معهد ليفانت للدراسات

سوق العمل الفلسطيني .. رهانات محدودة

سوق العمل الفلسطيني .. رهانات محدودة
سبتمبر 17
11:34 2014

منذ عام 1967 بدأت مشاكل العمل في السوق الفلسطيني، وظهر ما يُعرف بـ"أزمة تصاريح العمل" التي جعلت "إسرائيل" تتحكم بهذا السوق، ولم يكن ظهور السلطة الفلسطينية أواسط التسعينات عاملا مساعدا؛ نظرا للتعقيدات السياسية التي واكبت ظهورها، والملاحظ أن أزمة العمل مرشحة لمزيد من التفاقم، وذلك مع معدلات نمو سكاني عالية، حيث بلغ معدل الإخصاب والإنجاب للمرأة الفلسطينية 4.8 %، وهذا الأمر كان يدفع إلى سوق العمل أعداداً جديدة كل عام، وتبدو أزمة سوق العمل مؤهلة لمزيد من التفاقم بسبب عاملين:

  • الأول هو جدار الفصل الذي أدي عملياً إلى تكثيف الإجراءات الإدارية بالنسبة لطالبي العمل.
  • الثاني هو عدم القدرة للتوصل إلى اتفاق نهائي بعد اتفاقية أوسلو، مما حرم السلطة من تطوير الاستثمار كي يستطيع استيعاب الأعداد الجديدة القادمة إلى هذا السوق.

فالاقتصاد الفلسطيني  شهد ومنذ الأيام الأولى للاحتلال الإسرائيلي خطة منهجية لربطه بالاقتصاد الإسرائيلي، وعبر عامل أساسي باستغلال موارده البشرية، وتحويلها إلى مساهم أساسي في سوق العمل الإسرائيلي، وأدت السياسة الإسرائيلية إلى تعاظم مستويات الأجور المدفوعة في سوق العمل الإسرائيلي مقارنة مع نظيراتها في سوق العمل الفلسطيني, وظهر ذلك واضحاً في القطاع الزراعي, خاصة مع المنافسة الشديد للمنتجات الزراعية الإسرائيلية مع ما يماثلها من المنتجات الفلسطينية, مما أدى إلى زيادة أعداد العاملين بالزراعة في "إسرائيل" من جهة, وهجرة العديد من المزارعين لحقولهم, وبالتالي التسارع الحاد في زيادة عدد العاملين بأجر, وتعاظم عدد العمال الفلسطينيين في "إسرائيل", مما ولد حالة من الاعتماد المطلق على سوق العمل الإسرائيلي, أضف إلى ما شهدته الأراضي الفلسطينية في فترة السبعينيات من القرن الماضي, عبر تزايد هجرة الكفاءات العلمية إلى الدول العربية النفطية, مما أدى بالتبعية إلى تأثر الاقتصاد الفلسطيني بشكل مباشر بالهزات والتقلبات التي يمر بها "الاقتصاد الإسرائيلي", والتأثير في طبيعة التركيبة المهنية للعمال الفلسطينيين التي تركزت في مهن معينة تعتمد على حاجة سوق العمل الإسرائيلي كنتيجة أولية لتباين مستوى الأجور. ولا يبدو أن الخيارات الفلسطينية طوال العقود الماضية تتيح تطوير الواقع لتخفيف حدة البطالة بسبب التوتر المزدوج مع "الحكومة الإسرائيلية" ومع حماس التي تشكل القوة الحقيقية في قطاع غزة.

واقع مضطرب

  وفق احصائيات وزارة العمل في السلطة الفلسطينية فإن ما يقارب 45 ألف مواطن يبحثون عن فرصة عمل في سوق العمل الفلسطينية سنوياً، فنسبة من لا يعمل وهو قادر على العمل تبلغ 24% من بين القوى العاملة أي ما يساوي 232 ألف شخص. في المقابل فإن عجلة الحياة الاقتصادية توقفت في قطاع غزة، فلا منشآت تعمل ولا تشغيل، وتجاوز عدد المتعطلين عن العمل أكثر من 160 ألفًا، فالحرب ضربت كل مناحي الحياة الصحية والتعليمية والصناعية والزراعية ومنشآت 'الأونروا' ومحطات المياه والصرف الصحي والكهرباء، والمؤسسات المصرفية والجمعيات الخيرية، ومواقع التراث، وحتى دور العبادة والأماكن المقدسة.

عملياً فإن اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة دخل في في أزمة عميقة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، كما أن النزاع في قطاع غزة خلال الفترة من 2005 – 2007 وضع قيوداً على حركة وتنقل الفلسطينيين والبضائع، وعلى إمكانية الوصول إلى الخدمات. وفي العقد الأول من القرن الحالي شهد الاقتصاد في الضفة الغربية وقطاع غزة  أعلى معدلات البطالة في العالم، فبلغت البطالة ذروتها عام 2002، وسجلت نسبة 30%، وبقيت هذه النسبة أعلى من 20% في عام 2009، وارتفعت نسب التشغيل للعمالة المحدودة بين الذين يشغلون الوظائف من 15% إلى ما يزيد عن 25% ، خلال الفترة من 1998 إلى 2009.

في المقابل حدث تراجع عشوائي في تشغيل الشباب، فبلغت مشاركة القوى العاملة الشابة 33% عام 2009، وكانت الفئة السكانية الأقل تعليماً هي الأكثر تضرراً ، فعاشت أعلى مستويات التراجع في التشغيل بعد بداية الانتفاضة الثانية، وارتبط هذا الأمر بعاملين: الانخفاض الحاد المتعمد لإمكانية وصول الفلسطينيين لأسواق العمل الإسرائيلي، والاستقرار النسبي للوظائف الحكومية مما أدى لعدم قدرة الشباب والفئة الأقل تعليماً على الحصول على ما هو متاح داخل القطاع الحكومي.

