معهد ليفانت للدراسات

المشهد السوري: النسيج العمراني.. وحلب نموذجا

المشهد السوري: النسيج العمراني.. وحلب نموذجا
فبراير 26
02:19 2014

~~في عام 1986 أدرجت اليونيسكو مدينة حلب القديمة ضمن قائمة التراث العالمي، وفي عام 2006 احتفلت المدينة بكونها عاصمة للثقافة الإسلامية عن المنطقة العربية، وفي آب من عام 2013 أطلقت اليونيسكو ندوة لحماية المدينة القديمة من الدمار الذي يلحق بها نتيجة الأحداث التي تشهدها سورية، وربما كانت كلمات "فرانشيسمو بندران"، المدير العام المكلف لدى اليونيسكو بحماية التراث العالمي للشرق الأوسط، معبرة عن نوعية الخطر فهو يجد أنه "غير اللائق الحديث عن دمار المعالم الأثرية، بينما آلاف الأرواح البريئة تزهق كل يوم، لكننا لا نستطيع البقاء مكتوفي الأيدي أمام ما يتعرض له التراث السوري من دمار فادح، إنها كارثة كبيرة، ما يحدث اليوم في سوريا من هدم للتاريخ أخطر مما رأيناه في العراق بكثير.. تاريخ سوريا مهدد بنفس الدرجة التي يهدد بها حاضرها ومستقبلها".
   وكلمات  "فرانشيسمو بندران" جاءت خلال الندوة التي انعقدت في الثلاثين من آب 2013، بعد أن قدم فريق من الخبراء بمقر اليونيسكو تقارير توضح خطورة الوضع معتمدين على معاينات ميدانية لموظفين بمصلحة الآثار والمتاحف وشهود عيان، وحسب تصريحات للدكتور شيخموس علي، رئيس جمعية حماية الآثار السورية، فأن أكثر المواقع تعرضاً للدمار هي مدينة حلب القديمة بأسواقها ومبانيها التي شهدت اخطارا ذات مستويات مختلفة "مثل التهدم الجزئي للمباني". ويمكن وصف بعض الحالات على أنها ذات مستوى عنيف جداً "مثل تهدم مئذنة الجامع الأموي الكبير وأجزاء من سوق الدراع."
   وغالبا ما ينظر إلى حلب وفق مقياس تاريخي فقط، رغم أنها ومنذ بداية القرن العشرين تعرضت لتبدلات كثيرة على مستوى علاقاتها التجارية وأنشطتها السكاني، فهي أكبر مدينة في سوريا عاصمة محافظة حلب التي تعد أكبر المحافظات السورية من ناحية تعداد السكان. وتقع شمال غربي سوريا على بعد 310 كم (193 ميلاً) من دمشق، ويتجاوز عدد سكانها 2,132,100 (تقديرات 2004)، وتاريخيا كانت المدينة عاصمة لمملكة يمحاض الأمورية وتعاقبت عليها بعد ذلك حضاراتٌ عدة مثل الحثية والآرامية والآشورية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. وفي العصر العباسي برزت حلب كعاصمة للدولة الحمدانية. تعد حلب واحدة من أقدم المدن المأهولة بالعالم وقد كانت مأهولة بالسكان في بداية الألفية السادسة قبل الميلاد. حيث أظهرت الحفريات في تل السودة وتل الأنصاري الواقعتين جنوب المدينة القديمة أن المنطقة كانت قد احتلت في الجزء الأخير من الألفية الثالثة على الأقل ويظهر هذا في أول ذكر لحلب في الألواح المسمارية المكتشفة في مملكة إيبلا وبلاد ما بين النهرين حيث لوحظ التفوق العسكري والتجاري. مثل هذا التاريخ ربما يرجع إلى كونها نقطة تجارية إستراتيجية في منتصف الطريق بين البحر الأبيض المتوسط وبلاد ما بين النهرين وفي كونها في نهاية طريق الحرير الذي يمر عبر آسيا الوسطى وبلاد ما بين النهرين. وبقيت حلب لقرون إحدى أكبر المدن السورية وثالث مدينة في الدولة العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة
  بدأت معاناة حلب عندما تحولت التجارة إلى البحر مع افتتاح قناة السويس عام 1869، لكن التحول الأكبر حدث بداية القرن العشرين بعد سقوط الخلافة العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى، فأبعدت حلب عن أجزائها الشمالية (معظمها ضمن الأقاليم السورية الشمالية) التي ضمت إلى تركيا عام 1920 بالاتفاق بين أتاتورك وسلطات الانتداب الفرنسي، فخسرت حلب التجارة مع مدن هذه الأقاليم خاصة المدن التي كانت تابعة لولاية حلب تاريخيا كعينتاب ومرعش وأضنة ومرسين، كما خسرت السكك الحديدية الهامة التي كانت تصلها بالموصل. أدت اتفاقية سايكس بيكو وفصل العراق عن سورية إلى كساد وتدهور كبير في اقتصاد حلب. وفي عام 1940 فقدت حلب إمكانية وصولها إلى البحر بعد خسارتها لمنفذها الرئيسي على البحر المتوسط في الإسكندرونة. تراجع موقع حلب السياسي بسبب جعل مدينة دمشق عاصمة لسورية. رغم كل هذه الضربات، بقيت هذه المدينة عاصمة اقتصادية لسوريا، فهي ضمت أهم المعمل الصناعية وشكلت مركزا للمناطق الزراعية السورية.
