معهد ليفانت للدراسات

سياسة الإبعاد الإسرائيلية والقانون الدولي

سياسة الإبعاد الإسرائيلية والقانون الدولي
فبراير 05
12:47 2016

منذ قيام إسرائيل وحكوماتها تمارس سياسة التهجير والإبعاد بحق الفلسطينيين تمهيداً لتكون أرض الدولة اليهودية خالية من أي مكون إثني أخر، ومن هنا يمكن القول إن ما تقوم به السلطات الإسرائيلية هو سياسة تطهير عرقي ممنهجة تستند إلى إستراتيجية واضحة ما تزال حتى الآن مستمرة رغم كل ما حصل للفلسطينيين على مدى ثمانية وستين عاماً.

ورد في القانون الدولي – المادة 7- تعريف جريمة الإبعاد كونها جريمة ضد الإنسانية : "تعني إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، نقل الأشخاص المعنيين قسراً من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة ، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر دون مبررات قانونية يسمح بها القانون الدولي".

فيما عدّها القانون الرئيسي للمحكمة الجنائية الدولية جريمة حرب تستوجب محاكمة كل من يقوم بها وتجريمه وملاحقته، واعتبارها جريمة ضد الإنسانية إذا كانت تنفذ على شكل واسع ووفق سياسة حكومية وهذا ما يحدث بالضبط في فلسطين .

أولى عمليات التهجير كانت عام 1948 حيث سجلت أكبر عمليات الابعاد في التاريخ من خلال إبعاد الفلسطينين عن أراضيهم وقراهم ومدنهم وحشرهم في مخيمات لجوء في الداخل وفي دول الجوار حيث سجلت الإحصاءات لمراكز دراسات وإحصاء فلسطينية ودولية أن قوات العصابات الإسرائيلية تمكنت من تشريد ما يقارب 750 ألف فلسطيني، منتهكة بذلك كل الأعراف الدولية والإنسانية وسط صمت دولي مريب.

بعد النكبة تواصلت عمليات التهجير والترحيل القسري للفلسطينيين حيث ركزت العصابات الإسرائيلية على تهجير النخب والقيادات الثورية المحلية والمثقفة الرافضة للوجود الإسرائيلي في فلسطين عبر الترهيب والقتل والتنكيل.

ولكن الدفعة الكبرى الثانية في الإبعاد كانت في أعقاب نكسة حزيران عام 1967 حيث أكملت إسرائيل سيطرتها على المدن الفلسطينية الكبرى وتمددت أيضاً نحو الدول العربية الأخرى واحتلت عدداً من المناطق كسيناء في مصر والجولان في سورية، حيث قدرت مراكز فلسطينية عدد المبعدين بـ 408 آلاف.

أما مدينة القدس فقد كانت من أكثر المدن الفلسطينية التي حصل إبعاد فيها نظراً لأهميتها الدينية لدى الإسرائيليين ، ومع تطور عمليات المقاومة في الأراضي الفلسطينية صعّدت القوات الإسرائيلية من عمليات الإبعاد حتى وصلت ذروتها في الانتفاضة الأولى .

وفي الانتفاضة الفلسطينية الثانية تطورت أشكال عمليات الإبعاد وإن كان عدد المبعدين قد قلّ عن الأعداد التي سجلت سابقاً وخصوصاً مع دخول إسرائيل في عملية سلام مع الفلسطينين وتوقيع  اتفاقية أوسلو عام 1994 ، وإن كانت أشهر عمليات الإبعاد التي حصلت في هذه الفترة هي عملية كنيسة المهد في أيار عام 2002 والتي أبعد من خلالها 39 فلسطينياً، 13 منهم إلى خارج فلسطين تم توزيعهم على عدد من الدول الأوروبية فيما تم إبعاد 26 فلسطينيًا إلى قطاع غزة.

طبعاً، السلطات الإسرائيلية استندت في عمليات النفي والتهجير على قانون الطوارئ لعام 1945 وبالتحديد نص المادة (112) ، وقد عمدت القوات العسكرية الإسرائيلية إلى إصدار العديد من الأوامر والبلاغات في كل منطقة على حدة والغاية واحدة هو إبعاد اكبر قدر ممكن من الفلسطينيين خارج ديارهم وحرمانهم من العودة إليها تحت أي ظرف، رغم كل الاتفاقات الدولية وإعلانات حقوق الإنسان وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأيضاً رغم القرار 194 الصادر عن مجلس الأمن والذي ينص على عودة اللاجئين إلى ديارهم فقد سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وخصوصاً بعد الدخول في مفاوضات سلام مع العرب بعد عقد مؤتمر مدريد لرفض أي محاولة لإعادة الفلسطينين إلى ديارهم وعليه فإن حق العودة كان غير واضح المعالم في اتفاق أوسلو وظل مبهماً، حتى أن أخر ما سرب عن الاتفاقات التي أجرتها السلطة الفلسطينية مع إسرائيل تنص على عودة بضعة آلاف من الفلسطينين إلى فلسطين وليس إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها وهذا ما ذكره الرئيس الفلسطيني محمود عباس مؤخراً.

حتى الفلسطينين الذين بقوا داخل الخط الأخضر تحت الحكم الإسرائيلي لم يسلموا من عمليات التهجير والاجبار القسري على الاندماج بالمجتمع الإسرائيلي ولا ينسى أحد دعوة وزير الخارجية السابق ورئيس حزب إسرائيل بيتنا إلى طرد اكبر عدد ممكن من الفلسطينين من داخل الخط الأخضر إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.

أما فلسطينياً فقد تفاوتت المواقف التي اتخذت قبل توقيع اتفاقية السلام عام 1994 وما بعدها، فقبل السلام دأب الفلسطينيون عبر قنواتهم الرسمية "منظمة التحرير الفلسطينية- المجلس الوطني الفلسطيني" على تقديم الشكاوى المستمرة إلى مجلس الأمن والجمعية العامة وأي منصة دولية وحقوقية لإدانة هذه الأفعال الإجرامية بحق الفلسطينين حيث صدر عن مجلس الأمن عدد من القرارات دون أن يكون لها أي صدى لدى الجانب الإسرائيلي في الحد من عمليات الإبعاد أو إيقافها نهائياً بل على العكس مع صدور أي قرار بالإدانة كانت تصرّ حكومة تل أبيب على التصعيد.

وبعد توقيع اتفاقية السلام في أوسلو انقسم الموقف الفلسطيني مابين صامت ولا يريد التعليق "السلطة الموجودة في أريحا" بموجب التنسيق الأمني الذي جاء عقب الاتفاق، في حين واصلت القوى والفصائل الفلسطينية رفضها للإجراءات الإسرائيلية وطالبت المجتمع الدولي بوضح حد للانتهاكات المستمرة للحقوق الفلسطينية.

لاشك أن ما تقوم به القوات الإسرائيلية بحق الفلسطينين من تهجير وإبعاد هو جريمة ضد الانسانية في القانون الدولي والإنساني، ولكن يبقى كلّ شيء رهناً بتوحيد القرار الفلسطيني ، حيث ما يزال اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية محط جدل وخلاف بين القوى الفلسطينية المختلفة والسلطة الفلسطينيّة .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة