معهد ليفانت للدراسات

سورية 2014 .. حروب المتعَبين

ديسمبر 28
19:27 2014

كانت بداية العام تستعجل مؤتمر جنيف، وينتهي العام بمحاولة الإسراع نحو مؤتمر موسكو، ورغم الفارق ما بين الحدثين، لكنهما يقدمان صورة لأبرز التفاصيل التي مرت على سورية، فالتطورات الميدانية بقيت حبيسة المأزق السياسي، وانتشار "داعش" مع ظهور التحالف الغربي والغارات فوق الأرض السورية؛ لم يغيرا من مسار الواقع السوري، فالحدث غارق في متاهة البحث عن صيغ سياسية عامة لا تنهي الأزمة السورية فقط، بل تعيد تشكيل التوازن الشرق أوسطي.
 

جنيف 2 البداية

في الشهر الأول من العام الحالي انعقد مؤتمر جنيف 2، ورمزية الأرض السويسرية لم تؤثر على وقائع المؤتمر، فهو بدأ بحالة استعراضية دولياً، توحي بأن المفاوضات ستذهب إلى حل توافقي مع ضغط واضح من عواصم القرار الدولي وعلى الأخص موسكو وواشنطن، لكن المؤتمر كان نهاية المسار السياسي لعام واحد على الأقل، وفشل المفاوضات هو الخطوة الأولى في تسارع التحرك الميداني فانتشرت داعش لاحقاً، بينما عانت المجموعات المسلحة الأخرى من انحسار واضح في مناطق كان أبرزها القلمون وحمص وأخيراً مدينة حلب، هذا إضافة لمعارك الغاب الشرقي، فما الذي أحدثه مؤتمر جنيف؟

عملياً فإن المؤتمر نقل إلى العلن طبيعة الخلاف الدولي حول الترتيبات بشأن سورية والمنطقة، ورغم أن الخلاف ظهر في ترتيب الأولويات ما بين محاربة الأرهاب أو السلطة الانتقالية، لكن التفاصيل من داخل غرف التفاوض تشير إلى أن المواقف طوال المؤتمر لم تتغير، وهذا الأمر كان يعني ثلاث أمور أساسية:

  • الأول أن التوافقات الروسية – الأمريكية حول الأزمة السورية كانت على الحدود المقبولة لتجنب تطوير الصراع، ولم تكن حاسمة لكي يتم الضغط على المتفاوضين من أجل التوصل لاتفاق ولو بالخطوط العريضة.
  • الثاني أوضحت تفاصيل الحوار وعلى الأخص ضمن وفد الائتلاف أن التصورات الأولية ماتزال غائبة، فالائتلاف يجتمع مع وفد الحكومة لكنه لا يعترف بشرعيته، وهي معضلة على مستوى التفكير السياسي، في نفس الوقت فإن وفد الحكومة يتفاوض مع وفد معارض لا يعتبره ممثلاً ولا حتى لطيف المعارضة السورية.
  • الثالث الدخول في اختبار إدارة الأزمة من قبل الطرفين الدوليين: الروسي والأمريكي، فهما يسعيان لخلق عملية إحراج متبادلة، بحيث تكون الأزمة السورية هي نقطة الارتكاز في خلق رواية سياسية توضح عجز الطرف الآخر عن إدارة الأمر بمفرده، فلا الولايات المتحدة كانت في موقع التأثير القوي على المجريات، ولا روسيا استطاعت خلق مشاركة فعّالة مع واشنطن في هذا الموضوع.

وانتهى مؤتمر جنيف لتبدأ دورة من التصعيد السياسي والعسكري من أجل كسب المزيد من الأوراق، فدمشق دخلت في الاستحقاق الرئاسي رغم ظروف الحرب، بينما بدأت واشنطن في البحث عن جبهة سياسية أكثر تماسكا نتيجة التطورات التي فرضتها داعش على الأرض.

انتخابات رئاسية رغم الحرب

ضمن المهلة الدستورية المقررة دخلت سورية الانتخابات الرئاسية، ووسط عنف غير مسبوق تجاه العاصمة دمشق كانت الانتخابات ضمن منافسة ضمت ثلاث مرشحين،  الأول ماهر حجار قادم من خلفية شيوعية، والثاني حسان النوري ويمثل فئة التكنوقراط ، وأخيراً الرئيس بشار الأسد، وبالتأكيد فإن المنافسة الديمقراطية لم تكن الهدف الأساسي من العملية، فعدم تأجيل الانتخابات كان لتأكيد قدرة الدولة على الاستمرار وعدم إتاحة الفرصة للرهان على "الدولة الفاشلة" الذي كان يعني فتح الباب لخرق السيادة، أما منطق المعارضة فكان مختلفاً، لأن الدخول في العملية الانتخابية كان يعني قطع باب الحوار والتفاوض، ومعظم الأطراف المعارضة كانت ترى أن تأجيل الانتخابات سيتيح مجالاً أوسع لإحياء مؤتمر جنيف.