 وقبل الأزمة السورية (2011) عانت حلب من الاكتظاظ السكاني، وكانت مدينتها القديمة مثار ندوات متعددة ونشاطات مكثفة، فهي تتميز بتعدد في التكوينات المعمارية  فتجمع أنماطا سلجوقية وبيزنطية إضافة للطرز المملوكي والعثماني، كما فيها مبان تعود للقرنين الثالث والرابع عشر ميلادي، مثل الخانات والمدارس الدينية والحمامات، إضافة للمباني الدينية كالجوامع والكنائس. وظهرت في حلب في القرنين السادس والسابع عشر بيوتات مملوكة للعديد من العائلات الحلبية الثرية تتميز بواجهاتها الحجرية، وفي القرن ال 19 ومطلع القرن العشرين كان طراز العمارة الباروكية هو السائد، ومثاله بناء فيلا روز الشهير في منطقة العزيزية. بينما يجمع حي الشهباء الجديدة الراقي العديد من الطرز المعمارية الشرقية، والكلاسيكية الغربية وحتى الصينية.
   ودفع هذا التنوع المعماري ومنذ العقد الرابع للقرن الماضي إلى إعادة تخطيط المدينة، ففي عام 1954 اعتمد مخطط من قبل المعماري الفرنسي أندريه جوتون، فاقترح شق جادات عريضة عبر المدينة من أجل دخول السيارات، وبين أعوام 1954-1983 تم هدم العديد من الأحياء القديمة من أجل التوسع، وعلى الأخص في المناطق الشمالية مثل باب الفرج وباب جنين، لكن هذا المخطط الذي ألحق ضررا بنسيج المدينة تم إلغؤه  عام 1979، وتم استبداله بمخطط لمهندس المدن السويسري ستيفانو بيانكو، حيث تم الاعتماد على مبدأ  المحافظة على النسيج العمراني القديم لحلب القديمة. الأمر الذي مهد الطريق لليونيسكو لتضم مدينة حلب القديمة إلى التراث العالمي عام 1986.
   لكن المدينة القديمة بنسيجها الخاص، وقبل أن تعاني من نار الحرب منذ عام 2012، تعرضت للتطور العشوائي في حزام المدينة الشرقي على وجه الخصوص،  فظهر حي (جبل بدرو) عند البوابة الشرقية للمدينة، معظم أهل هذه المنطقة جاؤوا من ريف حلب بسبب الجفاف هناك، وظهر كرم الجورة قرب منطقة صلاح الدين وتلة السودة وكرم الدعدع، وتمثل (الشيخ نجار) التي تعتبر منطقة مختلطة سكنية وصناعية وتسبب مشاكل بيئية متعددة، وهناك أيضا منطقة الحيدرية (الجبل مع الإنذارات) التي تبلغ مساحتها نحو 200 هكتار تقريباً وهي من أفقر المناطق السكنية داخل حلب.
 وتم تصنيف السكن العشوائي إلى ثلاث فئات أو تصنيفات، بحسب الكثافة السكانية، التي تتدرج بين المنخفضة والمتوسطة والمرتفعة، وتشتمل مناطق السكن العشوائي ذات الكثافة السكانية المنخفضة على 7 مناطق؛ هي: (المالكية، العويجة، دويرينة، خان العسل، قرية النيرب، كفر داعل، منطقة الشيخ سعيد التي تقسم إلى منطقتين أساسيتين شرقية وغربية).
   كل هذه المشاكل التي أحاطت بمدينة حلب تبدلت كليا اليوم، فالمسألة لا علاقة لها بمخططات معمارية ولا في العشوائيات، لأن الحرب لم تؤدي إلى التضخم السكاني والتأثير على عمق المدينة، بل اخترقت البنية المعمارية للتراث، فالمناطق الأثرية أصبحت خطوط تماس، والمعارك ظهرت منذ البداية على الخط الذي يبدأ من "البيمارستان الأرغوني" الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1254 ميلادية وتحول لمتحف للطب والعلوم، وصولا للمسجد الكبير (الأموي) الذي يعتبر محور اشتباك رئيسي أدى لسقوط مئذنته، ولم تسلم جدرانه من التدمير أيضا، كما طال الدمار جامع العادلية بحلب الذي شيّد في عهد الوالي حمد باشا عام 1556م، وأوقعت المعارك جزءًا من أقواس المسجد وتضررت قبابه. أما قلعة حلب فتضرر مدخلها وبرجها الشمالي، وكان هناك أضرار محددة ومحصورة في نقاط معينة.
   أما الأسواق القديمة فكانت الأضرار فيها كبيرة، فوفق التصريحات الرسمية فإن مئات المحال التراثيّة في الأسواق القديمة احترقت، والتهمت النيران البضائع والأبواب الخشبيّة الجديدة لبعضها، خصوصاً في أسواق: الزرب، العبي، العتمة، العطارين، النسوان، الصوف والصاغة. وهذا الأمر دفع المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، إلى التعبير عن "عميق الألم والأسى" لما أصاب أسواق حلب نتيجة الحريق الذي التهم جزء كبيرا منها، وذكّرت المديرة العامة جميع الأطراف بالالتزامات التي تقع على عاتق الجمهورية العربية السورية بفعل توقيعها اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح.
  في المقابل فإن الجهات الرسمية السورية قامت بالتوثيق للأضرار، حيث أنهت المديرية العامة للآثار والمتاحف مشروع توثيق الأضرار والانتهاكات التي أصابت المواقع الأثرية والمباني التاريخية في حلب وباقي المناطق السورية، وشمل هذا المشروع تحديد المواقع والأبنية المتضررة مكانياً على الخارطة، وفرزها حسب المحافظة، وإدراج بعض الحقول التي تتضمن أهمية الموقع بشكل مختصر والأضرار التي طالتها، استناداً إلى ما حصلت عليه المديرية من معلومات مع الصور المتوفرة، وصولاً لتأسيس أول سجل شامل لكل المواقع الأثرية والمباني التاريخية التي تضررت.
   وهذا المشروع خطوة نحو التقييم الأولي للأضرار وتوثيقها في المرحلة الحالية، وسيفيد في مرحلة لاحقة في إدارة التراث الأثري من خلال الوصول السريع والفعّال لهذه البيانات ووضع الأولويات الخاصة بعمليات التدخل لحمايته وترميمه.
    ويبدو مستقبل المدينة اليوم مرهونا ليس فقط بانتهاء المعارك بل برسم رؤية واضحة لها، فوظائف المدينة التي تغيرت عبر الزمن، والازدياد السكاني الكبير يدفع للنظر إليها بشكل أكثر حيوية، فعمليات الترميم ربما تنقذ ما تبقى من حلب القديمة، لكن في المقابل تبدو الحاجة ضرورية لإعادة النظر بكامل امتداد المدينة، فإذا كانت العشوائيات إضافة للتوسع النظامي أمرا واقعا نتيجة التطور الديمغرافي للمدينة، فإنه في نفس الوقت يحتاج للنظر إليه من جديد وفق طريقة ترابطه مع أجزاء وأحياء المدينة القديمة، وتبدو البنى التحتية أمرا أساسيا في هذا الإطار فهي لم تتضرر فقط نتيجة المعارك، بل كانت تعاني سابقا نتيجة التضخم السريع للأحياء، فحلب التي استطاعت الاستمرار عبر العصور تتطلب اليوم النظر إليها وفق منظر تراثي جمالي يحافظ في نفس الوقت على استمرارية الحياة فيها مع مراعاة فكرة إنشاء ضواح جديدة تتناسب مع المعايير البيئية، فإذا كانت الحرب قد دمرت العديد من أحيائها فإنها تبدو أيضا مناسبة لإعادة النظر بنسيجها المعماري والبحث عن أساليب لإعادة اعمارها وفق مقاييس جديدة.
 

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.