والواضح أن الانعكاس الأساسي للتراجع الاقتصادي في ضفة والقطاع، منذ الانتفاضة الثانية، أثر بشكل أولي على الصناعة، فانخفضت حصة التصنيع والأعمال الإنشائية في إجمالي تشغيل القوى العاملة من 37% عام 1998 إلى 24% عام 2009، مما أدى لارتفاع  حصة الحكومة في إجمالي تشغيل القوى العاملة من 17% إلى 26% ما بين 1999 وعام 2009. في المقابل انخفض الدخل المكتسب مترافقا مع انخفاض الأجور الحقيقية بنسبة تتراوح بين 10%-30%.

قطاع غزة… تأثيرات متبادلة

أدى التدهور في ظروف قطاع غزة منذ فوز حماس بالانتخابات (2005) إلى عزله بالكامل، ومقارنة مع الضفة الغربية فإن سوق العمل في غزة كان أسوء بدرجات كبيرة، فارتفعت معدلات البطالة عمّا هي عليه في الضفة، وانخفضت معدلات المشاركة في القوى العاملة وفي مستويات الأجور، وكان تراجع مستوى التصنيع في القطاع الخاص، وازدياد مستوى الاعتماد على الوظائف الحكومية نوع من التكيف مع القيود على سوق العمل بين الضفة وغزة.

الملاحظة الأخيرة تطال القطاع والضفة وتتعلق بفروقات بين الجنسين في سوق العمل. فالنساء يخضعن لقيود الأعراف الاجتماعية مثل معظم نساء المنطقة لكن الأهم هي مجموعة الهموم الخاصة بمسألة السلامة والقدرة على الحركة والتنقل، وندرة فرص العمل. فالنساء يشكلن أقل نسب المشاركة النسائية في القوى العاملة، أقل من 16%، إلا أنّ كلاً من مشاركة المرأة في القوى العاملة، والبطالة في صفوف الإناث ارتفعا منذ عام 2003، مما يوحي بأن انتشار البطالة في صفوف الذكور يدفع المرأة إلى العمل.

وقائع خاصة

من المؤشرات الأساسية أن البطالة في فلسطين وفي ظل الاحتلال تميزت بانخفاض مستوياتها, ولم تصل في أسوأ الأحوال إلى 1 % , وتراوحت نسبتها بين 0.7% — 0.8% حتى عام 1984، حيث بدأت نسبة البطالة بالارتفاع ووصلت إلى 2.7% عام 1984، ثم ارتفعت عام 1993 إلى 6.7% , فالاعتبارات السياسية واضحة في هذه النسب, ويعود السبب الرئيسي لارتفاع نسب البطالة خلال الفترة من 1984 – 1993 إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987, وما رافقها من سياسة الإغلاق وإجراءات تشغيل ودخول العمال الفلسطينيين إلى "إسرائيل", كما كان لنتائج حرب الخليج الثانية وعودة أعداد كبيرة من العاملين الفلسطينيين في دول الخليج, إضافة لعودة بعض الفلسطينين وفقا لاتفاق أوسلو 1993, حيث حاولت السلطة الفلسطينية وأجهزتها استيعاب جزء من فائض العمالة, إلا أن هذا الاستيعاب بقي محدوداً.

من جانب آخر فإن نسب الزيادة في حجم البطالة تسارعت في ظل السلطة الفلسطينية, وتفاوتت نسبها ما بين 12% و 23% في الفترة ما بين عام 1995 وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000؛ ويعد هذا الأمر سياسي بامتياز, في حين أن فترات الاستقرار التي سادت المنطقة في الفترة ما بين 1999—2000 وما رافقها من حالة الانفراج السياسي بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية أدت إلى نمو ملحوظ في الاقتصاد الفلسطيني  رافقه انخفاض في معدلات البطالة والتي عادت إلى الارتفاع مع اندلاع انتفاضة الأقصى .

والواضح أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من العديد من العوائق والمحددات, التي تعطل مسيرة العملية الإنتاجية نحو تأمين الاحتياجات المتزايدة للمجتمع الفلسطيني, والتي تشمل القيام بالأعباء الاقتصادية اللازمة لبناء الدولة ومؤسساتها وتحفيز القطاعات الاقتصادية الداعمة للاقتصاد وتوفير فرص العمل التي تتوافق مع عرض القوى العاملة, مما يترتب على هذه المحددات فرض أعباء على عاتق الشعب بصورة عامة وعلى عاتق رجال الاقتصاد والسياسة بشكل خاص، وفي ظل عدم القدرة على خلق توافقات فلسطينية بالدرجة الأولى، ومن بعدها اتفاقات على المستوى فلسطيني – إسرائيلي، فإن سوق العمل الفلسطيني سيبقى يعاني من أزمات، وسيشكل نقطة أساسية للضغط على السلطة الفلسطينية، وفي المقابل فإن أسواق العمل في باقي دول الشام لم تعد في ظل الأزمات الأمنية الحالية قادرة على المساعدة، مما يؤشر إلى ضرورة وجود إستراتيجية مختلفة لا ترتبط فقط بعلاقات السلطة الفلسطينية مع "إسرائيل"، بل تشمل صياغة سوق العمل في المنطقة عموماً بشكل يساعد على عملية الإنماء دون تقسيم سوق العمل بالشكل القائم حالياً.

* جميع الحقوق محفوظة معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام – .

تقارير ذات صلة