بالنسبة للسلطة السياسية كانت الانتخابات الرئاسية أكثر من مسألة اختبار لثبات مؤسسات الدولة، بل أرادت طرح أمرين أساسيين:

  • الأول تأكيد الشرعية شعبياً، فصناديق الاقتراع فُتحت وسط أجواء من التوتر نتيجة قذائف الهاون التي سقطت على العاصمة تحديداً، ولم تمنع المواطنين من الانتخاب، فالامتحان الصعب بالنسبة لدمشق تم تجاوزه قبل موعد الانتخابات، وتكريس الشرعية شعبياً، بغض النظر عن التصريحات الغربية، هو الأساس الذي سارت عليه الانتخابات، وظهر بوضوح في لبنان مع الظاهرة التي بدت وكأنها تحدٍ لمعسكرات النزوح، فكانت الصور التي تتناقلها وكالات الأنباء صادمة لحجم من توافدوا للإدلاء بأصواتهم.
  • الثاني قطع الطريق على الحلول السياسية المرنة، مثلما حدث في اليمن على سبيل المثال، فهي تريد إقراراً دولياً بمحاربة الإرهاب وتمكين الحكومة، مهما كان نوعها، ممارسة صلاحيات واسعة في هذا الخصوص، فالانتخابات الرئاسية جاءت لتحدد المسار السياسي بالنسبة لدمشق، فهو لا يمكن أن يكون مجرد استمرار لحالات مشابهة تصبح فيه الشرعية تائهة داخل التوافقات (لبنان مثلا) .

الملاحظ أن ردود الفعل على الانتخابات، على كثرتها، لم تكن عنيفة، وكانت إعلاناً بأن التحول سيكون ضمن مسار آخر، فكان انتشار داعش كسراً  لحالة التحصين التي أرادتها دمشق، وهذا لا يعني أن الاستحقاق الرئاسي أدى لمعارك مع داعش وانتشارها، بل لإيجاد آليات دولية للتعامل مع هذا التنظيم كي تستطيع إيجاد اختراقات سياسية داخل الأزمة السورية.

التحالف… نهاية المطاف

سقطت الموصل وتغيرت حكومة بغداد وتشكل التحالف، ووسع نشاطه باتجاه سورية، وكانت "عين العرب" (كوباني) نقطة ارتكاز أساسية، وفي المقابل لم تدخل داعش إلى هذه المدينة، إلا أن المقاتلين الكرد لم يفكوا الحصار أيضاً، فهناك واقع جغرافي تم فرضه على سورية عموماً، فالتحالف خرق السيادة السورية، وحمل مبرراً أخلاقياً لهذا الخرق، وبقي حذراً من أي تماس مباشر مع الجيش السوري، فكيف يمكن فهم هذه المعادلة المعقدة؟

حتى نهاية 2014 فإن التحالف لم يحقق سوى إيجاد عدو يحاربه على الآرض السورية، وبالتالي فهو يبني تحالفات ويخلق متغيرات من خلال تأثيره العسكري من الجو، وعملية تهيئة معارضة مسلحة معتدلة مازال مرهوناً بخيوط سياسية مع الأطراف الإقليمية، فتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ينحسر ويتمدد بشكل دوري، بينما تسعى واشنطن لكسب الوقت من أجل تحسين المواقع السياسية في مواجهة موسكو.

لم يكن مفاجئاً أن يمر العام دون أفق سياسي، فالحدث الميداني لا يبدو مهما أمام الإخفاق في خلق واقع سياسي مختلف، والرهانات على سورية بدت حدّية خلال هذا العام، ففتح جبهات دولية جديدة مثل أوكرانيا ثم حرب النفط، لم يؤدي في النهاية إلى كسر الزخم السياسي للأزمة السورية التي دخلت مرحلة انتظار، ومهما كانت النتائج  للقاء موسكو العام المقبل فإن الجميع ينتظر توافقات جديدة ومختلف من عواصم القرار لرسم أفق جديد لسورية والشرق الأوسط عموماً.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

تقارير ذات صلة