المدينة بأعزاز فتركيا في شباط الماضي، أصبح العمل على تحقيق الطوق أكثر يسراً. لكن المهمة مع مرور الوقت لم تظهر بالسهولة ذاتها، فإلى جانب العامل العسكري كان العامل السياسي طاغياً في معظم الأحيان، فقد كانت واشنطن توجه الرسالة تلو الأخرى : ممنوع على الجيش السوري فتح معركة حلب وتطويق أحياءها الشرقية، وفعلاً  حُيدّت حلب عن خارطة المبادرات العسكرية للجيش منذ اتفاق الهدنة نهاية شباط الماضي، قبل أن يشعلها مؤخراً ويتجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية.
 

يذكّر طوق حلب بطوق الغوطة الشرقية الشهير في نيسان 2013. يومها أقفل كامل طريق الإمداد لمسلحي الغوطة من البادية والحدود الأردنية إلى ريف دمشق (من المطار الدولي مروراً بالعتيبة إلى عدرا). المسلحون كان يعدّون العدّة لاقتحام مدينة دمشق، معتبرين أنّ الطوق لن يؤثر في معركة العاصمة. شهور قليلة، وأدرك "جيش الإسلام" و"جبهة النصرة" وفصائل غيرهما أنّ "غزوة دمشق" ضرب من الخيال، ليقتصر عملها لاحقاً على محاولات فك الحصار، ثم كان التمترس في أوضاع دفاعية سمة هؤلاء، ليعود قضم المناطق ويخسر الوجود المسلح كامل القطاع الجنوبي للغوطة الشرقية وليقاتل اليوم في قطاع المرج (بعد تحرير البحارية وميدعا، وميدعاني وحوش الفارة تحت النار)، ليكون الهدف البعيد هو حصار دوما، بعدما كان حصار كامل الغوطة، حيث عشرات القرى.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة