معهد ليفانت للدراسات

طرابلس … وقضايا لبنان المؤجلة

طرابلس … وقضايا لبنان المؤجلة
أكتوبر 12
19:32 2014

تبدو طرابلس وسط الأزمة السورية انعكاساً لحالة تاريخية وليس مجرد تفاعل مع الأحداث التي بدأت عام 2011، فالمدينة كانت حتى عام 1920 ملتصقة بالداخل السوري وذلك قبل ضمها إلى دولة "لبنان الكبير" مع بدء الانتداب الفرنسي، فالتكوين السكاني لطرابلس لا يعكس فقط امتداد للساحل السوري عموماً، بل هو أيضا ظهر ضمن الدولة اللبنانية ضمن تشكيل سياسي فرض عليه الانخراط بسياسة التمايز السريع، وهو ما نلاحظه من تاريخ المدينة المعاصر الذي مثل امتدادا لتطورات الحركات الاجتماعية في الدولة السورية، ومن جهة أخرى مواجهة مع زعماء المدن، في بيروت تحديداً، التي شكلت استقاطاباً للحياة السياسية اللبنانية.

السلفية المبكرة

النظر إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة في طرابلس اليوم يستند إلى قراءتها وفق سياق التنظيمات التي تنتشر في بلاد الشام، مثل داعش أو النصرة، لكن تاريخ الجماعات السلفية يعود إلى عام 1946، وذلك مع تبلور هذه الجماعة ضمن حركة دعوية ضمن نشاط الشيخ سالم الشهال، فطرابلس كانت أول مدينة لبنانية ظهرت فيها "السلفية" قبل أن تنشر في سائر لبنان، وكانت مهد نشوء الجماعة الإسلامية وحزب التحرير وحركة التوحيد وغيرها من حركات الإسلام السياسي، لكن هذا الأمر لم يكن مستقلاً عن ظواهر أخرى تشكل طريقة تعبير "الطرابلسيين" عن حالة التمايز منذ إلحاق المدينة بدولة لبنان الكبير، فهناك نقابات مهن حرة في طرابلس مستقلة ومنفصلة عن بقية نقابات لبنان الموحدة في نقابة واحدة مركزها بيروت، وطرابلس أيضا كانت مركزاً  للحركات المطالبة بالوحدة مع سوريا في العشرينيات والثلاثينيات، واستمرت على هذا الموقف حين رأت البورجوازية البيروتية ضرورة الاستقلال اللبناني بعد عام 1936. ولم تقبل طرابلس فعليًا بالاستقلال اللبناني بل احتضنت كل الحركات القومية العربية وخصوصًا الناصرية.

في المقابل كان للسلفية تأثيراً أكبر في المراحل المتأخرة من القرن العشرين، وعلى الأخص في بداية نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات خلال صراع دمشق مع حركة الأخوان المسلمين، ورغم أن الرعيل الأول لم يكن مهتماً بالسياسة، إلا أنه ومنذ منتصف السبعينيات اتجهت الحركة السلفية في طرابلس إلى العمل الدعوي والسياسي، فأسس "داعي الإسلام" (نجل سالم الشهال) "نواة الجيش الإسلامي"، وكان لهذا "الجيش" دوراً في بداية الحرب الفعلية ما بين الحيين الشهيرين جبل محسن وباب التبانة في مدينة طرابلس، وهي حرب عادت لتندلع مع بداية الأزمة السورية.

عملياً فإن طرابلس خاضت ما بين 1982 – 1985 حرباً طرفها الأول حركة التوحيد الإسلامي التي أسسها الشيخ سعيد شعبان، وهو من المجموعة التي أسست التيار السلفي مع الشيخ الشهال، والطرف الثاني الجيش العربي السوري والأحزاب اللبنانية-الفلسطينية المتحالفة معه، وبعدها حُلَّ الجيش الإسلامي عام 1985 من قبل المسؤولين عنه، وبعد هذه المعارك انتشر التيار السلفي بفعل انتقال القائمين عليه إلى مختلف المناطق اللبنانية وعلى الأخص "داعي الإسلام الشهال" الذي استقر في صيدا.

وبغض النظر عما أصاب الحركة السلفية من تشتت بعد قرار حل مؤسساتها في التسعينات، لكنها خلقت بيئة كان مقرها الأساسي طرابلس، وكان تطور التوجهات الإسلامية في تلك المدينة يتأثر بمجمل الحركات الإسلامية في المنطقة، ولكن في الإجمال فإن هذه "البيئة السلفية" تنقسم باتجاهين: المدرسة السعودية، وهي التي استقى منها آل الشهال دعوتهم؛ والمدرسة الكويتية، وهي التي يمثلها آل الزعبي، بقيادة الشيخ صفوان الزعبي، أحد أبرز شخصيات تجمع المعاهد والمؤسسات السلفية، ورئيس مجلس أمناء جمعية وقف التراث الإسلامي، التي تُعد امتدادًا لجمعية إحياء التراث السلفية الكويتية، التي تمولّه وترعاه.

بروز الحالة الجهادية

كانت تجربة حركة التوحيد الإسلامي في طرابلس أولى المحاولات الجهادية، التي انتقلت من "الجهادية الوطنية" المتأثرة بالعمل المسلح الفلسطيني، حيث ارتبطت بحركة فتح والصراع مع سوريا إلى "الجهادية السلفية" بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وصولاً إلى سلفية جهادية مرتبطة بالقاعدة، متأثرة بعودة الأفغان العرب منذ عام 1991، ثم الحرب في العراق عام 2003، حيث تطورت في تلك الفترة بفعل رافد خارجي قدمه المغتربون في البلدان الأوروبية والأميركية، وظهرت النتيجة الأساسية لهذه التحولات في منتصف ليل آخر يوم من العام 1999 (ليلة رأس السنة) عبر أحداث الضنية، عندما قامت مجموعة من الشباب من مناطق القبة وأبي سمرا في طرابلس بالتدرب على حمل السلاح في جرود الضنية، وكان يقودها بسام كنج الملقب بـ "أبو عائشة" وهو من اللبنانيين الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني، إلى جانب زميل له هو بسام إسماعيل حمود (أبو بكر)، وجرت اشتباكات بين هذه المجموعة والجيش اللبناني أدت إلى مقتل كنج واعتقال حمود، ويذكر أن الاثنين كانا قد التحقا بـالجهاد الأفغاني، الأول في الولايات المتحدة حيث كان يُقيم، والثاني في السعودية حيث كان يعمل، وعادا إلى لبنان ليؤسسا الجماعة التي هاجرت إلى الضنية وباشرت منها نشاطها المسلح.

وفي قراءة كافة الأحداث التي تلت حادثة الضنية، فإن طرابلس تلعب دوراً محورياً ليست فقط كبيئة قادرة على إنتاج التيارات الجهادية، بل كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات على مدى عقود من تاريخ الدولة اللبنانية، فهي تشكل بالنسبة لبلاد الشام واقعين:

  • جغرافية ضائعة داخل تقسيمات الدول الإقليمية، فهي وفق علاقات الإنتاج أقرب إلى مدينة حمص السورية منها إلى بيروت، والملاحظ هنا هي المنافسة بين مينائها وميناء بيروت، في المقابل فإن قضاء طرابلس عموماً امتلك علاقات اقتصادية مع المنطقة الوسطى بسورية أكثر بكثير مع العمق اللبناني سواء باتجاه بيروت أو حتى الجنوب.
  • عدم خضوعها لأي مركزية مرتبطة بالدولة الإقليمية، مما سهل اختراقها من قبل السلفية الجهادية وأنتج بشكل دائم استقطاب داخل طرابلس لا ينتمي نسيجها كما حدث مع قدوم المقاومة الفلسطينية، ويؤدي اليوم إلى تنامي مجموعات تكفيرية وجهادية بوجوه وأسماء متعددة؛ فرضت سلطتها على الشوارع عبر منابر المساجد غير الخاضعة لأي سلطة رقابة ، وعبر أمراء الأحياء، وذلك على حساب البورجوازية السياسية التقليدية التي ظهرت مع تأسيس "دولة لبنان الكبير".

إلا أن "السلفية الجهادية" لم تستطع خلق جبهة موحدة  فكل جناح من أجنحتها يعمل بمفرده، باستثناء الشيخ سالم الرافعي الذي عمل على تنظيم أنصاره، من خلال تشكيل مجلس شورى ضم عدداً من الكوادر الفاعلة، وفي مقدمها الشيخ حسام الصباغ (المطلوب بمذكرات توقيف بتهمة الانتماء الى القاعدة) والشيخ نبيل رحيم الذي كان مسجوناً في رومية بالتهمة نفسها.

تداعيات الأزمة السورية

منذ عام 2012 دخلت طرابلس ضمن عشوائية سياسية مع تداخل الأزمة السورية في مفاصل حياتها، وشهدت أسوأ عام لها من الناحية الامنية منذ انتهاء الحرب اللبنانية، وكانت الخروق بمعدل جولة عنف كل شهرين، وصبت في إطار تداعيات الأزمة السورية على طرابلس، فكانت ـ جولة تضامن مع حمص في 10 شباط 2012 ( قتيلان و19 جريحا وترافقت مع انفجار مخزن أسلحة في أبي أسمراء لم تظهر التحقيقات لمن تعود ملكيته بالرغم من إصابة أشخاص بداخله كانوا يقومون بنقل الذخائر)، وجولة اعتقال شادي المولوي في 12 أيار (5 قتلى و30 جريح وكان سبقها اعتصام مفتوح للجان الموقوفين الاسلاميين في سجن رومية، ومن ثم مخيم سلفي احتجاجي للافراج عن المولوي)، جولة التضامن مع ما سمّي بمعركة دمشق في 3 حزيران (13 قتيلا و62 جريح)، جولة تفجير المقر العام في دمشق في 29 تموز (قتيل و33 جريح)، وغيرها من الاقتتال الذي جعل المدينة تعيش على إيقاع سوري كامل، وجعل من شمال لبنان منطقة دعم متنامية للمعارضة السورية المسلحة.

ربما تظهر طرابلس وكأنها منطقة مؤهلة لاستيعاب التطرف، لكنها تبدو ضحية تجولات في الجغرافية – السياسية منذ أوائل القرن الماضي، فهي رغم امتلاكها لمجتمع محافظ لكنها في نفس الوقت مدينة لا تملك خيارات كثيرة في مسألة التواصل مع العمق السوري، وفي اتخاذ حالة تميزها عن كافة المواقف السياسية في مدينة بيروت، وما تعرضت له من إهمال من قبل الحكومات اللبنانية المتتالية إضافة للحرب الأهلية جعلها ضمن واقع يؤهلها لاستيعاب بيئة التطرف.

*جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة